.
.
وهم الخلاص الشمولي: قراءة نقدية في تقاطعات المشاريع القومية والشيوعية والإسلامية
يمثل القرن العشرون في المنطقة العربية والشرق الأوسط ساحة صراع كبرى بين أيديولوجيات كليانية، وعدت الشعوب بالنهضة والتحرر والعدالة، لكنها انتهت في أغلب تجلياتها إلى بناء أنظمة استبدادية حطمت الفرد وصادرت الحريات وأهدرت المقدرات الاقتصادية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز المشروع القومي الناصري كنموذج محوري، تشابك في بنيته العميقة مع المشروعين الشيوعي والإسلامي، رغم ما يبدو على السطح من عداء مستعر بينها. إن التدقيق في هذه المشاريع الثلاثة يكشف أنها جميعاً تنتمي إلى عائلة واحدة من "الأيديولوجيات الشمولية" التي تقوم على نفي التعددية، وتقديس الزعيم أو التنظيم، والعداء الصريح لمنظومة القيم الليبرالية والعلمانية التي تضع الفرد وحقوقه في مركز الدولة.
بدأ المشروع القومي الناصري، الذي قاده جمال عبد الناصر، كحركة عسكرية انقلبت على نظام ملكي كان يمتلك بذوراً لليبرالية وتعددية سياسية واعدة. وبالرغم من أن ناصر حاول تصوير مشروعه كبديل أصيل نابع من تربة المنطقة، إلا أن أدواته في الحكم كانت مستقاة من رحم التنظيمات السرية الإخوانية والشمولية الستالينية. فالمشروع القومي الناصري اعتمد في جوهره على "تأميم" كل شيء، بدءاً من المصانع والشركات وصولاً إلى العقول والدين. وهذا التأميم هو النقطة المركزية التي يلتقي فيها مع المشروع الشيوعي، حيث يتم إلغاء الملكية الخاصة واعتبارها شراً يجب استئصاله لصالح "الجماعة" أو "الدولة". وفي الحقيقة، فإن انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الناجحين في عهد ناصر لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل كان عملية "نهب منظم" باسم القومية، تشبه تماماً ما قامت به البلشفية في روسيا باسم البروليتاريا. والنتيجة في الحالتين كانت واحدة: تدمير الحوافز الفردية، وهرب العقول، وتحويل الاقتصاد إلى جهاز بيروقراطي متهالك يخدم بقاء السلطة لا رفاهية المجتمع.
أما التقاطع بين المشروع الناصري والمشروع الإسلامي، فهو الأشد خطورة والأكثر تعقيداً، خاصة وأن ناصر نفسه خرج من عباءة الإخوان المسلمين وبايع تنظيمهم سرياً قبل وصوله للحكم. إن المشروع الإسلامي يطمح إلى "الحاكمية" وإقامة دولة الخلافة التي تذيب الحدود الوطنية لصالح "الأمة الإسلامية"، وهو تماماً ما حاول ناصر فعله عبر "القومية العربية" التي كانت تسعى لإذابة الهويات المحلية والوطنية لصالح هوية عروبية قسرية. كلا المشروعين ينظر إلى الدولة كأداة للهيمنة الأيديولوجية وليس كعقد اجتماعي بين مواطنين متساويين. وعندما قام ناصر بتأميم الأزهر وجعله جزءاً من جهاز الدولة الأمني، فإنه لم يحارب الفكر الإخواني، بل قام بـ "أخونة الدولة" من الداخل، حيث أصبح الحاكم هو المرشد الأعلى الذي يقرر ماهية الدين الصحيح، وهو النموذج الذي نراه اليوم بوضوح في النظام الإيراني الذي يمزج بين القبضة العسكرية والغطاء الديني الشمولي.
إن المشاريع الثلاثة تشترك في عدائها الجذري للعلمانية الليبرالية. فالعلمانية التي تفصل بين الدين والدولة وتضمن حرية الاعتقاد والضمير، تُعتبر في نظر القومي والشيوعي والإسلامي "مؤامرة غربية" تهدف لتفتيت وحدة الأمة أو الطبقة. هذا العداء المشترك أدى إلى تجريف الحياة السياسية في المنطقة، حيث تم قمع الأحزاب الليبرالية، وإغلاق الصحف المستقلة، وتحويل الجامعات من مراكز للبحث والنقد إلى ثكنات للتلقين الأيديولوجي. وفي ظل هذا المناخ، تحول "المواطن" إلى "رعية" في دولة ناصر، و"رفيق" في الدولة الشيوعية، و"تابع" في المشروع الإسلامي، بينما غاب مفهوم الإنسان الحر الذي يمتلك الحق في معارضة السلطة أو التمسك بملكيته وفكره الخاص. إن "تدمير العقل" الذي مارسه ناصر عبر أجهزة البروباغندا مثل "صوت العرب"، هو ذاته المنهج الذي تتبعه التنظيمات الإسلامية في غسل أدمغة الأتباع بأوهام الانتصارات الإلهية والوعود الميتافيزيقية.
وعند النظر إلى مآلات هذه المشاريع، نجد أن المشروع القومي الناصري انتهى بكارثة عسكرية واقتصادية في عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وهي الهزيمة التي كشفت زيف الوعود القومية بـ "رمي اليهود في البحر" وتحرير فلسطين. هذه الصدمة لم تقد الناس نحو الليبرالية، بل دفعتهم نحو "المشروع الإسلامي" الذي قدم نفسه كبديل "للهزيمة التي سببتها العلمانية المزعومة لنظام ناصر". والحقيقة أن نظام ناصر لم يكن علمانياً قط، بل كان نظاماً "ثيوقراطياً عسكرياً" استخدم الدين لشرعنة الاستبداد. ومن هنا، فإن الفشل الناصري كان هو الوقود الذي أحيا طموحات الجماعات الإرهابية، حيث وجد الشباب الذين تربوا على أدبيات "البطل المنقذ" والسمع والطاعة في التنظيم الإخواني ملاذاً جديداً يعوضهم عن انكسار الحلم القومي.
المشروع الشيوعي بدوره، الذي حاول التغلغل في المنطقة عبر بوابة العداء للاستعمار، سقط عالمياً بسقوط جدار برلين، لكن إرثه في الإدارة المركزية القمعية لا يزال حياً في بنية الأنظمة التي استلهمت نموذج "الحزب الواحد" والسيطرة الكاملة للدولة على مصادر الرزق. إن التشابه بين ستالين وناصر وصدام حسين يكمن في تأليه الشخصية وتحويل الدولة إلى غاية في حد ذاتها، حيث يتم التضحية بملايين البشر من أجل أهداف أيديولوجية وهمية. هؤلاء المستبدون الحمقى دمروا البنى التحتية والمجتمعية لبلادهم تحت شعارات الصمود والتصدي، بينما كان الواقع هو الفقر والقمع والتبعية للدول الكبرى. إن المشروع القومي، تماماً مثل الشيوعي والإسلامي، هو مشروع "ضد التاريخ" لأنه يتجاهل أهم حقيقة في الوجود البشري وهي "التنوع" وضرورة التنافس الحر في الأفكار والاقتصاد.
لقد قامت هذه المشاريع الثلاثة على فكرة "الإقصاء"؛ فالقومي أقصى كل من ليس عربياً (بما في ذلك الأقليات التاريخية واليهود والأجانب الذين كانوا جزءاً من نسيج المنطقة)، والإسلامي يقصي كل من ليس مسلماً أو من يخالف فهمه للدين، والشيوعي يقصي كل من يمتلك رأساً للمال أو فكراً مستقلاً. هذا الإقصاء أدى إلى هجرة العقول والأموال، وتحولت المدن الكوزموبوليتانية مثل القاهرة والإسكندرية وبغداد من مراكز حضارية عالمية إلى مدن منغلقة ومتهالكة. إن عملية السرقة التي تمت باسم القومية وتأميم الممتلكات كانت الضربة القاضية للاقتصاد الحر، حيث تم تسليم إدارة الشركات لضباط جيش أو بيروقراطيين لا يفقهون في لغة السوق، مما أنتج فساداً مؤسسياً لا تزال المنطقة تعاني منه حتى اليوم.
إن البديل الحقيقي والوحيد الذي تم محاربته بضراوة من قبل هذه التيارات الثلاثة هو "الدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية". إنها الدولة التي لا تتبنى ديناً ولا أيديولوجيا، بل تحمي حق الجميع في ممارسة قناعاتهم. هي الدولة التي تقدس الملكية الخاصة وتعتبرها امتداداً لحرية الفرد وكرامته. إن الفرق بين مشروع ناصر والمشروع الليبرالي هو الفرق بين "القطيع" و"المواطن". ففي المشروع الليبرالي، الدولة هي خادم للمجتمع ومدير للعقد الاجتماعي، بينما في المشاريع القومية والإسلامية والشيوعية، المجتمع هو خادم للدولة والأيديولوجيا. إن الفشل الذريع الذي نراه اليوم في الدول التي تبنت هذه الشعارات هو أكبر دليل على أن العقل العربي قد تم تضليله لعقود عبر سلسلة من الأكاذيب الأيديولوجية التي كانت تهدف فقط لتمكين طبقة معينة من السلطة.
في الختام، يظهر جمال عبد الناصر في هذا التحليل ليس كبطل للتحرر الوطني، بل كقنطرة عبرت عليها الشمولية الإخوانية والستالينية لتستقر في قلب الدولة. إن ناصر الذي بايع الإخوان واعتمد أساليبهم في التنظيم، هو الذي مهد الطريق لكل الكوارث اللاحقة عبر تحطيم العقل النقدي وتأميم الدين والممتلكات. إن المقارنة بين المشروع القومي والشيوعي والإسلامي تكشف أنها وجوه لعملة واحدة هي "الاستبداد المطلق". إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب اعترافاً شجاعاً بأن هذه المشاريع قد سقطت ولن تعود، وأن الطريق الوحيد لبناء حضارة حقيقية يمر عبر احترام الفرد، وفصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً، وإقامة ديمقراطية ليبرالية تضمن تداول السلطة وسيادة القانون فوق الجميع، بعيداً عن أوهام القومية وسراب الخلافة وجحيم الشمولية. إن "تأميم العقل" كان الخطيئة الناصرية الكبرى، وتحرير هذا العقل هو الخطوة الأولى نحو المستقبل.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire