.
صمود الفينيق: تشريح الاستثناء الاقتصادي الإسرائيلي في مواجهة الهزات الجيوسياسية
تبدو القصة الاقتصادية الحديثة لدولة إسرائيل وكأنها مفارقة دائمة للمحللين الماليين في "حي المال" بلندن أو "وول ستريت". فكيف ينجح بلد لا يتجاوز عدد سكانه عشرة ملايين نسمة، وكان يفتقر إلى الموارد الطبيعية الكبرى حتى وقت قريب، ومنخرط بشكل دائم في صراعات عالية الكثافة، في إظهار صحة اقتصادية حديدية في الوقت الذي تعاني فيه القوى الأوروبية الكبرى من الركود؟ في ربيع عام 2026، تؤكد الأرقام الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء في القدس وتوقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اتجاهًا يتحدى القوانين الكلاسيكية للاقتصاد الكلي في زمن الحرب. فمع نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع أن يصل إلى 3.8% للسنة الجارية، لا تكتفي إسرائيل بمجرد "البقاء" في وجه الأزمة الأمنية التي اندلعت في أكتوبر 2023، بل تفرض نفسها كمحرك للنمو في العالم المتقدم، متجاوزة بفارق كبير متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتوقع عند 2.9% للفترة نفسها. ويعتمد هذا الحيوية المنقطعة النظير على هيكل اقتصادي فريد عالميًا، حيث يعمل الابتكار غير المادي كدرع ضد الاضطرابات المادية على أرض الواقع.
لفهم هذه الديناميكية، يجب مراقبة التحركات التكتونية لرأس المال الاستثماري التي هزت السوق في الربع الأول من عام 2026. إن استحواذ شركة "جوجل" العملاقة على درة تاج الأمن السيبراني شركة "ويز" (Wiz) بمبلغ فلكي قدره 32 مليار دولار، والذي تم الانتهاء منه في مارس الماضي، ليس مجرد أكبر عملية استحواذ في تاريخ قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، بل هو رسالة سياسية موجهة إلى الأسواق العالمية. وبعد بضعة أيام، جاء استحواذ شركة "بالو ألتو نيتوركس" على شركة "سايبر آرك" (CyberArk) مقابل 25 مليار دولار ليختم هذه الثقة. هذه "التخارجات" الضخمة لا تضخ سيولة فورية في خزائن الدولة عبر الضرائب على الأرباح الرأسمالية التي تقدر بمليارات الشواكل فحسب، بل تؤكد أن الأصول التكنولوجية الإسرائيلية تُعتبر ملاذات آمنة. وخلافًا لمصنع سيارات أو حقل نفط، فإن خوارزمية أمن سحابي تم تطويرها في تل أبيب لا تخشى الرشقات الصاروخية ولا الحصار البحري، فالشفرة المصدرية موجودة في كل مكان، والمهندسون حتى لو تم استدعاؤهم كجنود احتياط، يحافظون على استمرارية العمليات بفضل ثقافة عمل مرنة ولامركزية تم صقلها خلال سنوات الجائحة.
وتشكل السيطرة على التضخم الركيزة الثانية لهذا النجاح. فبينما كافحت أوروبا والولايات المتحدة بشق الأنفس لإعادة مؤشر الأسعار إلى ما دون عتبة 4%، استقرت إسرائيل عند مستوى 2.4% في بداية عام 2026، مع توقعات بالعودة إلى المستهدف وهو 2% في العام المقبل. هذه السيطرة هي ثمرة استقلال طاقي تم اكتسابه بصعوبة، فبفضل الاستغلال المكثف لحقول الغاز البحرية "ليفياثان" و"تمار" في البحر الأبيض المتوسط، أصبحت إسرائيل مصدرًا صافيًا للطاقة إلى مصر والأردن، مما عزلها عن صدمات النفط والغاز العالمية التي دمرت الموازين التجارية الأوروبية بعد غزو أوكرانيا. وتظل تكلفة الكهرباء للصناعة واحدة من أكثر التكاليف تنافسية في منطقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يوفر ميزة تنافسية هيكلية. وفي الوقت نفسه، عرف بنك إسرائيل، تحت قيادة محافظين يتبعون تقليديًا نهجًا صارمًا ومستقلًا، كيف يستخدم سلاح أسعار الفائدة بدقة جراحية، داعمًا الشيكل مقابل الدولار للحد من التضخم المستورد مع تجنب خنق سوق العقارات المحلي.
إن المقارنة مع دول متقدمة أخرى تبدو مذهلة. فإذا نظرنا إلى اليابان، التي تشارك إسرائيل في ندرة الموارد والتميز التكنولوجي، نجد أن الأرخبيل يعاني من ديموغرافيا متراجعة تثقل كاهل نموه المحتمل بنسبة تقل عن 1%. وفي المقابل، تسجل إسرائيل أعلى معدل خصوبة في العالم الغني، بنحو ثلاثة أطفال لكل امرأة. هذا الزخم الديموغرافي يخلق ضغطًا إيجابيًا مستمرًا على الطلب الداخلي. وفي عام 2025، قفز استهلاك الأسر الإسرائيلية بنسبة 4.5% رغم حالة عدم اليقين، مدفوعًا بشباب يستمر في الاستثمار والاستهلاك وتأسيس الشركات. وحيثما تؤدي الحرب الطويلة عادة إلى هجرة الأدمغة ورؤوس الأموال، تلاحظ إسرائيل ظاهرة صمود نفسي، إذ يبدو أن الشدائد تعزز الشهية لريادة الأعمال والمخاطرة، وهي سمة ثقافية غالبًا ما توصف بمصطلح "خوتسبا" (الجرأة).
أما قطاع الدفاع، فبدلاً من أن يكون مجرد ثقب مالي أسود، فإنه يعمل كحاضنة عملاقة للاقتصاد المدني. ففي عامي 2024 و2025، وصلت صادرات الدفاع إلى مستويات تاريخية، متجاوزة 14 مليار دولار. وأصبحت أنظمة مثل "القبة الحديدية" أو ليزر الدفاع من الجيل الجديد موضوع عقود كبرى مع دول أوروبية، من بينها ألمانيا عبر نظام "آرو 3". وهذه التقنيات، التي تم اختبارها في ظروف حقيقية، يتم تحويلها لاحقًا إلى تطبيقات مدنية، لا سيما في الذكاء الاصطناعي المطبق في مجال الصحة أو أنظمة الملاحة الذاتية. وفي حيفا كما في بئر السبع، لا تفرغ المجمعات التكنولوجية من روادها، وتستمر مراكز البحث والتطوير التابعة لشركات متعددة الجنسيات مثل إنتل ومايكروسوفت وإنفيديا في التوسع. فعلى سبيل المثال، توظف شركة "إنفيديا" الآن أكثر من 4000 شخص في إسرائيل، مما يجعل البلاد أكبر مركز أبحاث لها خارج الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا ينبغي لهذا النموذج "التكنولوجي الفائق" أن يحجب التحديات الهيكلية. فالبلاد تعيش اقتصادًا بسرعتين؛ فمن ناحية، هناك نخبة تكنولوجية مرتبطة عالميًا تتجاوز رواتبها المتوسطة 32 ألف شيكل شهريًا، ومن ناحية أخرى، هناك قطاعات تقليدية تكافح لمواكبة الوتيرة. وتظل الفوارق الاجتماعية نقطة سوداء، حيث تغلبت تكلفة المعيشة في تل أبيب على تكاليف المعيشة في زيورخ أو نيويورك. كما يجب على الحكومة التعامل مع عجز الميزانية الذي ارتفع إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 بسبب تكاليف الحرب، قبل أن يبدأ في تراجع بطيء في عام 2026 بفضل الإيرادات الاستثنائية من "التخارجات" المذكورة سابقًا. وتعتمد استراتيجية الخروج من الأزمة على رهان جريء: استخدام التفوق التكنولوجي لتعويض خسائر الإنتاج الزراعي والسياحي في المناطق الحدودية في الشمال والجنوب.
في الختام، يعد الاقتصاد الإسرائيلي في عام 2026 دليلاً على أن الأمة يمكن أن تحول انعدام الأمن المزمن إلى محرك للتخصص. فمن خلال جعل نفسها لا غنى عنها في القطاعات الأكثر حرجًا في الاقتصاد العالمي للقرن الحادي والعشرين — الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وطاقة الغاز — بنحت إسرائيل قلعة مالية تبدو حتى الآن غير قابلة للاختراق. وإذا تأكد نمو بنسبة 3.8%، فقد يختتم البلد هذا العقد بناتج محلي إجمالي للفرد يتجاوز ناتج عدة قوى في مجموعة السبع، مكملاً بذلك تحوله من اقتصاد زراعي رائد إلى قوة تكنولوجية مهيمنة، قادرة على تمويل قدرها العسكري دون التضحية بازدهارها المدني. وتؤكد مذكرة "كيرين أوزييل" لوحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة "إيكونوميست" هذه الحقيقة الباردة ولكن غير القابلة للجدل: في النظام العالمي الجديد، لم تعد قوة الاقتصاد تُقاس بهدوء الحدود، بل بحصانة البيانات وحيوية رأس المال البشري.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire