Translate

جزر القلق (قصة قصيرة)

.


.
جزر القلق




تأخذنا الدروب الضيقة في "المدينة العتيقة" ببنزرت إلى حكاية "سلوى"، امرأة في الخامسة والثلاثين، تحمل في عينيها زرقة البحر الممزوجة بملوحة الخيبات. بعد طلاق عاصف خلّف وراءه ندوباً نفسية أكثر من الجسدية، وجدت سلوى نفسها تعود لبيت والديها في حي "الأندلس"، حيث الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء العتيقة التي تبدو وكأنها تحرس أسرار النساء المكلومات.



الفصل الأول: صدى القنال الكبير

في بنزرت، لا يمكنك الهروب من صوت البحر. كان هذا الصوت هو الرفيق الوحيد لسلوى وهي تجلس كل مساء على "الرصيف القديم". الطلاق في مجتمع يحكمه العرف قبل القانون ليس مجرد ورقة رسمية، بل هو وصمة غير مرئية تشعر بها سلوى في نظرات الجارات اللواتي يتوقفن عن الكلام بمجرد مرورها، وفي شفقة أمها التي تحاول إقناعها بأن "الستر" أهم من الحب.
كانت سلوى تعمل في مكتبة صغيرة قريبة من "المنطقة السياحية". هناك، وسط رائحة الورق القديم والحبر، كانت تبحث عن الحب الذي افتقدته في زواجها السابق. لم يكن بحثها عن رجل بالمعنى المادي فقط، بل كانت تبحث عن "الاعتراف". عن شخص يرى فيها "المرأة" لا "المطلقة".
ذات صباح ممطر، دخل المكتبة رجل غريب. لم يكن من أبناء الحي، ملامحه توحي بهدوء غامض، كان يبحث عن ديوان شعر للشاعر التونسي "المنصف المزغني".
قال لها وهو يتصفح الكتاب: "بنزرت في الشتاء أجمل، أليس كذلك؟".
أجابت بنبرة حاذرة: "هي أجمل لمن لا يملك ذكريات حزينة فيها".
ابتسم الرجل، واسمه "مراد"، مهندس معماري جاء من تونس العاصمة للإشراف على ترميم بعض المباني التاريخية. كان في ابتسامته نوع من الأمان الذي افتقدته سلوى لسنوات.



الفصل الثاني: لغة الصمت والورد

تكررت زيارات مراد للمكتبة. بدأت الأحاديث تطول، من الأدب إلى تاريخ المدينة، وصولاً إلى التفاصيل الصغيرة. شعرت سلوى بدبيب الحياة يعود إلى أوصالها. كانت تختار أجمل ثيابها، تضع لمسة خفيفة من الكحل، وتنتظر الساعة الرابعة عصراً، موعد مروره المعتاد.
لكن الخوف كان رفيقها الدائم. "هل يعرف أنني مطلقة؟" كان هذا السؤال يؤرقها. في مجتمعها، يُنظر للمطلقة كأنها "بضاعة مستعملة" في سوق العواطف، بينما يُنظر للرجل كأنه دائماً في ريعان بداياته.
في إحدى الأمسيات، دعاه مراد لتناول القهوة في مقهى "الفينيق" المطل على البحر. كان الهواء بارداً، لكن الدفء كان يتسلل من نظراته.
قالت له فجأة، وكأنها تلقي بحجر في بركة راكدة: "أنا امرأة خرجت من حرب خاسرة.. أنا مطلقة يا مراد".
توقع أمين أن يرى في عينيه تلك النظرة المألوفة: تراجع، أو رغبة عابرة، أو حتى شفقة. لكن مراد وضع فنجانه بهدوء وقال: "أنا لا أبحث عن سجل مدني، أنا أبحث عن روح تشبهني. والحروب هي التي تصنع المعادن النفيسة".



الفصل الثالث: مواجهة الواقع

بدأت قصة الحب تنمو تحت شمس بنزرت الشاحبة. كانا يتجولان في "كورنيش سيدي سالم"، يراقبان الصيادين وهم يجرون شباكهم المليئة بالخيبة أحياناً وبالرزق أحياناً أخرى. شعرت سلوى أنها تولد من جديد.
لكن "المدينة الصغيرة" لا ترحم. بدأت الإشاعات تطاردها. "سلوى المطلقة تواعد غريباً"، "ابنة فلان تمشي مع رجل من العاصمة". وصلت الأخبار إلى شقيقها "سامي"، الذي كان يرى في حرية أخته تهديداً لـ "شرفه" المتوهم.
انفجر سامي في وجهها ليلة عودتها متأخرة قليلاً: "هل تريدين أن تصبحي حديث المدينة؟ أنتِ مطلقة، يجب أن تحني رأسكِ وتنتظري قدراً يستر خيبتك، لا أن تتسكعي في الشوارع!".
بكت سلوى، لا ضعفاً، بل قهراً. بكت لأنها اكتشفت أن أقرب الناس إليها يراها "عبئاً" يجب إخفاؤه، لا إنساناً من حقه البحث عن السعادة.



الفصل الرابع: عاصفة "الرأس الأبيض"

قرر مراد أن ينهي هذا الجدل. طلب منها أن تلتقي به في منطقة "الرأس الأبيض"، أبعد نقطة في شمال أفريقيا، حيث تلتقي الجبال بالبحر في مشهد مهيب.
هناك، وسط الرياح العاتية، قال لها: "سلوى، أنا لا أريد حباً في الخفاء. أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسمياً. أريدكِ أن تنتقلي معي إلى تونس، لنبدأ حياة بعيدة عن هذه الجدران التي تخنقكِ".
كانت لحظة الحقيقة. هل تختار الأمان الموحش في كنف عائلتها؟ أم تغامر بالرحيل مع رجل عرفته منذ شهور قليلة؟
كانت تدرك أن الحب في بنزرت، للمرأة المطلقة، هو فعل تمرد. هو ثورة على الماضي وعلى قيود المجتمع.



الفصل الخامس: الانبعاث

في يوم مشمس من أيام الربيع البنزرتي، حين تزهر أشجار اللوز في "جبل الناظور"، كانت سلوى تحزم حقائبها. لم يكن الأمر سهلاً، فالمواجهة مع أهلها كانت قاسية، لكنها كانت ضرورية. أخبرتهم أن حياتها ملكها، وأن "الطلاق" ليس نهاية العالم، بل ربما كان البداية الصحيحة لقصة خاطئة.
وقفت سلوى على شرفة غرفتها القديمة للمرة الأخيرة. نظرت إلى البحر الذي شهد انكساراتها وانتصاراتها. رأت القوارب الصغيرة وهي تغادر الميناء نحو المجهول بجرأة.
اتصل بها مراد: "أنا أنتظركِ عند القنال".
نزلت الدرج، خرجت إلى النهج الضيق، كانت تشعر بخفة لم تعهدها من قبل. لم تعد "سلوى المطلقة"، بل أصبحت "سلوى التي وجدت نفسها". مشت نحو القنال، حيث كان مراد يقف بجانب سيارته، يبتسم لها وكأنه يرى فيها كل كنوز البحر.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...