.
تأميم السماء لصالح الأرض: استراتيجيات التعبئة الميتافيزيقية وتوظيف الغيب في حروب الفشل المادي
تعد ظاهرة توظيف الرموز الدينية والمفاهيم الغيبية في النزاعات العسكرية واحدة من أقدم وأخطر الأدوات التي استخدمتها التنظيمات الأيديولوجية عبر التاريخ، إلا أنها اتخذت في العصر الحديث شكلاً من أشكال "التأميم" الكامل للمقدس لصالح أجندات سياسية وعسكرية أرضية صرفة. إن هذا المسار لا يهدف فقط إلى تحفيز المقاتلين، بل يسعى بالأساس إلى خلق جدار حماية أيديولوجي يمنع المساءلة عن الفشل العسكري واللوجستي الذريع الذي تقع فيه هذه التنظيمات عند مواجهتها لجيوش نظامية أو قوى تكنولوجية متفوقة. فعندما تنكسر إرادة المادة وتفشل الخطط القتالية في تحقيق المنجزات الملموسة، تتدخل الميتافيزيقا كأداة "بروبغندا" تعبوية لإعادة صياغة الهزيمة في ثوب النصر الإلهي أو الابتلاء المقدس، وهو ما يظهر بجلاء في أدبيات "الأفغان العرب" وصولاً إلى الانهيارات المعاصرة لمحور الممانعة في إيران ولبنان وغزة.
لقد وضع كتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" للقيادي في تنظيم القاعدة عبد الله عزام حجر الأساس المعاصر لهذا النمط من التدليس العسكري، حيث امتلأت صفحاته بقصص خيالية عن قتال الملائكة بجانب "المجاهدين" وتحويل الرصاص إلى برد وسلام، بل والحديث عن جثث لا تتحلل ورائحة مسك تفوح من الخنادق. إن هذه السرديات لم تكن مجرد شحذ للهمم، بل كانت استراتيجية تهدف إلى تعويض الفارق الهائل في التسليح مقابل القوات السوفيتية آنذاك. ومن خلال هذه الميتافيزيقا، تم تغييب العقل العسكري واستبداله بحالة من "الخدر العقائدي" الذي يرى في الموت انتصاراً وفي الفشل التكتيكي معجزة إلهية. هذا النموذج تم استنساخه لاحقاً بحرفية عالية من قبل التنظيمات الإرهابية الشيعية والسنية على حد سواء، حيث أصبح "الله" و"الملائكة" والوعود الغيبية بمثابة "فيلق دفاعي" وهمي يُستدعى كلما سُحقت القوات على أرض الواقع.
في الحالة اللبنانية، بنى حزب الله كامل شرعيته على مفهوم "النصر الإلهي"، وهي تسمية ميتافيزيقية بامتياز أطلقت على حرب تموز عام ألفين وستة لتغطية الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية نتيجة سوء تقدير القيادة المرتبطة بإيران. إن استخدام مصطلح "إلهي" هنا ليس وصفاً روحياً، بل هو عملية تأميم لاسم الخالق لمنع اللبنانيين من التساؤل عن جدوى مغامرة أدت إلى تدمير بلادهم. وعندما بدأت جدران هذا الوهم في التهاوي خلال الأشهر الأخيرة، وظهر عجز الحزب الكامل أمام الاختراقات الاستخباراتية والقصف النوعي الذي أباد صفوفه الأولى، عاد الخطاب ليتحدث عن "الصبر الاستراتيجي" و"التكليف الشرعي"، وهي مفردات تهدف إلى تحويل الهزيمة النكراء إلى حالة من "الانتظار المقدس"، بينما يسحق الواقع المادي كل مقومات القوة المزعومة للتنظيم.
أما في غزة، فقد ذهبت حركة حماس إلى أبعد من ذلك في توظيف الغيب لتبرير كارثة إنسانية وعسكرية غير مسبوقة. فبينما كانت الصواريخ التكنولوجية الدقيقة تمسح الأرض بالمقرات والأنفاق، كان الخطاب الإعلامي للحركة والمنصات التابعة لها تروج لقصص عن طيور أبابيل تهاجم الطائرات أو غمامة تحمي المقاتلين. هذا النوع من "الدجل العسكري" يمثل قمة الاستهتار بالعقل البشري، حيث يتم استغلال العواطف الدينية للناس لتغطية حقيقة أن الحركة زجت بمدنيين عزل في صراع غير متكافئ دون توفير أدنى مقومات الحماية لهم. إن الملائكة التي يزعمون قتالها معهم لم تمنع تجويع الشعب ولا تدمير المدن، مما يثبت أن الغيب في خطاب هذه التنظيمات هو مجرد "أداة وظيفية" للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الفشل الذريع.
وبالانتقال إلى المركز في طهران، نجد أن نظام الولي الفقيه قد حول الميتافيزيقا إلى "أيديولوجية دولة" عابرة للحدود. إن ادعاء الخامنئي ونظامه بأنهم يمهدون الأرض لظهور "المهدي" هو في جوهره عملية "تأميم للسماء" لخدمة التوسع الفارسي في المنطقة. فعندما تُضرب المفاعلات النووية أو يُغتال القادة في قلب العاصمة طهران، يخرج الخطاب الرسمي ليتحدث عن "التمحيص الإلهي" و"قرب الوعد"، وهو خطاب يهدف إلى امتصاص الصدمة الشعبية وإخفاء الفشل الذمني والأمني لنظام يدعي القوة المطلقة. إن السحق الذي تعرضت له إيران وأذرعها مؤخراً كشف بوضوح أن "القداسة" المزعومة لا توفر حصانة ضد الصواريخ الباليستية أو الاختراقات السيبرانية، وأن الاعتماد على الخرافة في إدارة النزاعات الدولية هو انتحار سياسي مغلف بعباءة الدين.
إن التناقض الصارخ يظهر عندما نجد أن هؤلاء القادة الذين يبشرون بالملائكة والوعود الغيبية، هم أول من يختبئ في أنفاق محصنة تكنولوجياً ويستخدمون أحدث أجهزة الاتصالات المشفرة (التي فشلت هي الأخرى في حمايتهم). فإذا كانوا يؤمنون حقاً بالمدد الغيبي، فلماذا يتوسلون الحماية المادية بكل الوسائل؟ هذا السلوك يثبت أن الميتافيزيقا هي "بضاعة للتصدير" نحو الأتباع والبسطاء، بينما القيادة تدرك تماماً أن قوانين الأرض هي التي تحكم الميدان. إن تحول الرموز الدينية إلى "بروبغندا" هو أخطر أنواع التضليل، لأنه يدفع بآلاف الشباب إلى الموت وهم يظنون أنهم يقاتلون في جيش إلهي، بينما هم في الواقع مجرد وقود لمشاريع جيوسياسية تخدم أنظمة استبدادية ثيوقراطية.
علاوة على ذلك، فإن سحق هذه التنظيمات عسكرياً في الآونة الأخيرة يمثل لحظة الحقيقة التي تسقط فيها كل المرويات الخرافية. فعندما يسقط "سيد المقاومة" وقادة الصف الأول في ضربة واحدة، وتتبخر وعود "زلزلة الأرض تحت أقدام الأعداء"، يكتشف الوعي الجمعي أن السماء لم تتدخل لإنقاذ من أساء استخدام اسمها. إن "تأميم السماء" هنا يصل إلى نهايته المسدودة، حيث تظهر القوانين العسكرية الصارمة كحكم نهائي في الصراع. النصر هو حليف من يمتلك العلم، والصناعة، والتفوق الاستخباري، والتخطيط العقلاني، وليس من يبيع الأوهام الغيبية لتغطية عجزه اللوجستي.
إن استراتيجية "الغطاء الغيبي" تؤدي أيضاً إلى تدمير مفهوم "الدولة الوطنية"، حيث يتم استبدال الانتماء للوطن والقانون بالانتماء لـ "السراب العقائدي". فالمقاتل الذي يعتقد أن الملائكة تقاتل معه لن يحترم مؤسسات الدولة أو حدودها، لأنه يرى نفسه جزءاً من مشروع "كوني" يتجاوز المنطق البشري. وهذا ما جعل من لبنان وغزة واليمن ساحات مفتوحة للخراب، حيث تم تغييب العقل السياسي لصالح الهلوسة الأيديولوجية التي ترعاها إيران. إن الهزيمة هنا ليست عسكرية فحسب، بل هي هزيمة ثقافية وفكرية لمشروع حاول إرجاع المنطقة إلى عصور ما قبل العلم والمنطق.
وفي المحصلة، فإن دراسة هذه التنظيمات تثبت أن الميتافيزيقا تتحول إلى بروبغندا تعبوية في كل مرة تضيق فيها الخيارات المادية. وكتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" لم يكن سوى البداية لمسلسل طويل من الكذب باسم السماء. إن ما حدث من سحق لإيران وحزب الله وحماس هو الدرس التاريخي الأبلغ؛ فالله لا ينجد من يعطل عقله، والملائكة لا تقاتل في صفوف من يتخذ من المدنيين دروعاً بشرية ومن دماء الأبرياء سلماً للسلطة. إن استعادة "الأرض" من "تأميم السماء" تتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للعلم والمنطق وتنزع عن هؤلاء الإرهابيين رداء القداسة الذي يختبئون خلفه لتبرير جرائمهم وفشلهم. إن السماء لم تكن يوماً غطاءً للقتلة والفاشلين، والواقع يثبت يوماً بعد يوم أن الحقائق المادية لا تحابي الخرافة، مهما بلغت درجة "البروبغندا" وقوة التجييش العاطفي. إن نهاية هذه التنظيمات هي نهاية منطقية لكل مشروع يبني أساسه على الرمال المتحركة للأوهام الغيبية بدلاً من صخرة الواقع والحقيقة والعدالة الإنسانية.
.








