Translate

من هيكل الإله إلى هيكل الدولة: تناسخ الإسقاطات المقدسة في الأنظمة العلمانية المعاصرة (مقال)

.


.
من هيكل الإله إلى هيكل الدولة: تناسخ الإسقاطات المقدسة في الأنظمة العلمانية المعاصرة



لم يكن موت الإله الذي أعلنه نيتشه إيذاناً بنهاية عهد التقديس، بل كان في الواقع إيذاناً ببدء عملية "تأميم" للمقدس ونقله من السماء إلى الأرض، حيث استبدل الإنسان أصنام الغيب بأصنام المادة والسياسة. إن القارئ المتأمل في بنية الأنظمة العلمانية المعاصرة، سواء كانت شمولية أو قومية أو حتى ديمقراطية ليبرالية في صورها المتطرفة، سيكتشف أن الآليات السيكولوجية والأنثروبولوجية التي صنعت الآلهة قديماً هي ذاتها التي تُستخدم اليوم لصناعة "الدولة الإله" أو "الزعيم المنقذ". إن الإسقاط البشري الذي ناقشنا أصوله اللاهوتية لم يختفِ بظهور العلمانية، بل اتخذ لبوساً جديداً، حيث تحولت "العقيدة" إلى "أيديولوجيا"، واستُبدل "النص المقدس" بـ "الدستور الجامد"، وتحول "الكاهن" إلى "تكنوقراط" أو "منظر حزبي"، وظلت الغاية واحدة: إرضاء نرجسية الجماعة، وتوفير شعور وهمي بالأمان، وشرعنة التسلط عبر خلق "تابوهات" علمانية لا تقبل النقد.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في مفهوم "الدولة القومية" الحديثة، التي ورثت صفات الإله الإبراهيمي في الإحاطة والقدرة والقداسة. فالدولة المعاصرة تطلب من مواطنيها "الولاء المطلق"، وهو مرادف علماني للتوحيد، وتعتبر الخروج على مبادئها "خيانة عظمى"، وهي النسخة الحديثة من تهمة "الردة". إن الإنسان الذي كان يسقط حاجته للحماية على إله غيبي، أصبح اليوم يسقطها على "كيان الدولة" الذي يُفترض أنه كلي العلم ببيانات مواطنيه، وكلي القدرة عبر أجهزته الأمنية والعسكرية. هذه الدولة أصبحت "كيانًا مفارقًا" له إرادة ومصالح تسمو فوق إرادة الأفراد، تماماً كما كان الإله يمتلك "حكمة إلهية" لا يدركها البشر. المفارقة هنا أن العلمانية التي جاءت لتحرير الإنسان من وصاية الغيب، انتهت بتسليمه لوصاية "البيروقراطية المقدسة" التي تمارس دور الإله في توزيع الأرزاق (الاقتصاد) ومنح الحياة أو سلبها (القانون والحروب).
أما "تأليه الزعيم" في الأنظمة الشمولية والعلمانية، فهو التجسيد الحي لعودة "الإنسان الإله" أو "الإله المشخص" الذي ناقشناه في الميثولوجيات القديمة. الزعيم في هذه الأنظمة ليس مجرد موظف عام، بل هو "المخلص" الذي يمتلك رؤية ثاقبة تتجاوز العقل البشري العادي. تُرفع صوره في كل مكان كأيقونات دينية، وتُنسب إليه قدرات خارقة في فهم التاريخ وتوجيه الجماهير. إن الهتافات التي تمجد الزعيم ليست سوى تسابيح علمانية تهدف إلى دمج "الأنا الجماعية" في شخص فرد واحد، مما يشبع غريزة الخضوع لدى الجماهير وغريزة العظمة لدى الحاكم. هذا الزعيم يصبح هو "المعيار الأخلاقي" المطلق؛ فما يراه حقاً هو الحق، وما يراه باطلاً هو الباطل، تماماً كما كان إله العهد القديم يحدد الخير والشر بناءً على مشيئته الشخصية. إننا هنا أمام عملية "أنسنة للإله" في ثوب سياسي، حيث تُسقط صفات الإطلاق على كائن بيولوجي فانٍ لملء الفراغ الروحي الذي خلفه غياب الدين التقليدي.
إن انتقال الإسقاط البشري للأنظمة العلمانية يظهر أيضاً في "هندسة الطقوس". فالأديان تعتمد على الطقس الجماعي لتعزيز الشعور بالانتماء والقداسة، والأنظمة العلمانية استعارت هذه الأدوات بدقة مذهلة. الاستعراضات العسكرية الضخمة، الاحتفالات بالأعياد الوطنية، الوقوف للنشيد الوطني، وتقديس العلم؛ كلها طقوس تهدف إلى خلق حالة من "النشوة الجمعية" تشبه تلك التي تحدث في دور العبادة. العلم هنا ليس مجرد قطعة قماش، بل هو "رمز مقدس" يُمنع تدنيسه، تماماً كالصليب أو المصحف. هذا التقديس للرموز المادية يعكس حاجة الإنسان الأزلية لربط وجوده الهش بكيان باقٍ ورموز لا تموت، وهو ما يثبت أن "بنية التقديس" في العقل البشري ثابتة، وكل ما يتغير هو "موضوع التقديس".
وعلى صعيد "الإغراء والوعد"، فإن الأيديولوجيات العلمانية الكبرى، كالشيوعية أو الرأسمالية المتطرفة، قدمت نسخاً أرضية من "الجنة". فالشيوعية وعدت بـ "المجتمع اليوتوبي" حيث تزول الطبقات وينتهي الشقاء، وهو وعد يشبه تماماً وعد الجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم. أما الرأسمالية، فقد حولت "الاستهلاك" إلى دين جديد، حيث "السوق" هو الإله غير المرئي الذي يوجه الأقدار، و"النمو الاقتصادي" هو الغاية القصوى التي تُقدم في سبيلها الأضاحي البشرية والبيئية. الإنسان في هذه الأنظمة يسقط رغبته في السعادة المطلقة على "السلعة" أو "الرفاه المادي"، معتقداً أن الخلاص يكمن في مراكمة المقتنيات، وهو ما يمثل تحولاً من العبادة الروحية إلى "الوثنية السلعية". إن هذا الإغراء المادي يعمل كأفيون جديد يخدر الجماهير ويمنعها من التفكير في عبثية الوجود، تماماً كما فعلت وعود الآخرة قديماً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن "النزعة العلموية" (Scientism) – وهي تختلف عن العلم كمنهج – تحولت في العصر الحديث إلى نوع من الدين العلماني. حيث أصبح "العلم" يُطرح كبديل كلي للوحي، يمتلك الإجابات النهائية على كل الأسئلة الوجودية. الإنسان هنا يسقط رغبته في "اليقين المطلق" على المختبر والمعادلة، محولاً العلماء إلى "كهنة جدد" يرتدون المعاطف البيضاء بدلاً من الجلباب الأسود. عندما نقدس العلم لدرجة نفي أي تساؤل أخلاقي أو فلسفي، فإننا نعيد إنتاج "الدوغمائية الدينية" ولكن تحت مسمى "الحقيقة العلمية". هذا الإسقاط يعكس خوف الإنسان من "اللاأدريّة" وحاجته إلى مرجعية صلبة يستند إليها في عالم متموج، وهي ذات الحاجة التي دفعته قديماً لاختراع الإله القوي المحيط بكل شيء.
أما في الجانب "القمعي والتسلطي"، فإن الأنظمة العلمانية استخدمت "العقلانية" و"المنطق" لتبرير أبشع أنواع القمع، تماماً كما استُخدم "الحق الإلهي" قديماً. إن شعارات مثل "الضرورة التاريخية" أو "المصلحة الوطنية العليا" أصبحت تُستخدم لانتهاك كرامة الفرد وحريته، وبما أن هذه الشعارات تنبع من "إرادة الدولة" المقدسة، فإن معارضتها تصبح نوعاً من "الهرطقة العلمانية" التي تستوجب النبذ أو العقاب. إننا هنا نرى كيف تناسخت روح "مواكير التفتيش" في أجهزة الرقابة الحديثة، حيث يُلاحق الفرد في أفكاره وانتماءاته لضمان طهارته الأيديولوجية تجاه "الدين المدني" الذي تفرضه الدولة.
إن هذا التوسع في التحليل يكشف أن "العلمانية" لم تكن في كثير من الأحيان فصلاً للدين عن الدولة، بل كانت "دمجاً للدين في الدولة". لقد أصبح السياسي هو الديني، وأصبح القومي هو المقدس. الإنسان الذي ناقشنا في المقالات السابقة كيف صنع آلهته من طين غرائزه، عاد في العصر الحديث ليصنع آلهته من حديد مصانعه ودخان أيديولوجياته. إن الغرور البشري الذي دفع الإنسان لادعاء الألوهية أو القرب منها، هو ذاته الذي يدفعه اليوم لادعاء "السيادة المطلقة" للدولة أو "التفوق العرقي" أو "الكمال الأيديولوجي". إن كل هذه التشكيلات هي إسقاطات لـ "الأنا المتضخمة" التي تريد السيطرة على الطبيعة وعلى الآخرين، هرباً من حقيقة الضعف والموت.
إن الخطورة في هذه "الأديان العلمانية" تكمن في أنها تمتلك أدوات تدميرية وتكنولوجية لم تكن تملكها الأديان التقليدية. فالإله الذي يسكن في السماء كان يُعاقب بالصواعق المتخيلة، أما "الدولة الإله" فتعاقب بالقنابل الذرية والمعتقلات الرقمية. إن تقديس "الآلة" أو "النظام" يجعل الإنسان برغياً صغيراً في هيكل ضخم، مما ينزع عنه إنسانيته ويحوله إلى مجرد رقم إحصائي في خدمة "المقدس الجديد". إننا نعيش في عصر "الوثنية المقنّعة" بالمنطق، حيث تُذبح الحقائق على مذبح "المصلحة" وتُقدس الوسيلة على حساب الغاية، مما يثبت أن الإنسان لا يزال أسيراً لآليات الإسقاط التي اخترعها في فجر التاريخ.
لذلك، فإن التحرر الحقيقي لا يكمن فقط في نفي الآلهة الغيبية، بل في نفي "عقلية التأليه" بحد ذاتها، سواء كانت سماوية أو أرضية. إن كشف الزيف في "تنزيه الله" يجب أن يتبعه كشف للزيف في "تنزيه الدولة" أو "تنزيه القائد". إن العقل النقدي يجب أن يظل مشرطاً يشرح كل محاولات إضفاء القداسة على ما هو بشري وزائل. إن الاعتراف ببشرية الدولة، وبشرية القوانين، وبشرية الزعماء، هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع راشد لا يسجد للأوهام. المجتمع الراشد هو الذي يدرك أن "الدولة" هي مجرد أداة تنظيمية وظيفية قابلة للنقد والتغيير، وليست كياناً روحياً يطلب القرابين البشرية.
في الختام، يظهر لنا التاريخ أن الإسقاطات البشرية هي طاقة لا تفنى، بل تتحول من شكل إلى آخر. إن غريزة "صناعة الأصنام" تظل كامنة في النفس البشرية، تنتظر أي لحظة ضعف أو خوف لتبني هيكلاً جديداً للعبادة. سواء كان هذا الهيكل معبداً في الغابة أو ناطحة سحاب في مدينة حديثة، فإن الدافع واحد: الهروب من مواجهة الحقيقة العارية بأننا كائنات وحيدة ومسؤولة في هذا الكون. إن تحطيم الآلهة العلمانية هو المهمة الكبرى لإنسان القرن الحادي والعشرين، لكي لا يسقط مرة أخرى في عبودية من نوع جديد، عبودية تلبس قناع الحرية والتقدم بينما هي تقتات على ذات الغرائز البدائية التي سجدت يوماً أمام تماثيل الحجر. إن كرامة العقل تقتضي رفض كل أنواع "الإسقاطات المقدسة"، والعيش بشجاعة في عالم لا يحكمه إلا المنطق الإنساني، والعدل القائم على الاعتراف بحقوق الفرد بعيداً عن غطرسة الجماعة أو قداسة الكيانات الوهمية.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...