Translate

صناعة الأيقونة الدموية: أثر تدريس وتقديس سير الغزاة والإرهابيين على سيكولوجية الطفل (مقال)

.


.
صناعة الأيقونة الدموية: أثر تدريس وتقديس سير الغزاة والإرهابيين على سيكولوجية الطفل



تبدأ عملية صياغة الوجدان الإنساني في مراحله الأولى من خلال النماذج التي تُقدم له كأمثلة عليا يحتذى بها، وفي المجتمعات التي تتبنى المنظومة الدينية الإسلامية، يتم التركيز بشكل مكثف على تحويل شخصيات تاريخية ارتبطت مسيرتها بالحروب والسبي والتوسع العسكري إلى أيقونات مقدسة تتجاوز النقد البشري. إن هذه الصناعة الممنهجة للأيقونة الدموية تمثل جناية كبرى بحق سيكولوجية الطفل، حيث يتم استبدال غريزة الحياة والتعايش بوجدان قتالي يرى في القوة العنيفة والبطش بالآخر وسيلة وحيدة لتحقيق المجد والرضا الإلهي. إن الطفل الذي يترعرع في بيئة تعليمية تقدس الغزو لا ينظر إلى التاريخ كدروس للعبرة، بل كخريطة طريق لمستقبل يتمنى فيه أن يحاكي تلك النماذج التي سحقت حياة الآخرين تحت مسمى الفتح أو نشر العقيدة.
تعتمد المناهج الدراسية والخطاب التربوي في هذه البيئات على آلية تلميع تاريخي تقوم بحذف الجوانب المظلمة من سير الشخصيات مثل خالد بن الوليد أو عقبة بن نافع أو صلاح الدين الأيوبي، والتركيز فقط على الانتصارات العسكرية كمعيار وحيد للعظمة. يتم تصوير عمليات غزو الشعوب الأخرى وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم كأعمال بطولية مبررة أخلاقياً، مما يؤدي إلى تشويه خطير في المنظومة القيمية لدى الطفل. بدلاً من أن يتعلم الطفل أن الاعتداء على الآخر هو جريمة، يتعلم أن الاعتداء يصبح "جهاداً" مقدساً إذا كان المعتدي ينتمي لعقيدته، والضحية هي "الآخر" الكافر. هذا الازدواج الأخلاقي يزرع في عقل الناشئ بذور الفاشية الدينية، حيث يصبح الحق والباطل مرتبطين بالهوية العقائدية لا بالفعل الإنساني نفسه، وهو ما يمهد الطريق لتقبل العنف كوسيلة مشروعة للتعامل مع المخالفين.
إن تقديس هؤلاء الغزاة يخلق في داخل الطفل ما يمكن تسميته بـ "الاستلاب البطولي"، حيث يشعر بضآلة حياته الحالية المدنية مقارنة بتلك الأمجاد الدموية الغابرة. عندما يُحشى ذهن الطفل بقصص القادة الذين لم يبالوا بالموت واسترخصوا دماءهم ودماء غيرهم، فإنه يبدأ في ازدراء قيم السلام والعمل والبناء. تصبح تفاصيل الحياة اليومية من دراسة وفن وابتكار تافهة في نظره أمام لحظة "الشهادة" أو "الفتح". هذه السيكولوجية الانتحارية تبدأ كإعجاب بالبطل التاريخي، لكنها سرعان ما تتحول إلى رغبة في محاكاته، مما يجعل الطفل مادة خاماً سهلة التشكيل في يد الجماعات الإرهابية التي تقدم له فرصة ليكون "خالداً جديداً" في العصر الحديث. إن البطل في نظر هذا الطفل ليس العالم الذي ينقذ البشرية من مرض، بل هو المقاتل الذي يرفع السيف فوق الرؤوس ليرغمها على الخضوع.
يترافق هذا الشحن العاطفي مع عملية تزييف للمشاعر الإنسانية الفطرية، فالطفل بطبيعته يميل للتعاطف مع الضحية، لكن المناهج التعليمية تفرض عليه التماهي مع القاتل الغازي. عندما يقرأ الطفل عن "فتح" مكة أو بلاد فارس أو الأندلس، يتم تصوير الضحايا ككائنات تستحق السحق لأنها وقفت في وجه "الحقيقة المطلقة". هذا التجريد من الإنسانية للآخر هو الركن الركين في فكر أي إرهابي محتمل. إن الطفل الذي يتعلم أن سبي النساء في الحروب كان "حكمة إلهية" أو "ضرورة تاريخية" لقادة يقدسهم، سيفقد تلقائياً القدرة على احترام كرامة المرأة أو قدسية الجسد البشري. هنا يتم تعطيل بوصلة الضمير الطبيعية واستبدالها بضمير أيديولوجي يبرر البشاعة طالما أنها تخدم هدفاً غيبياً، مما يجعل من السهل جداً إقناعه لاحقاً بأن تفجير نفسه في حافلة تضم نساءً وأطفالاً هو فعل بطولي يتماشى مع سيرة السلف الذين يقدسهم.
علاوة على ذلك، فإن ربط هذه الشخصيات الدموية بـ "الرضا الإلهي" يجعل من نقد أفعالهم نوعاً من التجديف أو الكفر. يجد الطفل نفسه محاصراً بقداسة لا تسمح له بطرح أسئلة منطقية من قبيل: لماذا كان من الضروري قتل هؤلاء؟ أو لماذا نعتبر غزو بلاد الآخرين فتحاً بينما نعتبر غزوهم لنا عدواناً؟ هذا القمع للسؤال المنطقي يؤدي إلى تجمد عقلي يجعل الطفل يقبل التناقضات الصارخة دون أدنى شعور بالارتباك. إن العقل الذي يتم تدريبه على تبرير القتل التاريخي هو عقل مهيأ تماماً لتبرير القتل المعاصر. هذه الأيقونات الدموية تعمل كـ "منومات مغناطيسية" للوعي، حيث يتم استدعاؤها في كل مرة يُراد فيها حشد الشباب نحو معارك عبثية، ويصبح الموت من أجل إعادة تلك الأمجاد هو الغاية القصوى التي تمنح المعنى لحياة الفرد المستلب.
إن الخطورة لا تتوقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتصيغ هوية جماعية قائمة على "المظلومية المنتقمة". فبينما يقدس الطفل الغزاة القدامى، يتم تصوير الواقع الحالي كحالة من "الهوان" التي لا يمكن الخروج منها إلا باستعادة أساليب هؤلاء الغزاة. يُربى الناشئ على أن العزة تكمن في "الرهبة" التي يلقيها في قلوب الآخرين، وليس في الاحترام الذي يكتسبه من خلال الإسهام الحضاري. هذا الوجدان القتالي يجعل من المجتمع قنبلة موقوتة، حيث يرى أفراده في السلم حالة مؤقتة أو ضعفاً، وفي الحرب والصدام الحالة الطبيعية والمنشودة. إن ازدراء الحياة الذي تبثه هذه السير يحول المجتمعات إلى خزانات بشرية لإنتاج الإرهاب، حيث يتم التضحية بالأجيال المتعاقبة في سبيل أوهام تاريخية وخرافات ما بعد الموت التي وُعد بها هؤلاء الغزاة كأبطال ومقدسين.
في الختام، يمثل تدريس وتقديس سير الغزاة في المناهج التعليمية جريمة تربوية وأخلاقية تتجاوز مجرد سرد التاريخ. إنها عملية "غسيل دماغ" تهدف إلى تحطيم المنطق الإنساني وتدجين الغرائز لصالح آلة القتل الأيديولوجية. إن بناء أجيال تؤمن بالسلام وتقدر قيمة الحياة يتطلب شجاعة فائقة في نزع القداسة عن القتلة التاريخيين، وإعادة قراءة سيرهم كبشر أصابوا وأخطأوا، بل وكثير منهم ارتكب جرائم ضد الإنسانية بمعايير العصر الحديث. لا يمكن أن ينمو عقل طفل بطريقة صحية وسوية وهو يرى في "السيف" مفتاحاً للجنة، وفي "الدم" صبغة للمجد. إن استعادة إنسانية الأطفال تبدأ من تحرير مخيلتهم من الأيقونات الدموية، وزراعة نماذج بديلة تقدس العقل والجمال والابتكار، وتعلمهم أن البطولة الحقيقية هي في بناء الحياة لا في نشر الموت. دون هذه الثورة في النماذج العليا، سيظل التعليم مصنعاً لإنتاج "إرهابيين محتملين" يحملون في رؤوسهم صوراً مقدسة لغزاة لم يخلفوا وراءهم سوى الجثث والدمار.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...