.
.
هندسة الهيمنة: كيف أعادت واقعية ترامب صياغة النظام العالمي وحماية الدولار؟
بين مطارق التحليل السطحي وسندان القراءات الانفعالية، يبرز نهج دونالد ترامب السياسي في مطلع عام ألفين وستة وعشرين كنموذج فريد لـ "الواقعية الفجة" التي تتجاوز القواعد التقليدية للدبلوماسية الدولية لتصيغ مفهوماً جديداً للقوة الوطنية الأمريكية. يخطئ الكثيرون حين يصفون تحركاته بالجنون أو التخبط، إذ أن نظرة فاحصة وشاملة لمجريات الأحداث منذ مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين تكشف عن خيط ناظم واستراتيجية متأنية تهدف إلى تفكيك التهديدات الوجودية للهيمنة الأمريكية، وتحديداً تلك المنبثقة عن صعود كتل موازية أو محاولات فك الارتباط بالدولار. إن ما يبدو تراجعاً في موقف ما ليس سوى إعادة تموضع تكتيكي، وما يراه البعض تصعيداً غير محسوب هو في جوهره استخدام ذكي لنظرية الرجل المجنون لانتزاع تنازلات لم يكن من الممكن الحصول عليها عبر طاولات المفاوضات الهادئة.
تتجلى هذه الحكمة الاستراتيجية بأبهى صورها في طريقة التعامل مع ملف الطاقة وتوظيفه كأداة لإعادة هندسة النظام العالمي. لقد أدركت إدارة ترامب أن حماية الدولار لا تبدأ من البنك المركزي فحسب، بل من صمامات النفط والغاز حول العالم. ومن هذا المنطلق، جاءت العملية العسكرية الخاطفة في فنزويلا في مطلع عام ألفين وستة وعشرين كضربة معلم استراتيجية لم تهدف فقط لإسقاط نظام معادٍ، بل للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم ووضعه تحت إدارة شركات أمريكية كبرى. هذه الخطوة لم تكن مجرد استعراض قوة، بل كانت جزءاً من خطة متكاملة لتجفيف منابع الطاقة الرخيصة التي كانت تغذي آلة النمو الصينية. فمن خلال السيطرة على النفط الفنزويلي، قطعت واشنطن شريان حياة رئيسي عن بكين، وأجبرتها على العودة إلى السوق العالمية المفتوحة حيث يسود الدولار وتتحكم أمريكا في قواعد اللعبة.
في ذات السياق، يظهر التعامل مع منطقة الشرق الأوسط وتحديداً إيران كجزء لا يتجزأ من هذا المخطط العقلاني. بدلاً من الغوص في حروب استنزاف طويلة الأمد، استخدمت الإدارة الضغوط القصوى والضربات الجراحية في أوائل عام ألفين وستة وعشرين لشل قدرة طهران على تصدير النفط بشكل غير قانوني إلى الصين. هذا الحصار الطاقي المزدوج على الصين من فنزويلا وإيران وضع "تنين الشرق" في مأزق لم تنجح كل تحركات "بريكس" في حله. إن محاولات دول بريكس لإحلال عملات محلية بدلاً من الدولار اصطدمت بحقيقة أن التجارة الدولية تحتاج إلى استقرار وأمن، وهو ما تفتقده تلك العملات في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية. وهكذا، وجد الحلفاء والخصوم أنفسهم مضطرين للعودة إلى المظلة الدولارية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، مما يثبت أن ترامب لم يكن يتخبط، بل كان يوجه ضربات دقيقة لأسس "تصفية الدولار" العالمية.
أما على الصعيد الاقتصادي الداخلي، فقد أثبتت سياسة التعريفات الجمركية التي تم تبنيها بقوة في عام ألفين وخمسة وعشرين أنها سلاح ذو حدين تم استخدامه ببراعة الجراح. ففي حين صرخ خبراء الاقتصاد التقليديون محذرين من ركود عالمي، استخدم ترامب هذه التعريفات كأداة تفاوضية لفرض "اتفاقيات التجارة المتبادلة". لقد نجحت هذه السياسة في تقليص العجز التجاري مع الصين بنسب تاريخية، وحفزت عودة الاستثمارات الصناعية إلى الداخل الأمريكي. والواقع أن ترامب لم يكن يسعى للانعزال، بل كان يسعى لإعادة صياغة شروط العولمة لتكون في مصلحة العامل الأمريكي، فارضاً واقعاً جديداً حيث لا يمكن لأي دولة الوصول إلى السوق الأمريكية الضخمة دون تقديم تنازلات ملموسة في ملفات أخرى كالطاقة أو الأمن.
إن القوة التي تظهرها أمريكا اليوم تجاه حلفائها الأوروبيين تعكس أيضاً هذا النضج في التفكير الواقعي. فبدلاً من تحمل تكاليف حماية القارة العجوز دون مقابل، فرضت الإدارة الأمريكية واقعاً جديداً يربط بين الأمن القومي الأمريكي والمصالح الاقتصادية المباشرة. ومع انقطاع إمدادات الطاقة الشرقية وتذبذب الأسعار، وجدت أوروبا نفسها مرتهنة للغاز المسال الأمريكي والنفط المدار أمريكياً، مما جعلها تابعة اقتصادياً لسياسات واشنطن. هذا الارتهان ليس نتيجة صدفة، بل هو ثمرة سياسة متأنية تهدف لضمان أن يكون الحلفاء جزءاً من القوة الأمريكية وليس عبئاً عليها.
بالنسبة للصين، فإن "الحكمة" في سياسة ترامب تكمن في تجنب الصدام العسكري المباشر فوق تايوان حتى الآن، واستبداله بحصار اقتصادي وطاقي خانق. إن إدراك واشنطن بأن قوة الصين تكمن في الإنتاج والنمو المستمر جعلها تركز على رفع تكلفة هذا الإنتاج عبر التحكم في أسعار الطاقة. الصين اليوم تجد نفسها مضطرة للاختيار بين تمويل سباق التسلح أو تأمين احتياجاتها من الطاقة بأسعار مرتفعة، وهو الخيار الذي يضعفها داخلياً ويؤدي إلى تآكل قدرتها على منافسة أمريكا في الأمد الطويل. إن هذا النفس الطويل في إدارة الصراعات يثبت أننا أمام إدارة تدرك جيداً موازين القوى وتعرف متى تضغط ومتى تمنح مساحة للمناورة.
في الختام، يمكن القول إن دونالد ترامب في عهده الثاني قد استبدل الدبلوماسية التقليدية بـ "دبلوماسية الصفقات الكبرى" المدعومة بالقوة الخشنة والذكاء الاقتصادي. إن من يقرأ قراراته كأفعال منفصلة سيراها متناقضة، ولكن من ينظر إليها ككل متكامل سيجد أنها تؤدي جميعها إلى هدف واحد: استعادة الهيمنة الأمريكية المطلقة عبر السيطرة على الموارد الحيوية، وحماية العملة الوطنية، وتفكيك التحالفات المنافسة قبل أن تصبح تهديداً حقيقياً. إنها سياسة تدرك أن العالم يحترم القوة والمصالح لا الشعارات والمبادئ، وهي بهذا المعنى قمة العقلانية السياسية والواقعية التي تضع مصلحة أمريكا فوق كل اعتبار، وتثبت يوماً بعد يوم أن "الجنون" المزعوم لم يكن إلا تمويهاً ذكياً لتحقيق نصر استراتيجي بعيد المدى.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire