.
معضلة الشر: خرافة الإرادة الحرة في مواجهة الحتمية البيولوجية وعذابات الطفولة
يمثل مفهوم الإرادة الحرة واحداً من المقترحات الدفاعية الأكثر شيوعاً في أدبيات اللاهوت التوحيدي، حيث يتم استدعاؤه كأداة رئيسية لرفع المسؤولية الأخلاقية والوجودية عن الخالق وإلقائها بالكامل على عاتق المخلوق. تزعم هذه الأطروحة أن الإله، في خطته الكونية، آثر خلق كائنات حرة تملك القدرة على الاختيار بين الخير والشر بدلاً من خلق كائنات مسيرة آلية، وذلك لإضفاء قيمة أخلاقية ومعيارية حقيقية على أفعال البشر وتبرير منظومة الثواب والعقاب اللاحقة في العالم الآخر. وبناءً على هذا التصور، يحاول المدافعون تفسير شتى أنواع الفظائع الإنسانية والحروب والمجازر والظلم الاجتماعي بوصفها نتاجاً طبيعياً لسوء استخدام الإنسان لهذه الهبة الحرة، معتبرين أن الألم الناتج عن هذه الأفعال هو ثمن ضروري للحفاظ على حرية الإرادة الإنسانية التي بدونها يفقد الوجود معناه الأخلاقي. إلا أن هذا التبرير، ورغم جاذبيته السطحية لبعض العقول، يتهاوى تماماً ويتحول إلى سفسطة لغوية فارغة وخرافة منفصلة عن الواقع بمجرد وضعه في مواجهة التجربة الحية والبديهية العارية لعذابات الأطفال والرضع الذين يولدون مثقلين بالأمراض المستعصية والتشوهات البيولوجية القاتلة.
إن أولى الضربات المنطقية الكبرى التي تسحق حجة الإرادة الحرة في هذا السياق تكمن في غياب الرابط السببي والشرط العقلاني الأساسي لتطبيق مفهوم الحرية والأخلاق، وهو وجود الأهلية والوعي والقدرة على الاختيار لدى الكائن المتألم. فالطفل الحديث الولادة، أو الجنين في رحم أمه، لا يملك أدنى مقومات الوعي البشري، ولم يمر بأي تجربة معرفية، ولا يستطيع التمييز بين يمينه وشماله، فضلاً عن الاختيار بين الفضيلة والرذيلة. عندما يولد هذا الطفل مصاباً بسرطان الدم أو بنقص المناعة المكتسب نتيجة انتقال الفيروس إليه وراثياً، أو بمرض الفقاع الجلدي الذي يجعل جلده يتساقط ويتفحم عند أي تلامس بسيط، فإننا نكون أمام معاناة حية وعنيفة تصيب كائناً حيّاً بريئاً بشكل مطلق من الناحية الأخلاقية. هنا يسقط مفهوم الإرادة الحرة كآلية تفسيرية؛ إذ لا يمكن بأي شكل من أشكال المنطق السليم الادعاء بأن هذا الرضيع قد أساء استخدام حريته، أو أنه اختار لنفسه هذا المسار المؤلم، مما يجعل إقحام فكرة الحرية الإنسانية في هذا السياق نوعاً من المغالطة الفجة التي تخلط عن عمد بين سياقين مختلفين تماماً من الوجود.
هذا الخلط العمدي يتجلى في عجز اللاهوتيين عن التمييز المعرفي والبيولوجي بين الشر الأخلاقي الذي يتسبب فيه البشر نتيجة أفعالهم، وبين الشر الطبيعي أو البيولوجي الذي يعمل كآلية صماء ضمن قوانين المادة والطبيعة. إن الحروب والجرائم والسرقات يمكن نقاشها ضمن إطار السلوك البشري وحرية الاختيار كفرضية فلسفية، ولكن التشوهات الخلقية، والطفرات الجينية العشوائية، والأورام الخبيثة، والزلازل والمجاعات، هي ظواهر بيولوجية وفيزيائية بحتة تخضع لقوانين الطبيعة الكيميائية والفيزيائية، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالقرارات الأخلاقية للإنسان. إن الخلايا السرطانية حين تنقسم بعشوائية لتلتهم عظام طفل صغير لا تأخذ إذنًا من إرادته الحرة، والجينات الطافرة التي تحرم جنيناً من تشكيل أطرافه أو رئتيه تعمل وفق آليات كيميائية حتمية وصارمة وضعت في صلب نظام الطبيعة، وبالتالي فإن محاولة تفسير هذه الكوارث البيولوجية بتصرفات البشر الأخلاقية هي محاولة بدائية تشبه فكر الإنسان القديم الذي كان يربط بين حدوث الخسوف والكسوف وبين غضب الحاكم أو ذنوب الرعية.
عندما يصطدم المدافعون عن المنظومات التوحيدية بهذا المأزق المستعصي، ويمتنع عليهم استخدام شماعة الإرادة الحرة لتفسير عذاب الرضع، يلجأون فوراً إلى استدعاء ترقيعات لاهوتية بديلة تزيد من تهافت موقفهم وتكشف عن عمق المأزق الأخلاقي والإنساني الذي يتخبطون فيه. ومن أبرز هذه الترقيعات الفاشلة هي حجة تأثيم الوالدين أو جعل الطفل أداة لاختبار وابتلاء المحيطين به. يزعم هذا الطرح أن مرض الطفل وتشوهه قد يكون عقاباً للأبوين على ذنوب ارتكباها، أو امتحاناً لصبرهما ليرتفعا درجات في الملكوت الغيبي. إن هذا التصور يمثل سحقاً كاملاً لكل معايير العدالة والبديهيات الأخلاقية التي يتبجح اللاهوت بحمايتها، إذ كيف يمكن لكائن يصف نفسه بالعدل المطلق والرحمة الواسعة أن يعاقب كائناً حياً بريئاً ومستقلاً بجعله حقل تجارب أو أداة تعذيب لتربية أو معاقبة شخص آخر؟ إن تحويل جسد الرضيع المتألم وعذابه اليومي إلى مجرد وسيلة تعليمية أو سوط عقاب للأبوين يجرّد الخالق من أي قيمة أخلاقية ويظهره بمظهر الكائن السادي الذي لا يتورع عن استخدام أبشع الوسائل لتحقيق غاياته.
التبرير الآخر الذي يهرب إليه الفكر الإيماني عند انسداد أفق الإرادة الحرة هو وعد التعويض الأُخروي والمقايضة الغيبية، حيث يقال إن هؤلاء الأطفال الذين عانوا في الدنيا دون ذنب سيتم إدخالهم الجنة والتعويض عليهم بسعادة أبدية تنسيهم كل ما مروا به من آلام. النقد الفلسفي الصارم يرى في هذا المنطق مغالطة أخلاقية فادحة تحاول جعل الغاية تبرر الوسيلة بشكل قبيح. فإذا كان الإله كلي القدرة والرحمة، فلماذا يحتاج أصلاً إلى تمرير هذا الكائن البريء في جحيم بيولوجي ومسار من العذاب الجسدي والنفسي لكي يمنحه السعادة لاحقاً؟ إن هذا المنطق يشبه تماماً سلوك شخص يقوم بكسر عظام طفل بريء عمداً وتعذيبه لعدة أيام في غرفة مغلقة، ثم يقوم بعد ذلك بتقدير ثمن الآلام بمنحه كمية كبيرة من الحلوى والألعاب معتقداً أن هذا التعويض يمحو الجريمة الأولى أو يبررها. إن القدرة المطلقة تعني الاستغناء الكامل عن الوسائل المؤلمة، وإذا كان التعويض هو الحل الوحيد، فإن هذا يثبت إما أن الخالق عاجز عن إسعاد الكائن دون تعذيبه أولاً، أو أنه يجد متعة في رؤية مراحل العذاب الجسدي قبل منح المكافأة.
تتضح خرافة الإرادة الحرة أيضاً عند تحليل مفهوم الخلق والعلم الأزلي المحيط بكل شيء، وهو الطرح الذي يقوض الحرية الإنسانية من أساسها حتى في سياق الأفعال الأخلاقية للبشر البالغين. فالمنظومة التوحيدية تقر بأن الإله يعلم علماً مطلقاً وقاطعاً بكل ما سيفعله أي إنسان قبل أن يخلقه بمليارات السنين، وأن هذا العلم مسجل في لوح محفوظ لا يقبل التغيير أو التعديل. فإذا كان الخالق يعلم مسبقاً وبشكل قاطع أن شخصاً معيناً سيولد في زمن ما وسيختار الشر ويرتكب المجازر ويعذب الآخرين، وأن هذا المسار حتمي لا مفر منه لأن علم الإله لا يمكن أن يخطئ، ف أين هي الحرية المزعومة؟ إن العبد في هذه الحالة ليس حراً بل هو ممثل ينفذ سيناريو مكتوب بدقة أزلية لا يملك الخروج عنه، وخلقه في ظل هذا العلم المسبق مع توفير البيئة التي تدفعه لتنفيذ السيناريو يجعله مجرد أداة مسيرة، ويجعل الخالق هو المسؤول الأول والمباشر عن الشرور التي يرتكبها هذا العبد، مما يسقط حجة الإرادة الحرة تماماً ويحولها إلى لعبة خداع لفظي.
إن التمسك الأعمى بحجة الإرادة الحرة وتكرارها كالببغاوات في مواجهة واقع المعاناة البيولوجية للأطفال يثبت أن اللاهوت الدفاعي ليس مدفوعاً بالبحث عن الحقيقة أو الانسجام مع الواقع، بل هو مدفوع برغبة نرجسية لحماية النص المقدس والأصنام الميتافيزيقية حتى لو كان الثمن هو تزييف البديهيات العقلية وسحق المشاعر الإنسانية. إن هذا الإصرار يكشف عن نوع من الانفصال المعرفي؛ حيث يفضل المؤمن بالخرافة إغلاق عينيه عن صرخات الأطفال في مستشفيات السرطان وعن تشوهات الأجنة في الأرحام، لكي يظل محتفظاً بوهمه الجميل عن إله طيب يرعى الكون بعنايته ويمنح البشر حرية الاختيار. إن مواجهة الواقع بنزاهة فكرية وعلمية تقتضي منا إسقاط هذه التبريرات السخيفة والاعتراف بأن الطبيعة تعمل بآلية مادية صماء لا تميز بين طفل وبالغ، وأن الأمراض والتشوهات هي نتاج خلل في التفاعلات الكيميائية والبيولوجية وليس نتيجة خطايا أخلاقية أو إرادات حرة مزعومة.
وفي نهاية المطاف، يتبين أن حجة الإرادة الحرة لا تصلح حتى كضمادة لغوية مؤقتة لجرح معضلة الشر النازف. إنها مجرد وهم اخترعه الفكر الديني ليتملص من المسؤولية المعرفية وليحمي التصور التوحيدي من الانهيار الذاتي تحت وطأة التناقضات. إن الطفل المولود دون أطراف أو المصاب بمرض وراثي قاتل هو حقيقة موضوعية صارخة تصرخ في وجه كل من يحاول تبرير الألم بالحرية، وتثبت أن المنظومة التبريرية للأديان التوحيدية ليست سوى بناء من القش يتهاوى أمام أول نسمة من الواقع البيولوجي، لتظل المعاناة الإنسانية شاهداً دائماً على حياد الكون وماديته الصرفة وعقم المحاولات الميتافيزيقية الساعية لإلباس الطبيعة القاسية ثوب الرحمة الزائف.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire