.
تفكيك "الفتح": صعود الإمبراطورية العربية من صمت الآثار إلى أيديولوجيا الخراج
تبدأ دراسة التاريخ المبكر للشرق الأدنى من مأزق معرفي معقد، حيث تفرض السردية اللاهوتية الكلاسيكية طوقاً من المرويات الشفهية المتأخرة التي جرى تدوينها في العصر العباسي، لتصوّر حركة التوسع العربي في القرن السابع الميلادي كحدث غيبي محض، انبثق من وادٍ قاحل معزول في جنوب الحجاز يُدعى مكة، مدفوعاً برغبة روحية مجردة لإنقاذ البشرية وإخراج العباد من عبادة العباد. غير أن النقد العلمي المعاصر، بمزاوجته الصارمة بين أدوات المادية التاريخية وحقائق الأركيولوجيا والنميات، يثبت وجود فجوة معرفية هائلة بين صورتين: صورة الماضي كما تخيلته وصاغته النخب الإمبراطورية المتأخرة لتبرير سلطانها، وصورة الماضي كما ترويها الشواهد المادية المعاصرة للأحداث. إن قراءة هذا التحول الجيوسياسي العاصف تقتضي التخلي عن السردية التقليدية نقدياً، ليس فقط لإثبات الدوافع الاقتصادية والديموغرافية الكامنة وراء حركة الجيوش، بل لتفكيك جغرافية المنطلق ومؤسسات التأسيس ذاتها. يبرز هذا التحليل كيف جرى "تخليق" ماضٍ تجاري باذخ وثقل روحي لمركز جغرافي متخيل بأثر رجعي، للتغطية على حقيقة أن التوسع كان هجرة سكانية مسلحة وغزواً اقتصادياً كلاسيكياً خاضته قبائل الأطراف هرباً من الجفاف، قبل أن تقوم الدولة المروانية والعباسية بصناعة "أيديولوجيا الفتح" وتوطينها في جغرافيا مقدسة لتسيير منظومة ريعية ضخمة قائمة على الجباية، والخراج، والاسترقاق.
تتأسس نقطة البدء في هذا التفكيك الجذري من استنطاق صمت الأرض، وهو الصمت الأركيولوجي المطبق الذي ينسف فرضية مكة كمركز تجاري وديني عالمي قبل الإسلام. لو كانت مكة كما تصفها كتب السير والطبقات عاصمة اقتصادية تدير "إيلافاً" وشبكة معاهدات دولية، وتقود قوافل تضم آلاف الجمال المحملة بالذهب والحرير والتوابل في رحلتي الشتاء والصيف بين اليمن والشام، لترك هذا النشاط المالي الهائل أثراً مادياً لا يقبل الجدل في السجلات الضريبية البيزنطية، أو في مراسلات الأديرة المسيحية بالسريانية واليونانية، أو في نقوش المسند الصخرية المنتشرة بكثافة في جنوب الجزيرة وشمالها. غير أن واقع التنقيب والنقد الوثائقي يكشف أنه لا يوجد نقش واحد، أو عملة، أو خارطة جغرافيّة صُنعت قبل منتصف القرن السابع الميلادي تذكر مكاناً يُدعى مكة. الجغرافيون الرومان والبيزنطيون الذين مسحوا شبه الجزيرة بدقة ووصفوا واحاتها وقراها بالتفصيل (مثل تيماء، وددان، ويثرب، وخيبر) لم يسمعوا قط بـ "أم القرى"، مما يثبت مادياً أن مكة الحالية في جنوب الحجاز كانت إما غير موجودة أصلاً، أو مجرد مستوطنة رعوية محلية بالغة الصغر والبدائية، معزولة تماماً عن مسارات السياسة والتجارة الدولية.
هذا الغياب الأركيولوجي يقودنا مباشرة إلى تفكيك أسطورة "تجارة القوافل الدولية لقرش"، وهي الأسطورة التي تنهار جغرافياً واقتصادياً بمجرد إخضاعها لمنطق السوق القديم. تقع مكة في وادٍ جاف شديد الوعورة، بعيداً عن الموانئ الطبيعية للبحر الأحمر، وخارج المسار اللوجستي الطبيعي لطريق اللبان القديم الذي كان يربط نجران بالطائف ثم يلتف شرقاً نحو الواحات الشمالية تتبعاً لمصادر المياه. لم يكن هناك أي منطق اقتصادي يجعل التجار ينحدرون بقوافلهم لعمق وادٍ صخري قاحل كمكة ثم يصعدون منه مجدداً، مما يرفع كلفة النقل والمخاطرة دون أي عائد مادي. علاوة على ذلك، فإن تجارة التوابل والحرير الآسيوية في القرن السادس الميلادي كانت قد تحولت بالكامل إلى الطرق البحرية المسيطر عليها من قبل السفن البيزنطية والساسانية والأكسومية عبر البحر الأحمر والخليج العربي، ولم يكن للصحراء وقوافل الجمال أي قدرة على منافسة الشحن البحري كلفةً وسرعةً. من هنا، يتضح أن "رحلة الشتاء والصيف" بالصورة الإمبراطورية الضخمة الموصوفة في التراث هي وهم سوسيو-اقتصادي جرى اختراعه لاحقاً لمنح الأرستقراطية الحاكمة في دمشق وبغداد عراقة طبقية ممتدة.
إذا كانت مكة التجارية مجرد بناء نصي متأخر، فمن أين انطلقت حركة التوسع العربي وما هي دوافعها المادية الحقيقية؟ تُظهر المعطيات المناخية والجيولوجية الحديثة أن شبه جزيرة العرب شهدت في أواخر القرن السادس الميلادي موجة جفاف حادة وانخفاضاً في معدلات المطر، مما أدى إلى تصحر المراعي وتدمير البنى الزراعية الهشة في الواحات وأطراف اليمن. هذا التغير البيئي القاسي وضع المجموعات البشرية العربية، وخاصة قبائل الأطراف المنتشرة في شمال الجزيرة وجنوب الشام وبادية العراق، أمام مأزق بيولوجي وجودي. في هذه البيئة الطاردة، لم يكن الاندفاع نحو الخارج بحاجة إلى معجزة ميتافيزيقية، بل كان استجابة حتمية وقسرية لقوانين البقاء؛ هجرة سكانية ديموغرافية مسلحة نحو الهلال الخصيب بحثاً عن الكيل والموارد والنجاة من الموت جوعاً. لم تكن هذه الجيوش تتحرك وفق خطة لاهوتية لنشر دين لم تتبلور حدوده التشريعية بعد، بل كانت حركتها تطوراً طبيعياً لغارات البدو التقليدية، لكنها اكتسبت هذه المرة زخماً استثنائياً بسبب الانهيار المادي التام للإمبراطوريات العظمى المحيطة بها.
لقد خرجت الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية من حرب ضروس دامت لأكثر من ربع قرن، أسفرت عن إنهاك عسكري واقتصادي واجتماعي شامل لكلا الطرفين. كانت المدن والمزارع في الشام ومصر والعراق ترزح تحت وطأة ضرائب استثنائية وباهظة فرضتها العواصم (القسطنطينية والمدائن) لسد عجز الخزائن وتمويل الجيوش المنهكة، مما خلق فجوة طبقية وسخطاً اجتماعياً عارماً لدى الطبقات الفلاحية المسحوقة وسكان الحواضر، وتحديداً الطوائف المسيحية المحلية (كالأقباط والسريان) التي كانت تعرضت لاضطهاد عقائدي منظم من الكنيسة الملكانية المركزية. في هذا السياق الجيوسياسي المتداعي، لم تواجه القبائل العربية الزاحفة جيوشاً عقائدية صلبة، بل واجهت حاميات عسكرية من المرتزقة المفلسين ونظاماً إقطاعياً منهاراً اجتماعياً. لم يكن تحرك العرب فتحاً دينياً بمقدار ما كان عملية "ملء فراغ سياسي وعسكري" في رقعة جغرافية غنية بفوائضها الزراعية والاقتصادية، حيث استبدل السكان المحليون جباة الضرائب الروم والفرس بجباة جدد ناطقين بالعربية، دون أن يشعروا في العقود الأولى بأي قطيعة لاهوتية كبرى.
تتجلى الحقيقة المادية لهذه الفتح المبكر في صمت البرديات المصرية والمسكوكات الأموية الأولى عن الهوية الإسلامية المعيارية. إن البرديات الإدارية المكتوبة باليونانية والقبطية المعاصرة لزمن دخول العرب إلى مصر لا تذكر شيئاً عن "الإسلام" أو "القرآن" أو "نبي صاحب شريعة جديدة"، بل تصف الفاتحين بمصطلحات عرقية وجغرافية مثل "الهاجريين" أو "الإسماعيليين" أو "العرب"، وتركز الوثائق بكاملها على تفاصيل مادية بحتة: كميات القمح المصادرة، جباية الأموال، ونظام السخرة لتمويل المقاتلين. وعلى مستوى النميات، فإن العملات الصادرة في عهد الخلفاء الأوائل، بما في ذلك معاوية بن أبي سفيان، ظلت تحمل صور الأباطرة الأكاسرة والروم مع الصليب المسيحي والرموز الساسانية، مع إضافة كلمات بروتوكولية صغيرة مثل "بسم الله"، مما يثبت أن الدولة الناشئة كانت تدير إمبراطورية فضفاضة وغير متمايزة عقائدياً عن محيطها التوحيدي العام، وأن أولويتها القصوى كانت الاستقرار المالي وجباية الخراج وإدارة الدواوين عبر البنى البيروقراطية القائمة، وليست الهداية الدينية للشعوب المغلوبة.
هنا يبرز السؤال الجوهري والمحوري: إذا كان المنطلق حركة هجرة وغزو اقتصادي خاضتها قبائل الأطراف، فلماذا اخترعت كتب التراث لاحقاً سردية مكة التجارية، وجعلت من الفتوحات ملحمة لاهوتية لنشر الدين؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن كواليس "الهندسة الأيديولوجية والطبقية" التي قادتها الدولة العربية بعد استقرارها كإمبراطورية مركزية عظمى، وتحديداً في العهدين المرواني والعباسي. مع تولّي عبد الملك بن مروان الحكم وإنهاء الحروب الأهلية (الفتنة الثانية)، واجهت السلطة الأموية مأزق المشروعية السياسية؛ فالدولة أصبحت تحكم شعوباً ذات تقاليد حضارية وتدوينية وورع لاهوتي عريق، ولم يعد ممكناً الاستمرار في حكم هذه الملايين بالاعتماد على الشرعية العسكرية أو القبلية الجافة لـ "أمير المؤمنين". كانت الإمبراطورية بحاجة ماسة إلى "أيديولوجيا دولة مغلقة" تمنحها التمايز والسيادة المعرفية والسياسية أمام الروم، وتبرر بقاء الثروة والسلطة في أيدي النخبة العربية الحاكمة.
في هذه اللحظة التاريخية المادية، اشتغلت آلة التدوين الرسمي لإنتاج وصياغة "ماضٍ مقدس متخيل" يخدم مصالح الحاضر الإمبراطوري، وجرت عملية إعادة هندسة شاملة للذاكرة الجمعية عبر آليتين بنيويتين:
الآلية الأولى هي **التوطين الجغرافي للمقدس**؛ حيث جرى نقل رمزية التأسيس التوحيدي من مناطق التداخل الشمالية في جنوب الشام وأطراف الحجاز (حيث نشأت الحركة فعلياً وتفاعلت مع التراث اليهودي-المسيحي) إلى بقعة جغرافية أعمق وأكثر انعزالاً وأماناً عسكرياً وسياسياً وهي مكة الحالية في جنوب الحجاز. هذا التسييج الميتافيزيقي للمكان حوّل بئر ماء جيولوجية عادية وجبالاً صخرية صماء إلى مراكز كونية موصولة بالسماء، مما سمح بصناعة عاصمة روحية حصرية للعرب تنافس القدس والقسطنطينية وتتحول إلى وعاء ضخم لاستقطاب الرساميل والأموال عبر طقوس الحج والزيارة والنذور، محولة "الجغرافيا المقدسة" إلى رافد ريعي وروحي لا ينضب لتعزيز شرعية الحاكم الذي يلقب نفسه بـ "حامي الحرمين".
الآلية الثانية هي **الاخترع الأرستقراطي للنسب والطبقة**؛ فالعرب الذين أصبحوا ملوكاً وأصحاب قصور وضياع شاسعة في دمشق وبغداد والفسطاط لم يكن بإمكانهم قبول الحقيقة الأنثروبولوجية التي تقول إن أجدادهم كانوا مجرد رُعاة بدو فقراء أو قبائل أطراف جائعة اندفعت خارج الصحراء بسبب قحط المناخ. لكي تكتمل المشروعية الطبقية والسياسية، كان لا بد من صياغة ماضٍ تظهر فيه النخبة القرشية الحاكمة بوصفها سليلة "أرستقراطية مالية وتجارية دولية عريقة" (صاحبة رحلة الشتاء والصيف والإيلاف والسيادة العالمية المسبقة)، وبذلك يظهر استيلاؤهم على خراج الإمبراطوريات وذهبها كتحصيل حاصل ووراثة طبيعية لنخبة تجارية كانت مهيأة ومؤهلة لقيادة العالم، وليس كغزو عسكري عشوائي فرضته ظروف البيئة وجوع البدو.
من خلال هذه الهندسة الأيديولوجية، جرى تحوير وتفسير كافة آليات الاستغلال الاقتصادي والنظام الطبقي الذي فرضه التوسع العربي بلغة لاهوتية تسوغ استمراره؛ فنظام الجباية المادي الصارم تحول في نصوص الفقه المتأخرة إلى "خراج وجزية" مقرونة بشروط الإذلال العقائدي للمغلوبين (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، وأصبح كدح المزارعين السريان والأقباط والفرس في أراضيهم بمثابة "ريع إلهي" خالص أفاءه الله على طبقة المقاتلين العرب الفاتحين الذين تفرغوا للحرب وصيانة الثغور. هذا الفصل الطبقي الحاد أنتج بنية اجتماعية طفيلية تعيش على فائض القيمة والمجهود المادي للشعوب المغلوبة، حيث تحولت الأمة الفاتحة إلى أرستقراطية عسكرية ومالية معفاة من الإنتاج المباشر، وتتلقى عوائد "العطاء" بانتظام من دواوين الدولة بناءً على مرتبتها القبلية وسابقتها في الغزو والنهب المنظم.
بالتوازي مع الجباية النقدية، شكّلت العبودية واسترقاق الأسرى الرافد المادي الثاني والأكثر بشاعة في منظومة الاقتصاد الإمبراطوري الناشئ؛ فالحملات العسكرية المستمرة التي كانت تسمى فتوحات لم تكن سوى حملات منظمة لاصطياد العمالة البشرية المجانية، حيث ضُخت ملايين الأجساد المستعبدة من النساء والأطفال والرجال من أصقاع الأرض المفتوحة إلى أسواق النخاسة في الحواضر الجديدة كالكوفة والبصرة والفسطاط ودمشق. تحول هؤلاء العبيد والموالي إلى قوة عمل أساسية حركت مفاصل الاقتصاد الإمبراطوري؛ فمنهم من استُخدم في استصلاح الأراضي الزراعية الشاسعة وحفر قنوات الري لصالح الأمراء والأمويين في جنوب العراق (أراضي السواد) مما خلق طبقة من البروليتاريا المستعبدة والمسحوقة مادياً، ومنهم من أدار الحرف والتجارة والخدمة المنزلية لرعاية رفاهية النخبة الحاكمة وبذخها. هذا التدفق الهائل للعمالة المجانية والسبايا هو الذي صنع الثراء الفلكي الموصوف في التراث، وهو ثراء مادي ناتج عن القهر والاستغلال الطبقي المنظم، جرى تغليفه بأثر رجعي بهالات من البركة والزهد والرضا الإلهي.
إن قراءة الصراعات والحروب الأهلية المبكرة (كالفتنة الأولى والثانية) تحت هذا المجهر المادي والأركيولوجي تكشف بوضوح أن المحرك الحقيقي للأحداث لم يكن خلافاً حول قيم دينية أو تفسيرات نصية، بل كان صراعاً طبقياً عنيفاً ومباشراً بين أجنحة النخبة الفاتحة على صلاحيات التحكم في هذا الريع الجبار وفي كيفية توزيع فوائض ثروات الخراج بين المركز والأطراف. فعندما تحصن معاوية بن أبي سفيان بالشام، كان يعبر عن مصالح الأرستقراطية الأموية الناشئة التي رأت في خراج الشام المفتوح بستاناً خاصاً بها وترفض إرسال الفوائض إلى الكوفة أو المدينة، وعندما ثار ابن الزبير في الحجاز، كان يحاول استعادة مركزية السيادة المالية والروحية لصالح بيوتات مكة والمدينة القديمة التي سُحب البساط الاقتصادي والسياسي من تحت أقدامها لصالح دمشق. هذا التناحر الدموي الذي حُسم بالحديد والنار والمنجنيق يثبت أن الآلة العسكرية للدولة كانت تتحرك بدوافع سلطوية ومادية بحتة، وأن الشعارات اللاهوتية كانت تُرفع وتُصاغ كأدوات لتعبئة الحشود البدوية المستعدة للقتال مقابل الحصول على حصة من الغنائم والأموال.
ولم تقف الشعوب المغلوبة مكتوفة الأيدي أمام هذه المنظومة الاستغلالية التي جردتها من استقلالها الاقتصادي والمادي؛ فالأدلة التاريخية المعاصرة تسجل اندلاع ثورات وانتفاضات اقتصادية واجتماعية مسلحة خاضها السكان الأصليون ضد عسف جباة الضرائب العرب. من أشهر هذه الحركات ثورات البشموريين الأقباط في دلتا مصر، الذين انتفضوا مراراً ضد ثقل الجباية والمصادرات العقارية الأموية والعباسية، واضطرت السلطة الإمبراطورية في عهد المأمون إلى قيادة حملة عسكرية دموية لسحقهم وتدمير قراهم واسترقاق نسائهم. كما شهدت هضاب فارس وأذربيجان ثورات وحركات فلاحية واجتماعية (كحركة بابك الخرمي وغيرها) حاولت تفكيك الهيمنة الاقتصادية للعرب واسترداد السيطرة على وسائل الإنتاج والأرض المعربة. هذه المقاومة الشعبية المستمرة من الشعوب المفتوحة تدحض تماماً الفرع اللاهوتي الذي يزعم أن تلك البلاد دخلت في الدين الجديد طواعية ورأت في الفاتحين محررين روحيين، بل تؤكد أن العلاقة كانت علاقة قهر إمبراطوري واستنزاف مادي منظم، جرت مقاومته بكافة الوسائل المتاحة حتى تمكنت السلطة من تذويب هويات تلك الشعوب عبر التعريب القسري أو الأسلمة البطيئة المرتبطة بالحصول على الامتيازات الطبقية والإعفاء من الضرائب المذلة.
إن المرويات التراثية التي كُتبت في العصر العباسي لإعادة صياغة أحداث القرن الأول الهجري لم تكن تاريخاً بالمعنى العلمي المحايد، بل كانت "بياناً أيديولوجياً للمنتصرين" صُمم بعناية لخدمة أغراض متعددة: شرعنة حكم السلالات الجديدة، صناعة أصول تاريخية وتجارية فاخرة لنخبة كانت بدوية في أصلها، وتوفير غطاء أخلاقي وغيبي لعمليات الغزو والنهب والاسترقاق الماضي وعزلها عن سياقها المادي الإجرامي. وحين يستنطق المؤرخ الناقد اليوم صمت الآثار، وغياب مكة في الخرائط القديمة، ويحلل طبيعة البرديات الإدارية والعملات الحاملة للصليب، فإنه يعيد الأمور إلى نصابها المادي الصحيح؛ فالإمبراطورية العربية لم تولد بقرار سحري هبط من السماء على وادٍ معزول، بل ولدت من رحم الجفاف والضغط الديموغرافي في الصحراء، ونمت بفضل الانتحار العسكري للإمبراطوريات العظمى، واستقرت وتحولت إلى دين كوني ومقدس جغرافي بفعل حاجة النخب المروانية والعباسية الحاكمة إلى ضبط الحشود وتنظيم إدارة الخراج واستمرار تدفق فوائض الثروة. إن هذا التفكيك العقلاني والجذري لنزاع السحر عن الفتوحات يحرر العقل من أسر الأساطير الأيديولوجية المعطلة، ويؤكد أن المحرك الأساسي لصعود الأديان والإمبراطوريات وسقوطها يبقى دائماً خاضعاً لقوانين الصراع المادي من أجل البقاء، والسيطرة على وسائل الإنتاج، وفوقية المصالح الطبقية والاقتصادية على الأرض.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire