Translate

فخ الأوهام الكبرى: تشريح خرافة "المهدي" وتحطيم صنم المنقذ الغيبي (مقال)

.

.
فخ الأوهام الكبرى: تشريح خرافة "المهدي" وتحطيم صنم المنقذ الغيبي





تمثل خرافة "المهدي المنتظر" القاع الفكري الذي استقرت فيه المجتمعات التي استسلمت للعجز المادي، واستعاضت عن العمل والإنتاج بانتظار معجزة سماوية تحل مشاكلها بضربة حظ تاريخية. إن القراءة العقلانية والمادية لهذه الأسطورة تكشف عن آلية دفاعية نفسية، ابتكرها العقل الجمعي المأزوم للهروب من مرارة الهزائم السياسية والاجتماعية والتاريخية. فبدلاً من مواجهة قوانين المادة والواقع، لجأ العقل العربي والإسلامي إلى اختراع شخصية "المنقذ" الذي سيملأ الأرض عدلاً بقرار إلهي، وهي فكرة لا تخرج في جوهرها عن كونها "مخدراً أيديولوجياً" يكرس الاتكالية ويبرر الفشل التاريخي المستمر، محولاً الشعوب إلى قطعان تنتظر راعياً غيبياً لن يأتي أبداً.
إن أول ما يصدم المنطق في خرافة المهدي هو التناقض الصارخ في الروايات التي تصفه، مما يثبت أنها نتاج "تأليف بشري" خاضع لأهواء السياسة والمذاهب. فبينما يراه السنة رجلاً سيولد في "آخر الزمان" يوافق اسمه اسم النبي، يراه الشيعة طفلاً اختفى في "سرداب" منذ أكثر من ألف ومائة عام، وبقي حياً بقدرة قادرة تتجاوز قوانين البيولوجيا والفيزياء. من وجهة نظر مادية، هذا الادعاء هو ذروة الحماقة؛ فالإنسان مادة خاضعة للزمن والتحلل، والقول ببقاء كائن بشري حياً لقرون دون أثر مادي هو "هلوسة جماعية" ترفضها أبسط مبادئ العلوم الطبيعية. إن هذا التضارب يثبت أن "المهدي" ليس حقيقة دينية، بل هو "وعاء لغوي" فارغ صب فيه كل مذهب أحلامه السياسية المكبوتة.
إذا فككنا الوظيفة التي يؤديها المهدي في التراث، سنجدها وظيفة "عدمية" بامتياز. فهو الشخص الذي سيحقق النصر المطلق والعدل الشامل في لحظة واحدة، مما يجعل أي محاولة بشرية للإصلاح الآن تبدو "عبثية" أو ناقصة. هذا الفكر هو الذي أنتج العقلية الاستسلامية التي نراها اليوم؛ حيث يبرر المغفلون عجزهم عن مواجهة الظلم أو التقدم العلمي بأن "الفساد" علامة من علامات الساعة، وأن الإصلاح الحقيقي مرهون بظهور "الإمام" أو "الخليفة". إن خرافة المهدي هي أكبر "معيق" للنهضة؛ لأنها تنقل الصراع من ساحة العمل المادي والمنظم إلى ساحة الانتظار الغيبي، وهو ما يخدم الأنظمة المستبدة ورجال الدين الذين يفضلون شعوباً "تنتظر" على شعوب "تفكر وتتحرك".
علاوة على ذلك، فإن "سيرة المهدي" في الكتب الصفراء مشبعة بروح الانتقام والدموية التي تعكس "سيكولوجية المقهور". فالبشارات التي تتحدث عن "ذبح الأعداء" و"استخراج الكنوز" و"خضوع العالم" ليست إلا تعويضاً خيالياً عن الضعف المادي الذي تعيشه هذه الشعوب. إن العقل الذي يصدق أن رجلاً سيظهر ليغير موازين القوى العالمية (التي تحكمها اليوم التكنولوجيا، والذكاء الإصطناعي، والاقتصاد، والسلاح النووي) بمجرد "رايات سود" أو "صيحة في السماء"، هو عقل منفصل تماماً عن الواقع المادي. إن "الحماقة" هنا تتجاوز الفرد لتصبح "حماقة جمعية" ترفض الاعتراف بأن القوة المادية لا تُهزم إلا بقوة مادية أكبر منها، وليس بـ "أساطير" موروثة من عصور ما قبل العلم.
إن التاريخ المادي يثبت أن خرافة المهدي لم تجلب للبشرية سوى الدماء والفتن. فمنذ "المختار الثقفي" وصولاً إلى "جهيمان العتيبي"، كان "ادعاء المهدوية" هو القناع الذي يرتديه كل مغامر سياسي أو أحمق انتحاري لجر الغوغاء خلفه نحو المقصلة. كل "مهدي" ظهر في التاريخ كان مشروعاً لخراب مادي محقق؛ فدماء المصلين في الحرم المكي عام 1979 لم تُسفك إلا بسبب "خرافة" صدقها جهيمان وأتباعه. إن "التفاهة" الحقيقية تكمن في أن هذه الخرافة لا تزال تُدرّس وتُشحن في عقول الشباب كحقيقة لا تقبل الجدل، مما يخلق تربة خصبة لكل "دجال" جديد يدعي الاتصال بالغيب ليقود الناس نحو حماقة إضافية.
إن المنطق يفرض علينا التساؤل: لماذا يحتاج إله قادر على كل شيء إلى "المنقذ" أصلاً؟ ولماذا يتركه مختفياً أو غائباً بينما البشرية تعاني؟ الجواب العقلاني هو أن هذا "المنقذ" غير موجود إلا في رغبات البشر العاجزين. إن "المهدي" هو "وهم التعويض"؛ فحين يفشل الإنسان في تحقيق العدل بيده، يخترع كائناً خرافياً يحققه له في الخيال. هذا هو "كلام المصاطب" الذي لا نفع منه، بل هو السم الذي يقتل روح المبادرة والمسؤولية الفردية. إن الاعتماد على "علامات الساعة" والملاحم والفتن لفهم الواقع هو قمة "التخلف المعرفي"؛ فالواقع يُفهم بالبيانات، والإحصاءات، والقوانين المادية، وليس بـ "أحاديث" مضطربة الأسانيد خرافية المتون ومشكوك في دوافع تدوينها السياسي.
في الختام، يجب أن نعلن بوضوح أن خرافة المهدي هي "سقطة عقلية" كبرى وجناية على الفكر الإنساني. إنها رمز لانتصار الخرافة على العلم، والانتظار على العمل، والوهم على المادة. إن الشعوب التي لا تزال تؤمن بالمهدي هي شعوب "خارج التاريخ"، لأنها ترفض الاعتراف بأنها هي المسؤولة عن مصيرها، وأن "العدل" هو نتاج مؤسسات وقوانين ونضال مادي، وليس هبة من "شبح" يخرج من سرداب أو يولد بمواصفات "سحرية". إن تحطيم صنم المهدي في العقول هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي المادي، وإدراك أن الأرض لا تملأ عدلاً إلا بعقول أبنائها وأيديهم، أما ما سوى ذلك فهو محض هراء وأكاذيب يروجها المنافقون ويصدقها المغفلون في مأساة كوميدية تتكرر عبر العصور.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...