.
.
سرّاق باسم الله وغزّة: حين يتخاصم السّرّاق الأكارم الأتقياء الثّقات حول الغنيمة
تتجلى في المشهد الراهن بين عامي 2024 و2026 فصول مأساة أخلاقية وسياسية كبرى تعكس تحول القضية الفلسطينية إلى أصل مالي يتم تداوله في سوق "اقتصاد القداسة"، حيث تشير الوثائق والتحليلات إلى بنية معقدة من الاستحواذ المالي تديرها شبكات تابعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين بالتعاون مع أذرعها المختلفة. إن العلاقة بين حركة حماس الإرهابية، بوصفها فصيلاً منبثقاً عن مدرسة الإخوان، وبين الهيئات الشرعية والأوقاف الدولية التابعة للتنظيم، كشفت عن نمط فريد يتم فيه تحويل الرموز الدينية ومعاناة غزة إلى مبررات لجمع تبرعات فلكية. لقد تحولت المؤسسات الدينية في هذا السياق من أدوات للدعوة إلى واجهات تجارية ومالية تمارس التحيّل والاسترزاق من حماقة الشعوب عبر استغلال العواطف الجياشة لجمع مئات الملايين من الدولارات. ولم يكن الصراع الذي انفجر علناً مع مطلع عام 2024 إلا نتيجة لخلافات حادة على توزيع هذه "الغنيمة" أو الأنصبة المالية بين الأطراف المتصارعة، حيث يمثل بيان حركة حماس الإرهابية الشهير برفع الغطاء عن مؤسسات مثل "وقف الأمة" ذروة التناقض بين لصوص ومجرمين يرتدون عباءة المقاومة ولصوص ومجرمين يرتدون عمائم العلماء.
إن التوصيف التنظيمي لهذا الصراع يكشف عن توزيع دقيق للأدوار، حيث تمثل حماس الجناح المستفيد من التبرعات، بينما تلعب مؤسسة "وقف الأمة" دور الذراع المالي والاستثماري في تركيا، وتوفر هيئة علماء المسلمين الغطاء الشرعي والتزكيات اللازمة لجذب أموال المتبرعين. وقد وصلت هذه العلاقة إلى طريق مسدود بعد اتهامات باختلاس نحو 500 مليون دولار ورفض تسليمها للحركة، مما دفع حماس لرفع الغطاء رسمياً عن هذه الجهات بعد اكتشاف سرقات واسعة النطاق. وتعود جذور هذا الفساد المنظم إلى عام 2013 حين تأسست "وقف الأمة" في إسطنبول ككيان وقفي لخدمة مشاريع القدس، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى إمبراطورية للنهب. واستغلت المؤسسة، التي يديرها أحمد العمري، وجودها في تركيا بعيداً عن الرقابة المالية الصارمة لبناء شبكة معقدة من الحسابات البنكية الشخصية والاستثمارات العقارية.
لقد اعتمدت هذه المنظومة على "آلية التزكيات القديمة" لاستغلال رموز دينية سابقة لإقناع المتبرعين بالموثوقية، بينما كانت الأموال تُدور في مشاريع استثمارية تعود أرباحها لصالح قيادات التنظيم الدولي. وهذا ما دفع حماس لوصف هؤلاء بـ "مرتزقة التبرعات وتجار الدم"، وهو وصف يؤكد أن الخلاف لم يكن يوماً على المبادئ بل على حجم الغنيمة التي تضخمت لتصل إلى نصف مليار دولار في حملة واحدة بعد أحداث أكتوبر 2023. وتضم قائمة الشخصيات المتورطة في هذه الملفات أسماء بارزة تشكل نواة "عصابة اللصوص" التي تسترزق تحت غطاء القداسة، وعلى رأسهم أحمد العمري العقل المدبر للشبكة، وسعيد أبو العبد يزيد النوفل المتهم بالاستحواذ على مؤسسات الحركة المالية، بالإضافة إلى قيادات ميدانية مثل فؤاد الزبيدي وسمير سعيد الذين قاموا بتحويل مبالغ ضخمة إلى حسابات خاصة وفروا إلى دول أوروبية.
وتشير التقارير إلى أن الغطاء "العلماوي" وفرته شخصيات مثل علي القره داغي ومحمد ولد الددو وعلي الصلابي لحملات نوفمبر 2025، رغم علمهم ببيانات حماس المحذرة، مما يشير إلى تواطؤ قيادة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في عمليات النهب. إن آلية السرقة الكبرى باسم غزة اعتمدت على استغلال المشاهد المأساوية للدمار لتحفيز الشعوب على التبرع، ليتم لاحقاً توزيع المبالغ وفق مسارات مشبوهة تشمل اقتطاعات إدارية تصل إلى 50% تذهب كرواتب فلكية للقيادات في إسطنبول. كما تم الكشف عن استخدام هذه الأموال في شراء عقارات فارهة بأسماء زوجات وأبناء القيادات في تركيا والأردن، بل وتم تحويل مبالغ ضخمة لتمويل الحملات الانتخابية لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن في يوليو 2025.
وبالمقارنة بين التدفقات المالية الإغاثية الفعلية والنهب المنظم، يظهر أن حملات مثل "وفاء لغزة" لم يصل منها للمستفيدين الفعليين أقل من 5%، بينما ذهبت بقية الـ 500 مليون دولار لحسابات شخصية وتمويل حزبي. وفي المقابل، تبرز قنوات رسمية مثل الهيئة الأردنية الهاشمية التي تحقق نسب وصول تتجاوز 90%، مما يفضح زيف ادعاءات شبكات "وقف الأمة" التي تفتقر لأدنى معايير الشفافية. إن كواليس الانفجار بين حماس والتنظيم الدولي تعكس قاعدة "سارق سرق سارقاً"، حيث لم يكن الخلاف بسبب يقظة ضمير بل لأن لصوص تركيا توقفوا عن دفع "الأتاوات" المتفق عليها للجناح الميداني في غزة. حماس التي تعيش قياداتها في فنادق الدوحة وإسطنبول شعرت بأن هناك من ينافسها في المتاجرة بالدم الفلسطيني ويستحوذ على "حقوق الامتياز" المالية.
وعندما رفض أحمد العمري وفريقه التعاون مع لجان تحقيق حماس، وهددوا بكشف تفاصيل حساسة عن طرق تهريب الأموال في أوروبا، لجأت الحركة إلى "خيار شمشون" (بمعنى "عليّ وعلى أعدائي") وفضحت المؤسسات علناً لقطع الطريق على استمرار تدفق الأموال إليها. وهنا تبرز هيئة علماء المسلمين كأداة للتوظيف الديني وصناعة حماقة الشعوب، حيث يستخدمون منابر الجمعة والفضائيات وقنوات اليوتيوب وصفحات الفيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي لتصوير التبرع لهذه المؤسسات المشبوهة كفعل جهادي لا يصح الإيمان بدونه. إنهم يستهدفون العواطف الشعبية دون تقديم تقارير مالية مدققة، وهو ما يصفه الباحث ماهر فرغلي بأنه جزء من ميزانية التنظيم الإرهابي الدولي التي تفوق ميزانيات دول، ومع ذلك تصر على جمع القروش من الفقراء لتمويل حياة الترف لقياداتها.
وتعتمد تكتيكات الخداع الديني على نشر فيديوهات عاطفية لاستثارة غريزة الشفقة وتعطيل التفكير العقلاني والمساءلة المالية. ومع ذلك، بدأ المناخ القانوني في عام 2025 يضيق على هذه الشبكات، خاصة في الأردن حيث تم تفعيل قرار حل الجماعة وتجفيف منابعها، مما أدى لضبط 30 مليون دينار مخبأة في مستودعات سرية كانت مخصصة لزعزعة الاستقرار الداخلي. وفي تركيا، بدأت وزارة الخزانة منذ أكتوبر 2025 بتطبيق سياسة تدقيق ضريبي صارمة باستخدام نظام "KURGAN" المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مما سمح بتتبع حوالات "وقف الأمة" وكشف التناقض بين المداخيل المعلنة والأصول العقارية الضخمة.
لقد تسبب ضياع الـ 500 مليون دولار في تعميق الانقسام داخل حركة حماس الإرهابية نفسها بين لصوص الخارج بقيادة خالد مشعل الذين يحاولون التغطية على أحمد العمري نظراً لارتباط مصالحهم، وبين لصوص الداخل الذين يشعرون بأنهم أحق بالغنيمة المليارية وفضلوا فضح شركاء الأمس. هذا الصراع يؤكد أن الولاء للمصلحة المالية يسبق أي إدعاء بالولاء لقضايا الإنسان في غزة، وأن البيان الذي وصف المؤسسات بالاستحواذ هو في الحقيقة بلاغ من سارق ضد سارق آخر بعد فشل المفاوضات السرية على تقسيم الحصص. ومع حلول عام 2026، تشير المعطيات إلى انهيار "بيزنس التبرعات" وتفكك شبكات الاسترزاق بفضل زيادة الوعي الشعبي والصرامة الأمنية الدولية. إن عصر النهب المفتوح تحت غطاء القداسة بدأ في الانحسار، والنتيجة الحتمية هي ملاحقة هؤلاء المرتزقة دولياً بتهم غسيل الأموال واختلاس المساعدات، مما يثبت أن "القداسة الدينية" لم تكن سوى قناع زائف لتحقيق ثراء فاحش على حساب دماء الشعوب ومعاناتها.
.



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire