Translate

تحالف "الغربان": اليسار الراديكالي والإسلام السياسي في الجامعات الغربية (مقال)

.

.
تحالف "الغربان": اليسار الراديكالي والإسلام السياسي في الجامعات الغربية




تشهد المؤسسات الأكاديمية الغربية، وفي مقدمتها الجامعات الأمريكية العريقة، تحولاً بنيوياً خطيراً يتجاوز مجرد التعددية الفكرية ليصل إلى مرحلة "الاختراق الأيديولوجي" المنظم، وهو ما يمكن وصفه بتحالف "الغربان" بين اليسار الراديكالي وحركات الإسلام السياسي. إن هذا التحالف الذي يبدو في ظاهره متناقضاً، نظراً للاختلاف الجذري بين القيم الليبرالية اليسارية وبين التوجهات الثيوقراطية المتطرفة، يرتكز في الواقع على علاقة "طفيلية" متبادلة تتغذى على كراهية مشتركة للنموذج الحضاري الغربي، وقيمه القائمة على العقلانية، والديمقراطية، والتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. لقد تحول الحرم الجامعي من فضاء للبحث العلمي والتحليل النقدي إلى "مصنع" لغسيل الأدمغة وتشويه الحقائق التاريخية، حيث يتم إنتاج جيل من الخريجين المحملين بعقائد إقصائية مغلفة بلغة حقوق الإنسان ومناهضة الاستعمار، مما يشكل تهديداً وجودياً لمستقبل صنع القرار في الغرب وأمنه القومي والفكري.
تبدأ جذور هذه الأزمة من التغلغل المالي غير المسبوق لدول وكيانات داعمة للإرهاب والأيديولوجيات المتطرفة، مثل قطر وإيران، داخل المفاصل المالية للجامعات الكبرى. إن هذه التمويلات التي تقدر بالمليارات لا تأتي كمنح تعليمية مجردة، بل هي أدوات "قوة ناعمة" تهدف إلى شراء النفوذ الأكاديمي وتوجيه مسارات البحث العلمي. من خلال تمويل كراسي الأستاذية ومراكز دراسات الشرق الأوسط، تمكنت هذه القوى من زرع كوادر أكاديمية تتبنى سردية "المظلومية الإسلاموية" وتعمل على شيطنة الخصوم السياسيين لهذه الدول، وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة. إن استقلالية القرار الأكاديمي باتت اليوم رهينة لهذه التمويلات المشبوهة التي تفرض أجندات خفية تمنع نقد الفكر الإرهابي وتفتح الأبواب مشرعة أمام التبشير السياسي بالفكر الأصولي تحت ستار التعددية الثقافية. هذا التمويل لم يكتفِ بتوجيه الأبحاث، بل خلق بيئة طاردة لكل من يحاول كشف زيف هذه السرديات، مما حول الجامعة إلى "غرفة صدى" تكرر الأكاذيب وتمنحها صبغة علمية زائفة تضلل الطلاب والباحثين الشباب.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة "Woke Culture" أو ثقافة اليقظة الراديكالية كأداة تنفيذية تم تجنيدها ببراعة لحماية الإرهاب وتوفير غطاء أخلاقي له. لقد نجحت حركات الإسلام السياسي في استغلال مفاهيم اليسار حول "العدالة الاجتماعية" و"التقاطعية" و"مناهضة العنصرية" لدمج نفسها ضمن فئات "الأقليات المضطهدة". وهكذا، أصبح أي نقد للفكر الإرهابي أو للممارسات القمعية للجماعات الإسلاموية يُصنف فوراً كنوع من "الإسلاموفوبيا" أو "العنصرية". لقد تمكن هذا التحالف السام من فرض حالة من الإرهاب الفكري داخل الحرم الجامعي، حيث يُواجه الطلاب والأساتذة الذين يجرؤون على قول الحقيقة بـ "الإلغاء" والتشهير. إن المفارقة الكبرى تكمن في أن اليسار الراديكالي الذي يدعي الدفاع عن حقوق المرأة والمثليين والحريات الشخصية، يتحالف اليوم مع قوى (مثل حماس والنظام الإيراني) تمارس أبشع أنواع القمع ضدهم، والسبب الوحيد هو الاشتراك في "عدو" واحد هو المركزية الغربية واليهودية "المستعمرة".
إن أخطر ما ينتجه هذا المعمل الأكاديمي المشوه هو صناعة "الضحية المزيفة" وقلب الحقائق الوجودية في الصراعات المعاصرة. من خلال التلاعب بالمصطلحات التاريخية، يتم تصوير الإرهابي الذي يقتل ويختطف ويستخدم الدروع البشرية على أنه "مناضل من أجل الحرية" وضحية لظلم تاريخي، وذلك لمجرد انتمائه لهوية دينية أو عرقية معينة يتبناها اليسار كفئة محمية. في المقابل، يتم تجريد اليهودي الذي يدافع عن وجوده وشعبه من حقه في الدفاع عن النفس، ويُصور كـ "قاتل" و"مرتكب إبادة جماعية" و"مستعمر أبيض" غريب عن المنطقة. إن هذا التزييف الممنهج لا يعتمد على الوقائع الميدانية، بل على "بنية عرقية" مفترضة تضع العالم في صراع بين "مضطهدين" (بكسر الهاء) و"مضطهدين" (بفتحها) بناءً على معايير مشوهة. إن تصوير إسرائيل كرمز "للفاشية" هو قمة النجاح لهذه البروباغندا التي استطاعت مساواة الضحية التاريخية بالجلاد، مما يغذي موجة جديدة وعنيفة من العداء للسامية تحت عباءة "النشاط الحقوقي" الزائف.
هذا التلوث الفكري لا يتوقف عند حدود أسوار الجامعات، بل يمتد ليشكل خطراً مستقبلياً داهماً يتمثل في "الخلايا الفكرية النائمة" داخل مؤسسات صنع القرار الغربية. إن الطلاب الذين يتشربون هذه الأفكار المشوهة في أرقى الجامعات الأمريكية هم من سيقودون في المستقبل وزارات الخارجية، والمنظمات الدولية، والوسائل الإعلامية، والمؤسسات الحقوقية. هؤلاء الخريجون الذين يكرهون دولتهم (أمريكا) وحلفاءها (إسرائيل) ويرون في الإرهاب رد فعل مشروعاً، يمثلون "طابوراً خامساً" داخل بنية الدولة الغربية. إنهم قنابل موقوتة فكرية ستعمل على توجيه السياسات الخارجية والداخلية نحو إضعاف التحالفات الديمقراطية وتمكين القوى الراديكالية. عندما يصبح صانع القرار أو الصحفي أو القاضي مؤدلجاً بعقلية تبرر الإرهاب وتدين الدفاع عن النفس، فإن النظام الليبرالي الغربي يبدأ في عملية "انتحار حضاري" بطيء، حيث يتم تفكيك حصون الدولة من الداخل وبأيدي أبنائها الذين تم غسل أدمغتهم بتمويلات وأيديولوجيات أجنبية معادية.
إن استمرار هذا التحالف بين الغربان يتطلب مواجهة فكرية وقانونية صارمة، تبدأ من تجفيف منابع التمويل المشبوه الذي يفسد الذمة الأكاديمية، وصولاً إلى استعادة الجامعة كفضاء للعقل لا كمنصة للأدلجة. إن الدفاع عن الحقيقة التاريخية والسياسية لم يعد مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة أمنية وأخلاقية لحماية الأجيال القادمة من السقوط في فخ الكراهية المنظمة. إن العالم الحر يواجه اليوم تحدياً ليس عسكرياً فحسب، بل هو تحدي "الوعي"؛ فإذا لم يتم التصدي لهذا التغلغل الأيديولوجي في الجامعات، فإن الغرب سيجد نفسه في مواجهة جيل يرى في أعداء الحضارة أبطالاً، وفي حماة القيم الديمقراطية مجرمين، وهو ما يمثل ذروة النجاح للمشروع الإرهابي في حربه الكونية لتفكيك الغرب وإضعافه.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...