Translate

تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود (مقال)

.


.
تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود




في سجلات التاريخ المعاصر، قلما نجد قضية استنزفت من الموارد العاطفية والمادية ما استنزفته القضية الفلسطينية، لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا النزيف لم يكن يوماً في مصلحة بناء دولة أو تأمين مستقبل شعب، بقدر ما كان وقوداً لبناء ثروات فلكية لنخبة سياسية وعسكرية أدمنت العيش على جراح البسطاء. إن توصيف الحالة الفلسطينية بأنها سرطان يستشري في جسد المنطقة ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تشخيص لواقع وظيفي تقتات فيه قيادات منظمة التحرير ومن بعدها حماس على استدامة الصراع. هؤلاء المتربحون نجحوا في تحويل "المظلومية" إلى منتج تجاري يُباع في المحافل الدولية، وصناعة قائمة بذاتها تعتمد على تصدير الموت والخراب مقابل أرصدة بنكية تتضخم في ملاذات آمنة بعيدة عن غبار المعارك التي يدفع ثمنها المغفلون والمغسولة أدمغتهم بالشعارات القومية والدينية الزائفة.
لقد بدأت فصول هذه التجارة الكبرى مع ياسر عرفات، الذي وضع حجر الأساس لمنظومة "الارتزاق السياسي". عرفات لم يكن مجرد قائد فدائي كما صورته السينما الثورية، بل كان مديراً لشبكة مالية معقدة حولت المساعدات الدولية والمنح العربية إلى ملكية خاصة تحت تصرفه الشخصي. التقارير الاستخباراتية والمحاسبية الدولية، ومنها ما كشفته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومجلة فوربس، قدرت ثروة عرفات عند وفاته بمليارات الدولارات، وهي أموال لم تذهب لبناء مستشفى أو مدرسة في رام الله، بل وُزعت في حسابات سرية في سويسرا وتونس وباريس، واستُخدمت لشراء الولاءات وضمان بقاء "الزعامة" مستقرة فوق أنقاض تطلعات الشعب. هذا النموذج من الثراء الفاحش لم يكن معزولاً عن بيع الذمم السياسية، حيث كان عرفات يرقص على حبال التناقضات الإقليمية، تارة يبيع الولاء لجمال عبد الناصر ليساعده في محاولات زعزعة استقرار الملكية في الأردن، وتارة أخرى يرتمي في أحضان صدام حسين مباركاً غزو الكويت، ضارباً بعرض الحائط مصالح آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الخليج، وذلك مقابل حفنة من الدولارات والدعم العسكري الذي يضمن استمرار سلطته القمعية.
هذا الميراث من السرقة المنظمة انتقل بسلاسة إلى خلفائه في السلطة الفلسطينية، حيث يبرز اسم محمود عباس وعائلته كنموذج لدمج السلطة المطلقة بالثراء الاحتكاري. بينما يتسول عباس المساعدات من الدول الأوروبية والخليجية بدعوى الانهيار الاقتصادي، يدير أبناؤه، ياسر وطارق، إمبراطوريات تجارية تحتكر قطاعات التبغ والإعلانات والمقاولات، مستفيدين من نفوذ والدهم ومن أموال المانحين التي تتدفق تحت مسمى "دعم الصمود". إن الرفاهية التي يعيشها أحفاد عباس في عواصم العالم، والقصور التي يمتلكونها، تمثل طعنة في خاصرة كل فلسطيني يصدق خطاب "الثبات" الذي يلقيه جدهم من على منابر الأمم المتحدة. إنها عملية نهب ممنهج لمقدرات قضية تحولت في عهدهم إلى مجرد "تعلة" لجمع المال، حيث يتم توظيف دماء المدنيين في كل مواجهة لتوليد موجات جديدة من التبرعات والمساعدات التي تجد طريقها في النهاية إلى جيوب النخبة المحيطة بالرئيس.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، لم تكن حركة حماس أقل براعة في فنون المتاجرة بالدين والدم. ففي الوقت الذي يُساق فيه سكان قطاع غزة إلى محارق الحروب العبثية، يعيش قادة الحركة من أمثال خالد مشعل وإسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق حياة السلاطين في فنادق الدوحة واسطنبول. ثروات هؤلاء القادة، التي تقدر بالمليارات، لم تأتِ من العمل الصناعي أو الابتكار العلمي، بل هي نتاج مباشر لسرقة المساعدات الإنسانية، وفروض "الخوات" على البضائع التي تدخل عبر المعابر، والتبعية الكاملة لأجندة النظام الإيراني. لقد باع قادة حماس ذممهم لطهران، محولين غزة إلى ساحة تجارب للصواريخ الإيرانية ومنصة لخدمة طموحات التوسع الفارسي في المنطقة، مقابل تأمين ثرواتهم الشخصية وضمان حياة البذخ لأبنائهم الذين يرتادون أفخم الجامعات والمولات في الخارج، بينما يقتات شباب غزة على الفتات والوعود الجوفاء بالشهادة والجنة. إن هذا التباين الصارخ بين حياة القادة "المجاهدين" في الخارج وبين بؤس القاعدة الشعبية في الداخل هو الدليل الدامغ على أن القضية ليست سوى ستار لمشروع استثماري ضخم.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في لصوصية القادة، بل في تلك "الشعبية" التي لا يزالون يتمتعون بها لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية التي وصفها الواقع بأنها مغفلة. هؤلاء الذين يصفقون لخطابات المقاومة الجوفاء لا يدركون أنهم يمولون قتلة وسارقين يحتقرون شعوبهم خلف الكواليس. لقد نجحت الماكينة الإعلامية الفلسطينية، مدعومة بإعلام قطري وإيراني، في غسل أدمغة الملايين، وتصوير هؤلاء اللصوص على أنهم أبطال قوميون ورموز دينية. هذا التغييب للوعي جعل من انتقاد فساد القيادات الفلسطينية "خيانة"، ومن كشف تجارتهم بدماء المدنيين "عمالة"، مما وفر غطاءً مثالياً لهؤلاء المجرمين للاستمرار في غيهم. إن الشعب الفلسطيني نفسه، الذي تعرض لغسيل دماغ جماعي عبر عقود من المناهج التعليمية والخطب الدينية المحرضة، بات يعشق جلاديه، ويرفض رؤية الحقيقة المتمثلة في أن قياداته هي العائق الأول أمام أي استقرار أو رفاه، لأن الحل السلمي وبناء الدولة يعني ببساطة نهاية "موسم الأرباح" وإغلاق حنفيات المال السائب.
تاريخياً، كانت هذه القيادات دائماً ما تختار الجانب الخاطئ من التاريخ طالما كان هناك ثمن مدفوع. فدعمهم لعبد الناصر في تدخله الكارثي في اليمن ومحاولاته لتقويض العروش العربية، ثم ولاؤهم المطلق لصدام حسين أثناء تدميره للكويت، وصولاً إلى ارتمائهم اليوم في أحضان الولي الفقيه، كلها محطات تثبت أن "البوصلة الفلسطينية" لا تتجه نحو القدس، بل نحو مصدر التمويل الأكثر سخاءً. إنهم يبيعون مواقفهم لمن يدفع أكثر، ويستخدمون قضيتهم كأداة ابتزاز ضد الدول الخليجية التي لم تتوقف يوماً عن دعمهم، ليقابلوا هذا الدعم بالخيانة والتآمر بمجرد ظهور ممول جديد. هذا السلوك الميكافيلي أدى إلى تخريب علاقات الفلسطينيين بجيرانهم العرب، وجلب الخراب لكل دولة استضافتهم، من الأردن التي كادوا أن يختطفوا عرشها، إلى لبنان الذي حولوه من سويسرا الشرق إلى ساحة دمار وحروب أهلية لا تنتهي.
إن الاستفحال السرطاني لهذه القضية يعتمد على بقائها بلا حل، فالحل يعني تحول القيادات إلى موظفين حكوميين يخضعون للرقابة، بينما استمرار الصراع يبقيهم "قادة ثورة" فوق القانون. إنهم يتاجرون بصور الأطفال القتلى والبيوت المهدمة لاستدرار عطف العالم وجمع المليارات، ثم يقومون بتدوير هذه الأموال في استثمارات عقارية وسياحية في ماليزيا وتركيا وأوروبا. الأرقام لا تكذب، وحجم ممتلكات قادة الفصائل في عواصم العالم يكفي لبناء مدن كاملة وتوفير حياة كريمة لكل لاجئ، لكنهم يفضلون بقاء اللاجئ في خيمته ليبقى "شاهداً على المظلومية" التي تدر عليهم الذهب. إنها دورة خبيثة من الفساد والإرهاب، يتواطأ فيها القائد السارق مع التابع المغيب، لتظل المنطقة رهينة لخرافة سياسية لم تجلب سوى الفقر والتخلف والدم.
في الختام، يظهر بوضوح أن القضية الفلسطينية قد تخلت عن جوهرها الإنساني والوطني لتصبح أكبر عملية احتيال في التاريخ الحديث. المتربحون من هذا السرطان ليسوا مجرد أفراد، بل هي طبقة كاملة تغلغلت في مفاصل المؤسسات الدولية والإقليمية، وتعيش على أنات المخدوعين بشعاراتها. إن كشف ثروات هؤلاء المجرمين وتعرية ولائاتهم المتقلبة هو الخطوة الأولى لكسر هذه الدائرة من الفشل والفساد. وبدون يقظة حقيقية للشعوب العربية والإسلامية، وتوقفها عن دور "الممول المغفل" لهذا السيرك الدموي، سيبقى هؤلاء التجار يتنعمون بأموال السحت، بينما تستمر المنطقة في دفع ثمن خرافة صممت خصيصاً ليبقى القادة في القصور والشعوب في القبور. إن الوقت قد حان للتوقف عن تقديس اللصوص، والاعتراف بأن العدو الحقيقي لمستقبل المنطقة هو هذا التحالف القذر بين الإرهاب المأجور والفساد العابر للحدود الذي يتخذ من فلسطين قناعاً له.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...