.
.
التحالف المسموم ولماذا ينام اليساري في فراش الإسلاموي وتفكيك الخيانة المعرفية لما بعد الحداثة
تمثل ظاهرة التحالف بين اليسار الراديكالي والتيارات الإسلاموية واحدة من أكثر المفارقات الفكرية إثارة للذهول في العصر الحديث، وهي الحالة التي باتت تُعرف في القاموس السياسي الفرنسي بمصطلح "Islamogauchisme" أو "اليسار الإسلاموي". إن هذا العناق الغريب بين قطبين يفترض منطقياً وتاريخياً أنهما على طرفي نقيض، حيث يمثل اليسار تاريخياً قيم العلمانية والمادية والصراع الطبقي وحرية الفرد، بينما يمثل التيار الإسلاموي قيم الغيبية والشمولية الدينية والخضوع للنص المقدّس، لا يمكن فهمه إلا بوصفه "تحالفاً مسموماً" قائماً على قاعدة نفعية تهدف إلى تدمير العدو المشترك المتمثل في "الغرب الليبرالي المادي". إنها خيانة معرفية كبرى ارتكبها يسار ما بعد الحداثة حين قرر التضحية بكل حمولته التنويرية من أجل كسب ود "الكتلة الإسلامية" الغوغائية، محولاً الصراع من صراع من أجل التقدم العلمي والمادي إلى صراع هوياتي بائس يشرعن للتخلف تحت عباءة "مقاومة الإمبريالية".
إن الجذور العميقة لهذا التحالف في الغرب تعود إلى صعود نظريات "ما بعد الاستعمار" وفلسفات "ما بعد الحداثة" التي بدأت تشكك في قيم التنوير العالمية وتعتبرها مجرد أدوات هيمنة غربية. في هذه البيئة الفكرية، لم يعد اليسار يرى في الإسلاموي عدواً رجعياً يضطهد المرأة ويقمع الحريات الشخصية، بل بدأ يراه "ضحية" للنظام العالمي الرأسمالي، وبوصفه "الآخر" المقموع الذي يجب دعمه في وجه المركزية الأوروبية. ومن هنا، تحول الإسلام السياسي من قوة ظلامية في نظر اليسار الكلاسيكي إلى "حليف ثوري" محتمل في نظر يسار ما بعد الحداثة. هذه القفزة البهلوانية في التفكير جعلت المثقف اليساري يغض الطرف عن أبشع الممارسات القروسطية التي يتبناها شركاؤه الجدد، طالما أن هؤلاء الشركاء يرفعون شعارات العداء لأمريكا والغرب، مما خلق حالة من التعامي الأخلاقي والمنطقي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفكر السياسي.
أما في الشرق، فقد اتخذ هذا التحالف شكلاً أكثر تدميراً، حيث تحول المثقف اليساري العربي إلى "مُبرر" و"مشرعن" للظلامية الدينية. لقد وجد اليساري المهزوم تاريخياً وسقوط مشروعه المادي والاشتراكي في "الكتلة الإسلامية" جسماً بشرياً ضخماً يمكن الركوب عليه للوصول إلى الجماهير. وبدلاً من أن يقود اليسار الجماهير نحو الوعي المادي والعلمي، قرر أن يتبعها نحو المساجد والساحات الغوغائية، متبنياً لغتهم ومفرداتهم. لقد أصبحت الشعارات اليسارية حول "العدالة الاجتماعية" و"التحرر" تُستخدم لتغطية المطالب الإسلاموية بـ "تحكيم الشريعة" أو "الخصوصية الثقافية". إنها عملية "تلوين" قذرة يتم فيها طلاء الأفكار الرجعية بألوان ثورية مخادعة، تهدف في النهاية إلى تحطيم بقايا الدولة المدنية والعقلانية في المجتمعات العربية لصالح كيانات شمولية لا تعترف بالفرد ولا بالمادة إلا بوصفهما أدوات في معركة "الله" ضد "الشيطان" الإمبريالي.
إن المصلحة المشتركة التي تجمع هؤلاء في "فراش واحد" هي الكراهية العميقة لليبرالية المادية التي تقوم على قدسية الفرد وحرية البحث العلمي وسيادة القانون الوضعي. فاليسار الراديكالي يرى في هذه الليبرالية تجسيداً لتوحش رأس المال، بينما يرى فيها الإسلاموي تجسيداً لـ "الجاهلية" والانحلال الديني. هذا "التقاطع في الأهداف" جعل الطرفين ينسقان جهودهما لتفكيك المؤسسات العقلانية التي بناها الفكر الغربي. فاليسار يستخدم أدواته في "التفكيك اللغوي" و"النقد الثقافي" لزعزعة الثقة في المنهج العلمي والحقيقة المادية، بينما يستخدم الإسلاموي هذه المساحة المفرغة ليملأها باليقينيات الغيبية والنصوص المقدسة. إنهم يعملون كفكي كماشة؛ أحدهما يهدم العقل والآخر يبني الخرافة، والنتيجة هي غرق المجتمعات في ضباب كثيف من اللاعقلانية التي تعطل أي إمكانية للنهوض المادي الحقيقي.
وتبرز الخيانة المعرفية في أبشع صورها عندما يتعلق الأمر بقيم المرأة والحريات الشخصية. فالمثقف اليساري الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول "الجندر" وحقوق الأقليات في الغرب، يتحول إلى كائن صامت أو مبرر عندما تُقمع المرأة في المجتمعات الإسلامية أو عندما يُرجم المثليون أو يُكفر المرتدون. إنه يبرر هذه الفظائع بذريعة "احترام الخصوصية الثقافية" أو "تجنب النظرة الاستعلائية الاستعمارية". هذه النسبوية الأخلاقية هي طعنة في قلب المادية التاريخية التي كانت تؤمن بأن التقدم الإنساني واحد وأن الحقوق لا تتجزأ. إن تضحية اليسار بالمرأة وتواطؤه مع الأنظمة والكيانات التي تعتبرها "عورة" هو وصمة عار لا تمحى، وتثبت أن هَمّ هذا اليسار ليس تحرير الإنسان، بل مجرد تسجيل نقاط سياسية ضد "العدو الغربي" حتى لو كان الثمن هو تسليم رقاب الملايين لسكاكين الكهنة.
إن يسار "ما بعد الحداثة" لم يعد يهتم بالواقع المادي وبالقوانين الفيزيائية والاقتصادية التي تحكم العالم، بل أصبح غارقاً في "الإنشاء اللغوي" وصراعات الهوية. هذا الانفصال عن المادة جعله ينجذب نحو "الإسلاموية" التي تمتلك أيضاً طابعاً "هوياتياً" قوياً. إنهم يشتركون في رفض "الحقيقة الموضوعية"؛ فاليساري يقول إن الحقيقة هي "إنتاج سلطوي"، والإسلاموي يقول إن الحقيقة هي "وحي إلهي". كلاهما يهرب من "المختبر" ومن "التوثيق الأركيولوجي" ومن "المنطق الصوري" ليحتمي في سرديات عاطفية تحرك الغرائز الغوغائية. ولذلك نجد التحالف بينهما يزدهر في الجامعات ومنابر التواصل الاجتماعي، حيث يتم تدوير الأكاذيب التاريخية وتلميع صور السفاحين طالما أنهم يخدمون السردية المشتركة المعادية للحداثة المادية.
علاوة على ذلك، فإن هذا التحالف يعتمد على عملية "غسيل دماغ" متبادلة؛ فالإسلاموي يستخدم مفاهيم "المظلومية" و"المقاومة" التي استعارها من الأدبيات اليسارية ليقدم نفسه كحركة تحرر عالمية، واليساري يستخدم "الكتلة البشرية" الإسلامية ليوهم نفسه بأنه لا يزال يمتلك قاعدة جماهيرية. لكن الحقيقة المادية تقول إن الإسلاموي في هذا التحالف هو "الطرف القوي" والمسيطر، لأنه يمتلك عقيدة صلبة وقاعدة غوغائية مستعدة للموت، بينما اليساري هو مجرد "مُحلل" أو "كومبارس" فكري يتم استخدامه لتجميل صورة القمع أمام الرأي العام العالمي. وبمجرد أن يصل الإسلاموي إلى السلطة أو يتمكن من المجتمع، يكون "اليساري" هو أول من يُعلق على المشانق أو يُلقى في غياهب السجون، كما حدث تاريخياً في الثورة الإيرانية، ولكن اليسار المعاصر يبدو أنه لم يتعلم شيئاً من التاريخ لأنه يفضل "لذة الكراهية" للغرب على "أمان المنطق" والمادية.
إن فضح هذا التحالف المسموم يتطلب العودة إلى المادية الصارمة التي لا تحابي أحداً. يجب القول بوضوح إن الخرافة الدينية هي عائق بنيوي أمام أي تقدم، وأن التحالف معها هو تحالف مع الموت والجمود. إن "الخيانة المعرفية" لليسار تكمن في أنه استبدل "العقل" بـ "العاطفة الهوياتية"، واستبدل "التحليل الطبقي المادي" بـ "التباكي الثقافي". إن الدفاع عن حقوق المرأة أو حرية الاعتقاد لا يمكن أن يخضع لـ "الخصوصية الثقافية"؛ فجسد المرأة وعقل الإنسان هما حقيقتان ماديتان عابرتان للثقافات، وأي أيديولوجيا تحاول قمع هما هي عدو للإنسانية يجب مواجهته لا التحالف معه. إن يسار ما بعد الحداثة، بصناعته لـ "درع أخلاقي" للإسلاموية، إنما يساهم في إطالة عمر الظلامية وتأخير لحظة المواجهة الحتمية بين العقل والخرافة.
كما أن هذا التحالف أدى إلى ظهور نمط من "المثقفين المرتزقة" الذين يتاجرون بقضايا الشرق من داخل مكاتبهم الفارهة في أوروبا. هؤلاء هم "أبناء إدوارد سعيد" الذين شوهوا فكرة النقد وحولوها إلى "منع للنقد". إنهم يمارسون "إرهاباً فكرياً" ضد كل من يحاول تعرية النفاق الإسلاموي، واصفين إياه بـ "الإسلاموفوبيا" أو "الاستشراق"، وهي مصطلحات أصبحت تُستخدم كـ "كمامات" لمنع الكلام العلمي الرصين. إن هؤلاء المثقفين هم جزء لا يتجزأ من الماكينة الدعائية للإسلام السياسي، وهم المسؤولون عن تضليل الأجيال الجديدة (جيل الـ Z وما بعده) وإقناعهم بأن "التحرر" يمر عبر التحالف مع أكثر القوى رجعية واضطهاداً في التاريخ المعاصر.
إن المادية التي نتبناها لا تعرف أنصاف الحلول؛ فإما علم ومنطق وقوانين تسري على الجميع، وإما غوغائية وخرافة تقودنا نحو الهاوية. والتحالف بين اليسار والإسلاموي هو محاولة يائسة لدمج "الزيت بالماء"، والنتيجة ليست سوى سائل عكر يسمم الحياة السياسية والثقافية. إن الهدف من هذا التشريح هو كشف زيف الروابط التي تجمع الطرفين، والتأكيد على أن "العدو المشترك" (الغرب الليبرالي) هو في الحقيقة المكان الوحيد الذي يسمح لهؤلاء بممارسة نفاقهم بحرية. ففي ظل قوانين المادة والحقيقة الصلبة، ينهار هذا التحالف لأنه لا يقوم على "بناء" بل على "هدم"، ولا يهدف لـ "إحياء" الإنسان بل لـ "تأبيد" تبعيته للأوهام الجماعية.
في الختام، يظل "التحالف المسموم" شاهداً على إفلاس اليسار المعاصر الذي فقد بوصلته المادية وتحول إلى مجرد "ظلال" للخرافة الدينية. إن النوم في فراش الإسلاموي لم يمنح اليساري القوة التي كان ينشدها، بل أصابه بـ "العجز المعرفي" وجعله شريكاً في كل الجرائم التي تُرتكب باسم المقدّس. إن الطريق نحو المستقبل يمر عبر ذبح هذه الأصنام المشتركة، والعودة إلى حقيقة أن الوجود المادي كافٍ بنفسه، وأننا لا نحتاج لـ "تحالفات قذرة" لكي نعيش بكرامة وعقلانية. إن الفشل في فك هذا الارتباط سيعني بقاء المجتمعات أسيرة لصراع وهمي بين إمبريالية غربية متخيلة وخرافة شرقية متوحشة، بينما الحقيقة تضيع بينهما في وادٍ من الإنشاء اللغوي والنفاق الأكاديمي الذي لا نفع منه ولا طائل تحته. إن اليقظة من هذا التحالف هي الخطوة الأولى نحو استعادة العقل لسيادته المادية المطلقة فوق كل نص وكل أيديولوجيا زائفة.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire