Translate

جيوش الحمير الرقمية وسيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك وتفكيك طغيان الكم على الكيف (مقال)

.

.
جيوش الحمير الرقمية وسيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك وتفكيك طغيان الكم على الكيف





يمثل العصر الرقمي الحديث وتحديداً في مرحلته الراهنة التي تتصدرها منصات المقاطع القصيرة والخوارزميات فائقة السرعة زلزالاً معرفياً واجتماعياً أعاد تشكيل بنية الغوغاء بصورة لم يشهدها التاريخ البشري من قبل فإذا كانت الجماهير في القرون الماضية تحتاج إلى حشد في الميادين وسماع خطيب مفوه لكي تتحرك ككتلة واحدة عمياء فإن التكنولوجيا الحالية قد نجحت في بناء ما يمكن تسميته بجيوش الحمير الرقمية وهي كتل بشرية هائلة يتم تسييرها عبر نبضات إلكترونية ومقاطع بصرية لا تتجاوز ثواني معدودة لتخلق واقعاً مأساوياً يتفوق فيه الكم العددي على الكيف المعرفي الفيزيائي المادي الملموس إن هذه الجيوش ليست مجرد مستهلكين للمحتوى بل هي أدوات قمع رقمية فعالة تُستخدم لسحق العقل الفردي المستقل وتدجين الوعي الإنساني في حظيرة الخوارزمية التي لا تبالي بالحقيقة أو المنطق بقدر ما تبالي بمعدلات البقاء والمشاركة والانتشار التافه الذي يدر أرباحاً مادية لشركات التكنولوجيا على حساب الرصانة الذهنية للأفراد والقدرة على التحليل البارد للواقع المادي الصلب.
إن الخوارزمية في عصر التيك توك والمنصات المشابهة قد أعادت إنتاج الغوغاء بصورة أكثر سطحية وشراسة من ذي قبل حيث تم استبدال الفكر بالصورة والمنطق بالإثارة السريعة فالدماغ البشري الذي تعرض لعملية "قصف إلكتروني" مستمر لم يعد قادراً على معالجة المعلومات المعقدة أو متابعة التحليلات الطويلة التي تتطلب جهداً ذهنياً مما خلق بيئة مثالية لنمو "الترند" كبديل عصري عن "الإجماع الشرعي" القديم فإذا كان الفقهاء قديماً يستخدمون الإجماع لفرض رأي أو قمع مخالف فإن الغوغاء الرقمية تستخدم الترند لفرض "الحقيقة الرقمية" المؤقتة التي لا تقبل النقاش فما يتفق عليه الملايين في فيديو تافه يصبح هو المعيار الأخلاقي والمعرفي والجمالي بينما يُهمش العقل الفيزيائي الذي يحاول تشريح الواقع بأدوات العلم والمادة وهذا الانقلاب في موازين القوى المعرفية جعل "الحمار الرقمي" يشعر بسلطة وهمية نابعة من كونه جزءاً من أغلبية عددية تملك حق "التبليغ" أو "الحظر" أو "الهجوم الجماعي" على كل من يجرؤ على كسر إيقاع القطيع أو التشكيك في أصنام الترند اليومية.
وتكمن خطورة هذه الجيوش الرقمية في "الإرهاب الرقمي" الذي تمارسه ضد العقل الفردي المستقل حيث تحولت المنصات إلى محاكم تفتيش معاصرة لا تستخدم المقصلة الجسدية بل تستخدم مقصلة السمعة والتبليغات الممنهجة لسحق أي صوت تنويري يحاول تعرية نفاق المنظومة أو تفكيك الخرافات التي يعتاش عليها الجمهور فالشخص الذي يمتلك عقلاً مادياً صارماً ويحاول تقديم تحليل أركيولوجي أو فيزيائي للواقع يجد نفسه محاصراً بآلاف الحسابات الوهمية والحقيقية التي تهاجمه لا بالحجة بل بالشتائم والتبليغات الجماعية التي تؤدي في النهاية إلى إغلاق حساباته أو تهميش صوته خوارزمياً وهذا الإرهاب الرقمي هو النسخة الحديثة من رجم المارقين في العصور الوسطى وهو يثبت أن التكنولوجيا بدلاً من أن تكون أداة للتحرر أصبحت في يد الغوغاء أداة لاستعباد العقل وإخضاعه لسطوة الكم التافه إنها مأساة حقيقية أن نرى عالم الفيزياء أو الباحث الرصين يُحاكم من قبل "جيش من الحمير" لا يملك من المعرفة سوى سرعة النقر على الشاشة وهوس اللحاق بالترند القادم.
إن التحليل السيكولوجي لهذه الجماهير الرقمية يكشف عن رغبة عارمة في الذوبان داخل الكتلة للهرب من مسؤولية التفكير الفردي فالخوارزمية تمنح الحمار الرقمي شعوراً بالأمان المعرفي من خلال تغذيته بمحتوى يشبهه ويؤكد تحيزاته المسبقة مما يخلق "غرف صدى" مغلقة تمنع دخول أي فكرة مادة مخالفة وعندما يصطدم هذا القطيع برأي مستقل يحاول تشريح أصنامهم الدينية أو السياسية أو الاجتماعية فإن الرد يكون غريزياً عدوانياً لأن هذا الرأي يهدد استقرار الوهم الجماعي الذي يعيشون فيه إن سيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك هي سيكولوجية "اللحظة السائلة" حيث لا ذاكرة ولا تاريخ ولا تدقيق بل مجرد انفعالات لحظية يتم توجيهها من قبل "مؤثرين" هم في الحقيقة دجالون معاصرون يتقنون لغة الغوغاء ويتاجرون بتفاهتهم لتحقيق مكاسب مادية وهذا التحالف بين الخوارزمية والدجال الرقمي هو الذي يقود جيوش الحمير نحو معارك وهمية تهدف لصرف الأنظار عن القوانين المادية الحقيقية التي تحكم حياتهم وتستنزف مواردهم.
علاوة على ذلك فإن تفوق الكم على الكيف في هذا العصر الرقمي قد أدى إلى "تميع الحقيقة" حيث لم يعد للواقع المادي سلطة على عقول الناس بقدر ما تملك "اللقطة" أو "الفيديو الممنتج" من سلطة فالحمار الرقمي يصدق ما يراه في مقطع من خمس عشرة ثانية أكثر مما يصدق كتاباً توثيقياً أو بحثاً مخبرياً لأن المقطع يخاطب مراكز اللذة والغرائز في الدماغ بينما البحث يخاطب العقل الذي تم شله وتحويله إلى عضو ضامر وهذا الانحدار المعرفي جعل "الإجماع الرقمي" هو المصدر الوحيد للمشروعية فإذا انتشرت خرافة دينية أو سياسية وأصبحت ترنداً فإن محاولة تكذيبها بالعلم تصبح نوعاً من "الهرطقة الرقمية" التي تستوجب القمع الجماعي إننا نعيش في غابة إلكترونية حيث القوة فيها لعدد المتابعين وليس لصدق المعلومات وحيث يتم اغتيال "الكيف الفيزيائي" الذي يمثل الجودة والعمق والبحث المضني تحت أقدام "الكم الغوغائي" الذي يمثل السطحية والسرعة والبلادة الذهنية المنظمة.
إن الهدف من وصف هذا الواقع المأساوي هو التنبيه إلى ضرورة حماية "الاستقلال المعرفي" الفردي في مواجهة هذا الطوفان من التفاهة المسلحة بالخوارزميات فالمشتبك المعرفي المادي يجب أن يدرك أن المنصات الرقمية هي ساحات معركة غير متكافئة حيث يتم تحريض جيوش الحمير ضد كل من يحاول إضاءة شمعة العقل فالعقل الفردي الذي خرج من "كهف الأصنام" التقليدي يجد نفسه اليوم أمام "كهف رقمي" أكثر اتساعاً وجاذبية حيث الصور تتحرك والأصوات تعلو والجمهور يصفق للخرافة بكل حماس إن الخروج من هذا الكهف الرقمي يتطلب ترفعاً أرستقراطياً عن مجاراة الترند ورفضاً قاطعاً لتقديس الكم والتركيز على بناء "جيوب معرفية" صلبة تعتمد على المادة والمنطق والتوثيق بعيداً عن ضجيج الغوغاء الإلكترونية التي لا تترك وراءها سوى الرماد المعرفي والضياع الوجودي في عالم فقد بوصلته المادية لصالح وهم رقمي سائل ومسموم.
إن التفوق العددي للحمير الرقمية هو حقيقة إحصائية تعكس بؤس المنظومة التعليمية والثقافية العالمية التي فشلت في تحصين الأفراد ضد إغراءات السطحية فالحمار الرقمي هو ضحية لنظام رأسمالي تكنولوجي يحتاج إلى "قطيع مستهلك" لا يسأل ولا يحلل بل ينفذ الأوامر الخوارزمية بكل طاعة وفي ظل هذا الواقع يصبح "الكيف الفيزيائي" نادراً ومضطهداً ومحارباً لأنه يمثل التهديد الحقيقي لسلطة التفاهة إن المعركة اليوم هي معركة بين "الجودة المعرفية" التي تتطلب وقتاً وجهداً وبين "الكمية الرقمية" التي تتطلب بلادة واستسلاماً والانتصار في هذه المعركة لا يكون بمجاراة الغوغاء بل بتعريتهم واستخدام "المشرط والملح" لتفكيك سيكولوجيتهم البائسة وإظهار أن جيوشهم مهما كبرت تظل عاجزة أمام حقيقة مادية واحدة يتم إثباتها بالبرهان والمنطق والتوثيق الرصين.
وفي الختام يظل وصف جيوش الحمير الرقمية صرخة في وادي الصمت المعاصر تهدف لبيان حجم الكارثة التي نعيشها حيث يتم تبديل العقول بالخوارزميات والبحث العلمي بالتبليغات الجماعية إننا نحتاج إلى إعادة الاعتبار لسيادة الفرد وقدرته على الرفض والتحليل خارج إطار القطيع الرقمي فالحقيقة المادية لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بآلاف التعليقات الحمقاء بل تُقاس بمدى مطابقتها للواقع الفيزيائي وقوانين المادة الصلبة التي لا تحابي "ترنداً" ولا تخضع لابتزاز "جيوش الحمير" مهما بلغت قوتهم في العالم الافتراضي الزائل ويبقى العقل الحر هو الحصن الأخير ضد هذا التوحش الرقمي الذي يسعى لتحويل البشر إلى مجرد أرقام صماء في معادلة الربح والخسارة التقنية.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...