Translate

سراب الأفق المفقود (قصة قصيرة)


.

.
سراب الأفق المفقود




كانت السماء في حلم سليم تكتسي لوناً لم يره قط في يقظته، مزيجاً غامراً بين الأرجواني الداكن ووميض الذهب العتيق، حيث تتراقص السحب كأنها كائنات حية تتنفس ببطء وتلقي بظلالها على أرض من الرخام المصقول الممتد إلى مالا نهاية. مشى سليم بخطوات واثقة، لم يكن يشعر بوزن جسده، بل كان يحلق فوق السطح البارد متبعاً صوتاً مألوفاً يناديه من بعيد، صوت يشبه حفيف الأشجار في ليلة خريفية هادئة ممزوجاً بنبرة حانية كادت تذوب في أذنه. كلما تقدم خطوة، كانت الجدران غير المرئية من حوله تتجلى لتكشف عن حدائق معلقة، تتساقط منها ثمار لا تشبه الفاكهة بل تبدو كأنها جواهر مشعة تضيء الممر الذي يسلكه، وكان الهواء معبأً برائحة الياسمين الممزوج بتراب المطر، تلك الرائحة التي طالما ارتبطت في ذاكرته بلحظات الأمان المفقودة منذ زمن طويل.
استمر في السير، والرخام تحت قدميه يبدأ في التحول تدريجياً إلى ما يشبه الماء الراكد، لكنه لم يغرق، بل كانت دوائر الضوء تتسع حول موضع قدمه مع كل حركة. فجأة، بدأت السماء الأرجوانية تضيق، وكأن سقفاً عملاقاً يهبط ببطء ليمسح ذلك الأفق الرحب، وبدأ الصوت الذي كان يناديه يتحول من نغمة حانية إلى صدى متقطع ينم عن استغاثة مكتومة. لم يعد سليم يشعر بذلك الخفة، بل بدأ ثقل غريب يزحف إلى أطرافه، وكأن الهواء صار سميكاً كالعسل، يصعب استنشاقه أو العبور من خلاله. التفت يمنة ويسرة، فإذا بالحدائق المعلقة تذبل في لحظات، وتتحول الجواهر المشعة إلى أحجار سوداء مطفأة تتساقط وترتطم بالماء تحت قدميه بصوت مكتوم يشبه دقات قلب متسارعة.
تسارعت وتيرة الأحداث في رؤياه، حيث بدأت الأرض الرخامية تتشقق، وتخرج من الشقوق خيوط من الظلام الدامس بدأت تلتف حول كاحليه لتسحبه نحو الأسفل. حاول الصراخ، لكن صوته كان حبيس حنجرته، وكأن صمتاً أبدياً قد فرض عليه في تلك اللحظة الحرجة. نظر إلى الأفق الذي كان يوماً منيراً، فإذا به يرى وجهاً ضخماً يتشكل من الدخان، وجه لا ملامح له سوى عينين واسعتين تشعان بنور أحمر قانٍ، ينظران إليه ببرود قاتل. في تلك اللحظة، أدرك سليم أن المكان الذي كان يظنه جنة لم يكن سوى فخ محكم النسج، وأن الصوت الذي جذبه لم يكن سوى طعم لكيان يتربص به في زوايا وعيه المظلمة. بدأ العالم من حوله ينهار كبيت من ورق، وتلاشت الألوان لتفسح المجال لسواد مطلق لا يقطعه سوى ذلك الوميض الأحمر الذي يقترب منه بسرعة خرافية.
شعر سليم ببرودة قارسة تكتسح صدره، وكأن يداً خفية قبضت على قلبه واعتصرته بقوة، مما جعله يدفع بكل قوته في محاولة يائسة للتحرر من تلك الخيوط المظلمة. ومع اقتراب الوجه الدخاني منه لدرجة أنه شعر بأنفاسه الباردة تلامس جلده، انطلقت صرخة مكتومة من أعماقه هزت كيانه بالكامل. في تلك اللحظة الفاصلة بين العدم والوجود، انتفض جسده بقوة لدرجة أنه كاد يسقط من فوق فراشه، وفتح عينيه على وسعهما ليجد نفسه في غرفته المظلمة، يتصبب عرقاً غزيراً وقلبه يقرع صدره بعنف كطبل في ساحة معركة. ظل شاخصاً ببصره نحو سقف الغرفة، يحاول التمييز بين بقايا الحلم المرعب وواقع غرفته الهادئ، بينما كانت أنفاسه المتهدجة هي الصوت الوحيد الذي يكسر سكون الليل، تاركة إياه في حالة من الذهول والارتجاف، يتساءل إن كان قد استيقظ حقاً أم أن كابوساً آخر قد بدأ لتوه.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...