Translate

ثنائية دار الإسلام ودار الحرب: الجذر الأيديولوجي للعداء الوجودي وتجريد الآخر من إنسانيته (مقال)

.


.
ثنائية دار الإسلام ودار الحرب: الجذر الأيديولوجي للعداء الوجودي وتجريد الآخر من إنسانيته



تعد الرؤية الكونية التي تقسم العالم إلى فسطاطين متناحرين واحدة من أخطر الركائز البنيوية في المنظومة الفقهية والتراثية الإسلامية، وهي الرؤية التي صاغت على مدار قرون علاقة المسلم بغيره على أساس العداء الكامن أو المعلن. إن تقسيم الجغرافيا البشرية إلى دار إسلام ودار حرب ليس مجرد تقسيم إداري أو سياسي فرضته ظروف تاريخية غابرة، بل هو تعبير عن عقيدة أيديولوجية عميقة تؤمن بحتمية الصراع الوجودي حتى تخضع الأرض قاطبة لهيمنة العقيدة الواحدة. هذا التقسيم الثنائي يعمل كمصنع لإنتاج الكراهية الممنهجة، حيث يتم تصنيف البشر بناءً على معتقداتهم لا على إنسانيتهم المشتركة، مما يؤدي بالضرورة إلى تجريد "الآخر" من صفته البشرية، وتحويله في وعي المؤمن بهذه المنظومة إلى "هدف" مشروع يجب استئصاله أو إخضاعه، وهو ما يفسر السهولة التي يقدم بها الانتحاري على قتل الأبرياء بضمير مستريح، مدفوعاً ببرمجة ذهنية ترى في إزهاق أرواح "الكفار" قرباناً مقدساً وواجباً دينياً لا غبار عليه.
إن تحليل هذه المنظومة القيمية يكشف عن خلل جذري في مفهوم "الآخر" داخل الفكر الإسلامي التقليدي. فالإنسان في هذا السياق لا يُحترم لذاته أو لكرامته المتأصلة ككائن حي، بل تُستمد قيمته وحصانته فقط من انتماءه لفسطاط الإيمان. فبمجرد خروج الفرد عن هذه الدائرة، فإنه يدخل آلياً في دائرة "دار الحرب"، وهي مساحة جغرافية وبشرية تُعرف في الفقه بأنها مستباحة الدم والمال في أصلها، وما الأمان الذي قد يُمنح لساكنيها إلا استثناء مؤقت تفرضه المصلحة أو الضعف. هذا التأصيل الفقهي يخلق لدى الناشئ وجداناً يزدري حياة غير المسلمين، حيث يتم تصويرهم كعقبات أمام الحقيقة المطلقة، أو ككائنات أدنى مرتبة لأنها رفضت الهداية. هذا التصنيف يمهد الطريق لعملية "الشيطنة" التي تسبق القتل، فلكي يتمكن الإنسان من قتل أخيه الإنسان دون شعور بالذنب، يجب أولاً أن يمحو صورته البشرية من ذهنه ويستبدلها بصورة "العدو الحربي" الذي يمثل تهديداً لله وللدين.
تتجسد خطورة هذه الثنائية في كونها تمنح صكاً أخلاقياً للعنف العشوائي، ففي "دار الحرب"، تسقط الكثير من المحرمات التي تُصان في "دار الإسلام". الانتحاري الذي يفجر نفسه في مدينة عالمية أو في سوق شعبي يضم مخالفين له، لا يرى أمامه بشراً لهم أحلام وعائلات وقصص حياة، بل يرى "حربيين" تشرعن الأيديولوجيا دماءهم. عملية التجريد من الإنسانية تصل هنا إلى ذروتها، حيث يتم اختزال ملايين البشر في وصف واحد وهو "الكفر"، وهو وصف كافٍ في المنظومة الراديكالية لنزع الحماية عن حياتهم. إن الضمير المستريح الذي يتباهى به القتلة بعد عملياتهم ليس نتاج خلل في جيناتهم، بل هو نتاج تربية دينية مكثفة أقنعتهم بأنهم "جند الله" المكلفون بتطهير الأرض من دنس المشركين. هذه "القداسة" المزعومة للفعل الإجرامي هي التي تخدر مراكز التعاطف الفطرية في الدماغ البشري، وتستبدلها بآلية "فرز عقدي" صارمة لا ترى في الدماء المسفوكة إلا وسيلة للوصول إلى الجنة الموعودة.
علاوة على ذلك، فإن ثنائية دار الإسلام ودار الحرب تعزز حالة من "الانعزال النفسي" والارتياب المستمر من العالم. فالعيش بعقلية الفسطاطين يجعل المسلم في حالة استنفار دائم، حيث يُنظر لكل من هو خارج العقيدة كمتآمر أو عدو مستتر ينتظر الفرصة للانقضاض على الدين. هذا الارتياب الممنهج، الذي تُغذيه نصوص الولاء والبراء، يمنع نشوء أي عقد اجتماعي عالمي يقوم على المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة. بالنسبة للمؤدلج، فإن السلام مع "دار الحرب" هو مجرد هدنة مؤقتة أو "تقية" تفرضها الظروف، أما الأصل فهو القتال حتى يكون الدين كله لله. هذا التصور يحول المجتمعات الإسلامية إلى كيانات منغلقة تخشى التأثر بالحضارة الحديثة، وترى في حقوق الإنسان والديمقراطية مجرد أدوات "حربية" يستخدمها الغرب لغزو عقول المسلمين. وهكذا، تتحول الأيديولوجيا إلى سجن ذهني يمنع الفرد من رؤية الجمال والتنوع في العالم، ويحصره في رغبة وحيدة وهي فرض نمطه الخاص على الآخرين بالرعب.
إن عملية "تجريد الآخر من إنسانيته" تبدأ من اللغة والمصطلحات التي يستخدمها النص والتراث في وصف غير المسلمين. استخدام أوصاف مثل "الأنعام"، أو "أحفاد القردة والخنازير"، أو "شر البرية"، يساهم في خلق مسافة شعورية هائلة بين المؤمن وبين بقية البشر. الطفل الذي يحفظ هذه الأوصاف منذ صغره، ينمو ولديه حاجز نفسي يمنعه من الشعور بالألم تجاه معاناة "الكفار". هذه اللغة التحقيرية هي "البنية التحتية" التي يقوم عليها الإرهاب؛ فالإرهاب ليس مجرد بارود وتفجير، بل هو لغة قتلت الضحية معنوياً قبل أن تقتلها جسدياً. عندما يزدري الإنسان حياة الآخر، فإنه يفقد تدريجياً احترام حياته هو أيضاً، لأن المنظومة التي تشرعن القتل تشرعن أيضاً الانتحار في سبيل العقيدة. ومن هنا نجد التلازم الوثيق بين كراهية "دار الحرب" وبين الرغبة في "الاستشهاد"، فكلاهما وجهان لعملة واحدة وهي احتقار الوجود المادي أمام السراب الغيبي.
المعضلة الكبرى في هذه الثنائية هي أنها لا تترك مجالاً للحياد أو للتعايش السلمي المستدام. فوفقاً لهذا المنطق، يجب على العالم أن يكون إما خاضعاً للإسلام أو هدفاً له. هذا الفكر الإلغائي هو الذي يغذي الحركات الإرهابية العابرة للحدود، والتي ترى في المدن العالمية مجرد ساحات لـ "دار الحرب" يجب ترويعها. الانتحاري هنا يمارس دور "المطهر" الذي يعتقد أنه يخدم البشرية بتخليصها من "رجس الكفر". إن هذا القلب السادي للمفاهيم الأخلاقية، حيث يُسمى القتل رحمة والانتحار فوزاً، هو النتيجة الحتمية لمنظومة وضعت "العقيدة" فوق "الإنسان". وبدون تفكيك هذه الثنائية وإلغاء مفاهيم دار الإسلام ودار الحرب من العقل الجمعي، سيظل العالم يواجه أجيالاً متلاحقة من المحاربين العقائديين الذين لا يعترفون بحدود جغرافية أو قوانين دولية، بل يعترفون فقط بخريطة وهمية تقسم البشر إلى "نحن" المقدسون و"هم" المستباحون.
في الختام، يمثل تقسيم البشرية إلى فسطاطين أصل العداء الوجودي الذي يهدد السلام العالمي ويغتال إنسانية الفرد. إنها منظومة قيمية صُممت للغزو والسيطرة، ولا يمكنها أن تتوافق مع قيم الحداثة والتعايش الإنساني إلا إذا تم نقدها وتجاوزها بشكل كامل. إن تجريد الآخر من إنسانيته هو الخطيئة الأولى التي يرتكبها الفكر الديني الشمولي، وهي الخطيئة التي تفتح الأبواب لكل أشكال الإرهاب والدمار. إن استعادة قدسية الحياة تبدأ من الاعتراف بأن الأرض هي دار واحدة لجميع البشر، وأن المعيار الوحيد للمفاضلة هو الإسهام في رفاهية الإنسان وإعماره للأرض، وليس الانتماء لعقيدة تزدري الحياة وتنتظر الفناء. إن تحرير العقل من سجن الثنائيات القاتلة هو السبيل الوحيد لإنهاء دورة العنف، ولإعادة الإنسان إلى إنسانيته التي اختطفتها خرافات "دار الحرب" وأوهام "الخلاص بالدم".




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...