Translate

صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي (مقال)

.

.
صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي




تمثل صورة إرنيستو تشي غيفارا واحدة من أكبر النجاحات التسويقية في التاريخ الحديث حيث تحولت ملامحه الجامدة ونظرته الثائرة إلى سلعة استهلاكية تزين قمصان الشباب وجدران المقاهي في عواصم العالم الرأسمالي الذي كان يدعي محاربته وهذا التناقض البصري ليس سوى قشرة خارجية لإشكالية أعمق تتعلق بصناعة الرمز الثوري وتزييف الحقيقة المادية لصالح السردية الأيديولوجية إذ يرفض العقل اليساري المخدوع بالرومانسية الثورية النظر إلى غيفارا ككائن بشري خاضع لقوانين المادة والسيكولوجيا ويفضل الإبقاء عليه في صورة "المسيح الثوري" الذي ضحى بنفسه من أجل الفقراء بينما تكشف الوثائق التاريخية ومذكراته الشخصية والحقائق المسجلة في الكتاب الأسود للشيوعية عن شخصية سيكوباتية استعذبت القتل واتخذت من الدم أداة للتطهير الأيديولوجي في مشهد لا يختلف كثيراً عن ممارسات التنظيمات الدينية الراديكالية التي يزدريها اليسار نفسه في مفارقة تعكس عمق النفاق المعرفي والارتهان لصنم الشخصية على حساب الحقيقة العلمية الصارمة.
إن البداية الحقيقية لتفكيك أسطورة غيفارا تنطلق من فهم التحول النفسي الذي طرأ على الطبيب الأرجنتيني الشاب خلال رحلاته في أمريكا اللاتينية حيث بدأت تتشكل لديه نظرة استعلائية تجاه النفس البشرية مغلفة بلغة الخلاص الجماعي فاليسار الرومانسي يروج لرحلة غيفارا بالدراجة النارية كرحلة استكشاف للألم الإنساني لكن القراءة المتأنية لمذكراته تكشف عن نزوع مبكر نحو العنف كوسيلة وحيدة لإثبات الذات وتحقيق التغيير فالرجل لم يكن يبحث عن العدالة بمفهومها الحقوقي المادي بل كان يبحث عن صراع ملحمي يغذي شغفه بالمواجهة الصفرية حيث لا مكان للمساومة أو الاعتراف بالآخر وهذا النزوع هو الجذر الأول للشخصية السيكوباتية التي ترى في الآخرين مجرد أرقام في معادلة الثورة الكبرى أو عقبات يجب إزاحتها من طريق التاريخ الحتمي دون أدنى شعور بالذنب أو التردد الأخلاقي.
وعندما انتقل غيفارا من مرحلة التنظير الجمالي للثورة إلى ممارسة السلطة المادية في كوبا تجلت حقيقته كجزار لا يشق له غبار وتحديداً في سجن "لا كابانيا" التاريخي الذي تولى إدارته بعد انتصار الثورة عام ألف وتسعمئة وتسعة وخمسين ففي هذا المكان الذي تحول إلى مسلخ بشري أشرف غيفارا شخصياً على مئات الإعدامات خارج إطار القانون وبدون محاكمات عادلة تليق بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية إن الكتاب الأسود للشيوعية يوثق بدقة بشعة كيف كان غيفارا يستمتع بمشاهدة تنفيذ أحكام الإعدام من نافذة مكتبه وكيف كان يرفض طلبات الاستئناف أو الرأفة حتى في الحالات التي لا تثبت فيها أي تهمة جنائية على الضحية سوى الانتماء لطبقة اجتماعية معينة أو إبداء الرأي المخالف لمسار الثورة وهذا السلوك يكشف عن غياب تام للتعاطف البشري وهو السمة الأساسية للسيكوباتية حيث يتحول القتل من ضرورة عسكرية مفترضة إلى طقس تطهيري يمارسه "القديس" لتخليص المجتمع من "الأعشاب الضارة" وفق تعبيراته الشخصية.
إن التناقض الصارخ يبرز بوضوح عندما نرى المثقف اليساري المعاصر الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول حقوق الإنسان والحريات الفردية ورفض عقوبة الإعدام وهو يحمل عالياً راية غيفارا الذي كتب في رسالة لوالده بكل صلافة أنه اكتشف حبه للقتل وأنه يستمتع برؤية الدم يسيل من خصومه فهذا النفاق المعرفي يعكس حالة من "العمى الأيديولوجي" حيث يتم عزل الفعل الجرمي عن فاعله إذا كان ينتمي لذات المعسكر الفكري إن غيفارا لم يكن يؤمن بالديمقراطية أو بحرية التعبير بل كان يرى في معسكرات العمل القسري وسيلة لإعادة تربية "الإنسان الجديد" وهو المفهوم الذي استلهمه من التجارب الستالينية والماوية لصناعة كائن مطيع مجرد من الفردية والمادية ومسحوق تحت إرادة الدولة والزعيم وهذا المشروع في جوهره هو مشروع استعبادي يتناقض كلياً مع شعارات التحرر التي يرفعها مريدوه في جامعات الغرب وصالونات الشرق الفكرية.
في مذكرات غيفارا الشخصية نجد اعترافات صادمة تكشف عن هوسه بالموت كفعل فني وسياسي فهو يصف لحظة إعدام أحد الفلاحين الذين اتهموا بالخيانة دون دليل قاطع ببرود تام بل ويذكر أنه هو من أطلق الرصاصة الأخيرة على رأسه ليشعر بلذة الإجهاز على العدو وهذا التوثيق الذاتي هو الذبح الحقيقي للنص التاريخي الرومانسي الذي يحاول تصويره كطبيب رحيم فالأركيولوجيا النفسية لنصوص غيفارا تكشف عن إنسان يقدس الكراهية حيث يقول صراحة إن "الحقد غير المحدود تجاه العدو يحول الإنسان إلى آلة قتل فعالة وعنيفة وانتقائية وبدم بارد" وهذه العبارة ليست مجرد شطحة ثورية بل هي دستور عملي طبقته الأنظمة الشمولية التي كان غيفارا أحد أعمدتها وهي ذات العبارات التي يستخدمها المتطرفون الدينيون لتبرير ذبح "الكفار" مما يثبت أن الراديكالية اليسارية والدينية تنهلان من ذات النبع السيكوباتي الذي يحتقر الحياة المادية الفردية لصالح الوهم الجماعي المقدس.
إن تحويل غيفارا إلى أيقونة عالمية لم يكن ليتم لولا التواطؤ اليساري في صناعة "الميتافيزيقا الثورية" التي ترفض إخضاع الرموز للنقد المادي الصارم فاليسار ما بعد الحداثي الذي يدعي تفكيك السرديات الكبرى يقف عاجزاً وأبله أمام سردية غيفارا لأنه يحتاج لصنم يعبد به فراغه الوجودي وفشله في تقديم نموذج مادي ناجح للحياة فالنموذج الذي قدمه غيفارا في كوبا كوزير للصناعة ورئيس للبنك المركزي كان فشلاً ذريعاً أدى إلى تدمير الاقتصاد الكوبي وتحويل الجزيرة إلى سجن كبير يعيش فيه الناس على الكفاف بينما كان "الثائر" يخطط لمغامرات عسكرية أخرى ليصدر القتل والخراب إلى دول أخرى تحت مسمى "خلق فيتنام ثانية وثالثة" وهذا النزوع نحو الفوضى والتدمير هو الملمح الأبرز للشخصية التي لا تستطيع العيش في واقع مادي منظم ومنتج بل تحتاج دائماً لبيئة النزاع لكي تبرر وجودها وسلطتها المطلقة فوق رقاب البشر.
إن الهدف من تعرية هذا النفاق هو إعادة الاعتبار للعقل المادي الذي يرى الأشياء كما هي لا كما تتمناها الأيديولوجيا فالناشط الذي يتظاهر ضد الديكتاتورية في بلده وهو يرتدي قميص غيفارا يمارس نوعاً من الانتحار المنطقي لأن غيفارا لو كان حياً في زمانه ومكانه لكان أول من يسوقه إلى المقصلة بتهمة "الانحلال البرجوازي" أو "العمالة للإمبريالية" لمجرد اختلافه في الرؤية إن صناعة القديس السفاح تعتمد على مغالطة منطقية كبرى تبرر الوسيلة بالغاية لكن في عالم المادة لا توجد غاية تبرر ذبح الأبرياء خارج القانون ولا توجد ثورة تمنح صكاً للقتل بدم بارد إن الحقيقة المادية تقول إن غيفارا كان مديراً لمسلخ بشري ومبشراً بفقر دائم ونظام بوليسي حديدي وما تروجه السينما والكتب اليسارية ليس سوى "أدب دعائي" يهدف لغسل أدمغة الأجيال الشابة وجذبها نحو فخ الالتزام الأعمى الذي ينتهي دائماً بمقابر جماعية أو بدول فاشلة تحتكم لنصوص الماضي الثوري الجامد.
علاوة على ذلك فإن نفاق المثقفين الذين يدافعون عن إدوارد سعيد أو عبد الوهاب المسيري في الشرق وهم يغازلون الرموز اليسارية الغربية مثل غيفارا يظهر كيف يتم استخدام "النضال ضد الغرب" كغطاء لتمرير التخلف والقمع فغيفارا بالنسبة لهؤلاء ليس سوى أداة لمهاجمة النموذج الغربي الليبرالي والمادي الذي يكرهونه لأنه يكشف عجزهم عن المنافسة الحضارية ولذلك يتم تحالف "المسمومين" من يساريين وإسلامويين تحت راية "العداء للمركزية الغربية" ليصبح السفاح غيفارا أخاً في السلاح لرموز التطرف الديني بحجة أن الجميع يقاتل "الإمبريالية" وفي هذا التحالف تضيع كرامة الإنسان وتسحق الحقيقة التاريخية تحت أقدام الغوغاء الذين يقدسون القاتل طالما أنه يكره عدوهم المشترك وهذا هو الانحدار المعرفي الذي يواجهه العالم اليوم حيث تحل العاطفة والتريند محل التحليل البارد والتوثيق الأركيولوجي للأحداث.
إن الكتاب الأسود للشيوعية الذي يعد من أهم الوثائق المادية التي فضحت جرائم الأنظمة الماركسية اللينينية خصص مساحات كافية للدور الكوبي بقيادة كاسترو وغيفارا حيث تم توثيق إعدام ما يقارب عشرة آلاف شخص في السنوات الأولى للثورة ومعظمهم لم يكونوا من فلول النظام السابق بل من العمال والفلاحين والنقابيين الذين رفضوا تسليم حرياتهم للديكتاتورية الجديدة وهذا الرقم المهول من الضحايا ينسف كلياً كذبة "الثورة الإنسانية" ويضع غيفارا في مكانه الصحيح كأحد كبار المجلدين في التاريخ الحديث إن الروح السيكوباتية التي ميزت غيفارا كانت تظهر في احتقاره حتى لرفاقه فكان يفرض عليهم معايير قاسية من التقشف والزهد بينما هو يتمتع بسلطة الحياة والموت فوق الجميع وهذه النرجسية الثورية هي التي أدت به في النهاية إلى الفشل في بوليفيا حيث حاول فرض ثورة على شعب لم يطلبه ولم يفهمه فانتهى نهاية بائسة تتناسب مع عبثية حياته وتطرفه الذي لم يجن منه العالم سوى الشعارات الفارغة والقمصان الملونة.
في مذكراته عن بوليفيا يظهر غيفارا في أوج انفصاله عن الواقع المادي حيث يصف الفلاحين البوليفيين الذين رفضوا الانضمام إليه بأنهم "حمير" و"جهلة" وهذا يعكس النظرة الاحتقارية للمثقف اليساري تجاه الشعب الحقيقي الذي يدعي تمثيله فعندما لا تتبع الجماهير "الرؤية المقدسة" للزعيم الثوري تصبح الجماهير هي المشكلة ويصبح قمعها واجباً ثورياً وهذا هو المنطق الذي أدى لظهور الغولاغ في الاتحاد السوفيتي ومعسكرات الاعتقال في كوبا وصين ماو إن غيفارا لم يكن سوى نسخة مصغرة من هؤلاء الطغاة الكبار لكنه حظي بآلة دعاية غربية حولته إلى "رومانسية متمردة" تناسب ذوق المراهقين فكرياً في باريس ونيويورك ولندن والذين يعيشون في رغد المادية الليبرالية ويحلمون بمغامرات القتل في الغابات البعيدة دون أن يضطروا لدفع ثمنها من حرياتهم الشخصية.
إن تفكيك هذه الأيقونة يتطلب شجاعة معرفية لمواجهة "إرهاب الوصم" الذي يمارسه اليسار ضد كل من ينقد غيفارا حيث تُلقى تهم العمالة والبرجوازية والصهيونية على كل من يجرؤ على استحضار الوثائق التاريخية لجرائم "لا كابانيا" وهذا الإرهاب المعرفي هو ذاته الذي يمارسه الإسلامويون لحماية نصوصهم ورموزهم مما يؤكد وحدة المنهج القمعي بين الفريقين إن الحقيقة المادية لا تخشى النقد بل الخرافة هي التي تتدرع بالمقدس والرموز العاطفية لمنع التساؤل ومن هنا تصبح الكتابة عن إجرام غيفارا فعلاً تحررياً يهدف لنزع القداسة عن الدم ورفض صناعة القديسين من بقايا السفاحين فالعالم اليوم لا يحتاج لمزيد من "الثوار" الذين يقدسون الموت بل يحتاج لعقول مادية باردة تبني المستشفيات والمختبرات وتحترم الحق المقدس لكل فرد في الحياة والحرية والرفاهية بعيداً عن صراعات الأيديولوجيا البائسة.
إن يسار الدم الرومانسي يعاني من انفصام قيمي حاد فهو يتباكى على الضحايا في مكان ويصفق للجلاد في مكان آخر إذا كان يرفع شعاراته وهذا السقوط الأخلاقي هو الذي جعل هذا التيار يفقد مصداقيته التاريخية ويتحول إلى مجرد ظاهرة صوتية في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتم تدوير الأكاذيب حول غيفارا كبطل أسطوري لم يُهزم بل خُدع وهذا الهروب نحو "المظلومية" هو تكتيك دفاعي لعدم الاعتراف بدموية المشروع وفشله المادي إن الأركيولوجيا السياسية لا تترك مكاناً لهذه الأوهام فهي تكشف بالدليل القاطع أن كل بقعة داسها غيفارا انتهت بخراب اقتصادي وقمع اجتماعي ومقابر صامتة مما يجعل من تقديسه فعلاً ينم عن جهل مطبق بالتاريخ أو عن سوء نية يهدف لاستدامة ثقافة العنف والكراهية في المجتمعات البشرية.
وفي الختام يظل غيفارا درساً بليغاً في كيفية صناعة "الوهم المقدس" وتصديره للجماهير المتعطشة لأبطال وهميين يعوضون عجزها عن مواجهة تحديات العصر إن تعرية هذا الصنم هي خطوة ضرورية في مسيرة تنوير العقل المادي العربي والعالمي للخروج من نفق التقديس الأعمى نحو فضاء النقد المفتوح فالحياة أهم من الثورة والإنسان الفرد أهم من الحلم الجماعي الدموي والصدق مع الحقيقة التاريخية الموثقة هو السبيل الوحيد للنجاة من تكرار كوارث الماضي التي تسببت فيها هذه الأيقونات المصنوعة من الغرز والأكاذيب إن غيفارا السفاح سيبقى شاهداً على قدرة الأيديولوجيا على تزييف الواقع لكن الحقيقة المادية التي تنطق بها مذكراته ودماء ضحاياه ستظل تطارده وتطارد كل من يحاول بعثه من جديد في صورة قديس زائف لا يتقن سوى لغة الرصاص وصناعة الجنائز.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...