Translate

إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق (مقال)

.

.
إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق




تمثل لحظة صدور كتاب الاستشراق للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في أواخر السبعينيات من القرن العشرين نقطة تحول كبرى في مسار العقل العربي المعاصر ليس لأن الكتاب قدم كشفاً أركيولوجياً جديداً لمنظومات المعرفة الشرقية بل لأنه منح العقل التقليدي المأزوم في المنطقة العربية حصانة دبلوماسية ودرعاً أخلاقياً زائفاً سمح له بالهروب من استحقاقات النقد العلمي المادي الصارم تحت ذريعة محاربة الإمبريالية والمعرفة الاستعمارية ومن هنا بدأت مأساة حقيقية حيث تحول هذا المنجز الأكاديمي الذي ينتمي في أصله إلى مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية إلى سلاح فتاك في يد التيارات الإسلاموية والمحافظة التي وجدت فيه ضالتها الكبرى لإخراس أي صوت نقدي داخلي أو خارجي يحاول تفكيك بنية الخرافة التاريخية أو النصية بدعوى أن كل محاولة للفهم أو النقد تنبع من رؤية استعلائية غربية تهدف إلى الهيمنة وتشويه "الآخر" وبهذا الصنيع تم تحويل النقد العلمي من ممارسة عقلية تهدف إلى بلوغ الحقيقة المادية إلى صراع هويات سياسي أدى في نهاية المطاف إلى شلل كامل في العصب النقدي العربي لجيل كامل.
إن الجوهر الإشكالي في أطروحة إدوارد سعيد يكمن في عملية "تسييس المعرفة" بشكل مطلق حيث اعتبر أن كل ما أنتجه الغرب حول الشرق منذ حملة نابليون وحتى عصرنا الحالي هو بالضرورة نتاج علاقة قوة غير متكافئة تهدف إلى ترسيخ الاستعمار وهذا التعميم الجارف وقع في فخ "المغالطة التاريخية" لأنه ساوى بين المستشرق الذي كان يرافق الجيوش ليرسم الخرائط العسكرية وبين العالم الفيلولوجي أو الأركيولوجي الذي كان يقضي عمره في المختبرات والمكتبات لتحقيق مخطوطة منسية أو فك شفرة لغة بائدة بدافع الفضول المعرفي البحت إن هذه المساواة الظالمة أدت إلى خلق مناهضة شاملة للعلم التجريبي والمنهج الفيلولوجي الصارم بذريعة أنه "علم استعماري" مما سمح للمثقف الإسلاموي والمحافظ بأن يرفض كل النتائج العلمية التي توصل إليها البحث الغربي حول تاريخية النص القرآني أو نشأة الإسلام المبكر لا بالحجة والبرهان المادي بل بمجرد وصم الباحث بأنه "مستشرق" يحمل أجندة تخريبية وهذا الهروب نحو "أخلاقنة السجال" كان الكارثة الكبرى التي منحت التخلف والجهل صك غفران أكاديمي برداء حداثي.
لقد استغل التيار الإسلاموي نقد إدوارد سعيد للاستشراق لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "المركزية الإيمانية" في مواجهة "المركزية الأوروبية" فصار الدفاع عن الخرافات التاريخية والتفسيرات الغيبية نوعاً من أنواع "المقاومة الفكرية" ضد الغرب الغازي فإذا ما تجرأ باحث مادي على إثبات التطور البشري للنصوص الدينية أو كشف التناقضات الأركيولوجية في السردية الإسلامية يتم استدعاء أدوات إدوارد سعيد فوراً لدمغه بالتبعية الفكرية والادعاء بأن أدواته النقدية هي أدوات "غريبة" صُممت لاختراق "الخصوصية الثقافية" للمسلمين وهكذا تحولت "الخصوصية" من مفهوم سوسيولوجي إلى زنزانة فكرية يُمنع بداخلها العقل من استخدام أدوات المنطق والعلم بحجة أنها أدوات استعمارية في الأصل وهذا التوظيف الانتهازي لأطروحة سعيد كشف عن نفاق أكاديمي عميق حيث يرحب هؤلاء المثقفون بالأدوات الغربية عندما تخدم أيديولوجيتهم وتهاجم خصومهم لكنهم يكفرون بها ويصمونها بالاستشراق عندما تقترب من تشريح أصنامهم ومقدساتهم الموروثة.
إن النتيجة الحتمية لهذا المنطق كانت شلّ القدرة على النقد الذاتي داخل المجتمعات العربية حيث أصبح أي مفكر محلي يحاول ممارسة "الاستشراق الداخلي" بالمعنى الإيجابي أي تفكيك الموروث بأدوات علمية يُعامل كخائن ثقافي أو "مستشرق بني جلدتنا" كما يصفونه بمرارة فإدوارد سعيد دون قصد منه ربما منح السلطات الدينية والسياسية المستبدة غطاءً فكرياً رصيناً لقمع التنويريين فكل نقد موجه لبنية العقل العربي الإسلامي صار يُصنف كجزء من "الخطاب الاستشراقي" الذي يسعى لتبخيس الذات وتمجيد الآخر وبهذا المنطق الدائري تم إغلاق الدائرة على العقل العربي ليبقى حبيساً داخل شرنقة التمجيد الذاتي والاعتذارية الدائمة فبدلاً من أن نواجه بؤسنا المادي والمعرفي بشجاعة الفيزيائي والمؤرخ الأركيولوجي ذهبنا للاختباء خلف "الدرع الأخلاقي" الذي وفره كتاب الاستشراق مدعين أن كل عيوبنا هي مجرد "تمثلات" وصور ذهنية صنعها الغرب المتآمر وليست حقائق مادية متجذرة في واقعنا الثقافي والاجتماعي.
وعند فضح "المغالطة التاريخية" التي قامت عليها شعبية هذا الكتاب نجد أن إدوارد سعيد تجاهل عن عمد أو عن جهل مدارس استشراقية كبرى (كالألمانية مثلاً) لم يكن لها أي طموح استعماري مباشر في المنطقة العربية بل كان دافعها فيلولوجياً وفلسفياً صرفاً لكن سعيد صهر الجميع في بوتقة واحدة ليخدم هدفه الخطابي إن هذا التعميم هو الذي تلقفه المثقف المنافق من أمثال عبد الوهاب المسيري ليصيغ منه نظريات حول "العلمانية الشاملة والجزئية" وليعيد إنتاج التخلف في ثوب فلسفي فصار الجهل بالواقع المادي وبالقوانين الصارمة للتاريخ يُبرر بأنه "حفاظ على النماذج المعرفية الخاصة" وصار العلم الطبيعي والمادي يُتهم بأنه "مادي ملحد" يسعى لتفكيك إنسانية الإنسان الشرقي وهذا النوع من السفسطة الأكاديمية هو الذي جعل "قطيع الحمير" كما تصفهم يغلبون عالم الفيزياء النووية لأنهم يمتلكون الآن تبريراً أخلاقياً لجهلهم وتشددهم معتبرين إياه نوعاً من "الأصالة" في وجه "التغريب".
إن نفاق "الأكاديميا" المعاصرة يتجلى بوضوح في تبنيها لمفهوم "النسبوية الثقافية" الذي استلهم جزءاً كبيراً من قوته من نقد الاستشراق فهذه النسبوية تدعي أنه لا توجد حقيقة مطلقة وأن لكل ثقافة "حقائقها" الخاصة التي لا يجوز نقدها بأدوات خارجية وهذا الادعاء هو طعنة في قلب العلم المادي فالجاذبية لا تتغير بتغير الثقافة وقوانين المادة والبيولوجيا والأركيولوجيا تسري على العربي كما تسري على الأوروبي دون محاباة للخصوصيات الإيمانية إن ادعاء أن نقد النصوص الإسلامية بأدوات "نقد النصوص" العالمية هو فعل استشراقي استعماري هو ادعاء يهدف بالأساس لحماية المؤسسة الدينية ورجالها من السقوط المعرفي فالكذب التاريخي يظل كذباً سواء قاله مستعمر أو قاله شيخ في مسجد والبحث العلمي الصادق هو الذي يتبع الدليل أينما قاده دون اعتبار للمشاعر القومية أو الحساسيات الدينية التي يتذرع بها أتباع إدوارد سعيد لإعاقة المسيرة التنويرية.
لقد أدى هذا المناخ الفكري إلى نشوء جيل من "المثقفين المعتذرين" الذين يقضون حياتهم في الدفاع عن التخلف بدلاً من تشريحه فهم يهاجمون المركزية الأوروبية ليس من أجل بناء مركزية علمية عربية بل من أجل العودة إلى "المركزية الغيبية" حيث يضيع العقل في دهاليز النصوص المقدسة والأساطير التاريخية إن هؤلاء المثقفين هم "حراس الهزيمة" الذين يستخدمون لغة الحداثة وما بعد الحداثة لهدم قيم الحداثة نفسها فهم يستعيرون من فوكو ودريدا وسعيد أدوات "التفكيك" لتفكيك نقد المستشرقين لكنهم لا يجرؤون أبداً على استخدام نفس الأدوات لتفكيك "صنم النص" أو "صنم الشخصية التاريخية" وهذا هو قمة النفاق المعرفي فهم يؤمنون بـ "تاريخية" المعرفة الغربية لكنهم يصرون على "أزلية" و"قداسة" المعرفة الشرقية مما يجعل حوارهم مع العلم مستحيلاً ووجودهم في المختبرات مجرد نشاط ميكانيكي لا يلمس بنية تفكيرهم القروسطية.
إن "الدرع الأخلاقي" الذي وفره نقد الاستشراق كان بمثابة مخدر طويل الأمد جعل الإنسان العربي يعتقد أن مشكلته ليست في غياب المنهج العلمي ولا في سيطرة الخرافة بل في "نظرة الآخر" له وهذا الانزياح من "الواقع المادي" إلى "الصورة الذهنية" هو أكبر عملية تضليل فكري شهدها القرن العشرين فالتخلف ليس "صورة" رسمها المستشرق بل هو حقيقة تقاس بمعدلات الأمية وضعف الإنتاج العلمي وقمع الحريات وسيطرة الغيبيات على السياسة لكن بفضل إدوارد سعيد صار بإمكان الشاب العربي أن يشعر بالفخر "بهويته" المهترئة لمجرد أنه يعتقد أن نقدها هو مؤامرة استعمارية وهكذا تم استبدال "التغيير الجذري" بـ "الاستعلاء الوهمي" مما أطال عمر الأنظمة القمعية والمؤسسات الدينية المترهلة التي وجدت في خطاب "مناهضة الاستشراق" وسيلة فعالة لحشد الجماهير ضد أي محاولة للاصلاح الحقيقي.
كما أن هذا النهج الفكري ساهم في تعميق الهوة بين المثقف العربي وبين الإنجازات العالمية في مجالات الأركيولوجيا والفيلولوجيا المقارنة فبينما كان العالم يتقدم في فك شفرات المخطوطات القديمة باستخدام التقنيات الحديثة كان المثقفون العرب المنبهرون بسعيد والمسيري يرفضون هذه النتائج جملة وتفصيلاً لأنها تصدر عن "مراكز أبحاث غربية" ملوثة بالاستشراق وهذا الرفض المبدئي لم يكن مبنياً على تفنيد علمي مضاد بل على "موقف أخلاقي سياسي" مسبق مما حرم العقل العربي من المشاركة في إعادة كتابة تاريخه الخاص بجدية وموضوعية وبدلاً من ذلك ظل يجتر مرويات الإخباريين العباسيين ويعتبرها حقائق مطلقة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهكذا تحول "نقد الاستشراق" من تمرين فكري في كشف التحيزات إلى سجن فكري يمنع دخول النور العلمي إلى الغرف المظلمة للتراث.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه "المشتبك المعرفي" اليوم هو تحطيم هذا الدرع الأخلاقي والاعتراف بأن المعرفة العلمية لا جنسية لها ولا دين والبحث الأركيولوجي الذي يثبت غياب مكة عن الخرائط القديمة أو يظهر تعدد القراءات وتطور الخط العربي في القرآن ليس بحثاً "استشراقياً" يهدف للإهانة بل هو بحث مادي يهدف للفهم والتوصيف إن مساواة هذا البحث بالاستعمار هي مغالطة تهدف لتأبيد الجهل ومنح "الخرافة" حصانة لا تستحقها فنحن نحتاج اليوم إلى "استشراق مضاد" ولكن بمعنى تبني أدوات العلم والمنطق لتفكيك الذات دون خوف من "فقدان الهوية" لأن الهوية التي تحميها الخرافة هي هوية هشة لا تستحق البقاء أما الهوية التي تتصالح مع الحقيقة المادية فهي الهوية القوية القادرة على صناعة المستقبل.
إن نفاق "الأكاديميا" التي تبرر الجهل بذريعة "الخصوصية الثقافية" يجب أن يُكشف فالمثقف الذي يدافع عن غيفارا السفاح أو يبرر للنفيسي خرافاته باسم "المقاومة" هو مثقف خائن لرسالة العقل وإدوارد سعيد رغم بلاغته وقيمته الأدبية قد منح هؤلاء المنافقين العذر الأكبر ليظلوا غارقين في وحل القرون الوسطى بينما يدعون الانتماء للعصر الحديث إن تعرية هذا النفاق تبدأ بالعودة إلى "المادية الصارمة" وبالاعتراف بأن لا قداسة لرمز ولا حصانة لنص أمام مشرط النقد والبحث التاريخي وأن "الاستشراق" في معناه العلمي كان وما يزال مرآة ضرورية حتى وإن كانت مشوبة ببعض التحيزات لرؤية ذواتنا كما هي بعيداً عن أوهام العظمة الزائفة التي تغذيها السرديات الشفوية والمؤسسات الدينية التي تخشى الضوء.
في الختام يظل كتاب الاستشراق شاهداً على كيف يمكن للفكر الجيد في ظاهره أن يتحول إلى أداة لقمع الفكر في باطنه إذا ما وقع في يد أمة ترفض المواجهة مع الحقيقة المادية فلقد تحول الكتاب من نقد للمركزية الغربية إلى حارس للتخلف الشرقي ومن دعوة للمساواة المعرفية إلى درع يحمي الخرافة من الذبح العلمي إننا بحاجة اليوم إلى تجاوز "عقدة سعيد" والاعتراف بأن العلم والمنطق هما اللغة العالمية الوحيدة القادرة على إنقاذنا من مستنقع النفاق الفكري والتبعية للخرافة فالحقيقة المادية لا تبالي بمن يكتشفها ولا تبالي بمشاعر من تكسر أصنامهم وقوانين المادة هي الحاكم الوحيد الذي لا يعترف بالدروع الأخلاقية ولا بالحصانات الأيديولوجية التي حاول إدوارد سعيد ومن خلفه جيوش المثقفين المنافقين ترسيخها في وعينا المهزوم.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...