.
.
"إسرائيل الكبرى" في التراث الإسلامي: كيف منح المفسرون النيل والفرات لبني إسرائيل؟
يمثل مفهوم "إسرائيل الكبرى" أو التمدد الجغرافي المفترض من النيل إلى الفرات أحد أكثر الهواجس السياسية حضوراً في الوجدان العربي والإسلامي المعاصر، حيث يُنظر إليه بوصفه مخططاً صهيونياً سرياً ومحكماً لابتلاع المشرق العربي. ومع ذلك، فإن النقد التاريخي والتحليل المفاهيمي للتراث الديني يكشفان عن مفارقة معرفية بالغة الغرابة والصدمة؛ فبينما يجهد الخطاب السياسي العربي الحديث في تصوير هذا التمدد الجغرافي كمنتج صهيوني خالص، يتبين بالرجوع إلى أمهات كتب التفسير الإسلامي الكلاسيكي أن الفقهاء والمفسرين المسلمين هم أول من رسم هذه الحدود الشاسعة وثبّتها في مدونات التراث عند تأويلهم لآيات الإيراث والبركة القرآنية. إن هذا المفهوم الجغرافي الفضفاض لم ينشأ في الأصل كخطة عسكرية في أروقة الكنيست الإسرائيلي، بل تبلور عبر قرون من التراكم التفسيري الإسلامي الذي حاول سد الفجوات الجغرافية للنص القرآني المجمل عبر الاستعانة بالمأثورات الشفهية لأهل الكتاب والمعروفة بالإسرائيليات. ومن هنا، يصبح تفكيك هذا التراث التفسيري والوقوف على آلياته المنهجية ضرورة قصوى لفهم كيف تحولت التأويلات الفقهية القديمة إلى فزاعات سياسية معاصرة يغذي بها العقل المأزوم مخاوفه الوجودية دون إدراك لجذورها التراثية الإسلامية.
يتسم الخطاب القرآني في تعامله مع الجغرافيا السياسية والتاريخية بأسلوب فريد يقوم على الإجمال والوعظ اللاهوتي، مبتعداً تماماً عن الصرامة الطبوغرافية أو التحديد الهندسي للحدود والأنهار. فعندما يستعرض القرآن قصة بني إسرائيل وخروجهم من مصر ودخولهم الأرض الموعودة، فإنه يستخدم مسميات ذات طابع معنوي وروحي مثل "الأرض المقدسة" أو "الأرض التي باركنا فيها" دون أن يقدم خطوط طول أو عرض، ودون أن يذكر أسماء الأنهار الكبرى كالنيل أو الفرات كحدود سياسية مرسومة. إن هذا الغياب للتحديد الجغرافي ينبع من طبيعة النص القرآني بوصفه نصاً هداية وتذكير وعبرة، حيث لا تعنيه المقاييس والمساحات بقدر ما يعنيه المضمون الأخلاقي واللاهوتي المتمثل في الوفاء بالعهد ونيل الاستخلاف المشروط بالصلاح. وبموجب هذا الأسلوب المجمل، تظل "الأرض المقدسة" في النص القرآني فضاءً عائماً ومفتوحاً من الناحية الطبوغرافية، مما ترك مساحة هائلة للأجيال اللاحقة من المفسرين لملء هذا الفراغ الجغرافي وتجسيده بناءً على معارفهم البيئية وسياقاتهم التاريخية ومستنداتهم النصية الموازية.
أدى هذا الإجمال القرآني إلى وضع المفسرين الكلاسيكيين، مثل الطبري وابن كثير والقرطبي، أمام معضلة تفسيرية وتاريخية خانقة، ظهرت تجلياتها بوضوح عند محاولتهم تفسير الآيات التي تتحدث عن مآل أراضي فرعون وقومه بعد غرقهم في البحر. يقول القرآن في سورة الأعراف "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها"، ويقول في سورة الشعراء في سياق الخروج "كذلك وأورثناها بني إسرائيل". هنا وجد المفسرون أنفسهم أمام نص حرفي يقرر أن بني إسرائيل قد ورثوا جغرافيا مصر (أرض فرعون) بمشارقها ومغاربها. غير أن هذا التقرير القرآني الحرفي يصطدم اصطداماً كاملاً بالرواية التاريخية الواقعية والمدونات الأركيولوجية القديمة؛ فبنو إسرائيل تاريخياً، وحتى بحسب السياق القصصي القرآني والتوراتي نفسه، لم يعودوا إلى مصر بعد غرق فرعون ليحكموها ويستوطنوا ضفاف نيلها، بل تاهوا في صحراء سيناء أربعين سنة ثم توجهوا شرقاً وشمالاً ليدخلوا أرض كنعان في فلسطين التاريخية، بينما استمرت الدولة المصرية الفرعونية قائمة ومحكومة بالفراعنة لقرون طويلة بعد حادثة الخروج المفترضة.
لحل هذه المعضلة التفسيرية، انقسم المفسرون المسلمون الكلاسيكيون إلى اتجاهات تأويلية غريبة، ذهب بعضها إلى حد تحوير التاريخ الجغرافي للمنطقة ليتوافق مع النص. فقد اضطر الطبري في "جامع البيان" إلى نقل روايات تفيد بأن بني إسرائيل عادوا بالفعل إلى مصر بعد هلاك فرعون، وملكوا خزائنها وأراضيها واستوطنوا نيلها قبل أن يخرجوا منها مجدداً نحو الشام. هذا التأويل الذي تبناه أيضاً القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" يمثل أول تمديد جغرافي إسلامي يمنح بني إسرائيل نهر النيل وأرض مصر كإرث إلهي مكتوب، مدفوعاً بضرورة الحفاظ على الحرفية النصية للآية القرآنية على حساب الواقع التاريخي والأركيولوجي الصامت تماماً عن أي حكم يهودي قديم لوادي النيل. وفي المقابل، حاول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" الخروج من المأزق عبر توسيع دلالة مصطلح "مشارق الأرض ومغاربها" ليعني أرض الشام بدلاً من مصر، معتبراً أن إيراث أرض فرعون لبني إسرائيل كان مجازاً أو إيراثاً لجنس الأرض المباركة، لكن هذا التخريج ظل قاصراً عن إخفاء الحقيقة المتمثلة في أن التفسير الكلاسيكي قبل وروج لفكرة ملكية بني إسرائيل لنهر النيل ومحيطه الجغرافي.
لم تتوقف المعضلة الجغرافية عند حدود النيل وغرباً، بل امتدت لتشمل الطرف الشرقي للأرض المباركة، وتحديداً نهر الفرات. ولم يكن لدى المفسرين المسلمين في القرون الهجرية الأولى من أدوات جغرافية علمية لترسيم حدود "الشام" أو "الأرض المقدسة" المذكورة في القرآن، فلم يجدوا أمامهم سوى الاعتماد على النقل الشفهي والمادي عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين دخلوا الإسلام أو بقوا على دينهم في الحواضر المفتوحة. عبر هذا القناة الشفهية العريضة، تدفقت "الإسرائيليات" إلى مدونات التفسير الإسلامي حاملة معها التصورات الطبوغرافية للعهد القديم. وعندما حاول المفسرون وضع حدود واضحة للأرض التي بارك الله فيها في سورة الأنبياء في قوله "ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين"، استدعى الرواة المسلمون من أصول كتابية، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه، نصوص سفر التكوين التوراتية التي تحدد أرض الميثاق من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.
نتيجة لهذا التثاقف والتداخل النصي، امتلأت تفاسير الطبري وابن كثير والقرطبي والسيِّوطي بأقوال تنص صراحة على أن حدود الأرض المقدسة أو الشام التي أورثها الله لبني إسرائيل تمتد "من فرات العراق إلى عريش مصر". لقد قام المفسرون بأسلمة الوعد التوراتي القديم وإعادة صياغته كشرح تفصيلي للمصطلحات القرآنية المجملة، فصار الفرات بقدرة قادر هو الحد الشرقي الرسمي للأرض المباركة الممنوحة للأنبياء وشعوبهم في الوعي التراثي الإسلامي. بل إن المفسرين تجاوزوا التحديد التوراتي الصارم في بعض الأحيان؛ فحيثما ذكرت التوراة "نهر مصر" والمقصود به جغرافياً وادي العريش الموسمي الجاف، زاغ تأويل بعض المفسرين ليتحدث عن "نهر النيل" نفسه كحد غربي، مدفوعين بآيات إيراث ملك فرعون، ليصبح المفسرون المسلمون، عبر دمج الإسرائيليات بآيات القرآن، هم الصائغ الحقيقي لخريطة الإمبراطورية الممتدة من النيل إلى الفرات وإسنادها إلى الحق الديني التاريخي لبني إسرائيل في كتبهم المعتمدة.
يتجلى هذا التكريس الجغرافي التراثي أيضاً عند تفسير الآيات المرتبطة بمملكة داود وسليمان في القرآن. يذكر النص القرآني أن الله سخر لسليمان الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وأن غدوها شهر ورواحها شهر، وأنها كانت تجري به "إلى الأرض التي باركنا فيها". لتفسير المدى الجغرافي الشاسع الذي كانت تقطعه ريح سليمان ولتحديد حجم مملكته العظيمة المذكورة في القرآن، استعان المفسرون مجدداً بالأخبار التوراتية الملحمية الموجودة في سفري الملوك وأخبار الأيام. نقل المفسرون بتوسع وإعجاب كبيرين كيف أن سلطان سليمان امتد ليشمل جغرافيا الجزيرة والشام والعراق، وأن الممالك الواقعة على ضفاف الفرات كانت تدفع له الجزية والولاء. من خلال هذه الصياغات التفسيرية، استقر في الوعي الفقهي والحديثي الإسلامي أن الفرات لم يكن مجرد حد خارجي، بل كان جزءاً من الفضاء السياسي والسيادي الذي حكمه أنبياء بني إسرائيل بتمكين إلهي، مما جعل جغرافيا الفرات مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالسردية الإسلامية عن العصر الذهبي للمملكة العبرانية القديمة.
تنتج عن هذا التتبع التاريخي والتفكيك النصي مفارقة فكرية وسيكولوجية معاصرة بالغة التعقيد والغرابة في الواقع العربي والإسلامي الراهن. فاليوم، يعيش العقل السياسي والشعبي العربي حالة من الرعب الوجودي المستمر من خريطة "إسرائيل الكبرى" أو شعار "من الفرات إلى النيل"، ويتم التعامل مع هذا الشعار بوصفه دليلاً قطعياً على المخططات الصهيونية الخبيثة لابتلاع الأوطان وهدم العواصم العربية. ويقوم الفكر التآمري المعاصر، الذي تغذيه حركات الإسلام السياسي والتيارات القومية، بصناعة أساطير بصرية وحضرية حول هذه الخريطة، زاعماً أنها معلقة في ردهات البرلمان الإسرائيلي أو محفورة على جدرانه لتوثيق الأطماع اليهودية. ولكن، بموجب التحليل المنهجي الذي قمنا به، يتضح أن هذا العقل التآمري المأزوم يستند في حقيقة الأمر -ودون أن يعي- إلى ذات الحدود والتأويلات الجغرافية التي خطها فقهاؤه ومفسروه الكلاسيكيون في كتب التراث التي يقدسها ويقرأها صباح مساء.
إن الخوف المعاصر من تمدد إسرائيل إلى النيل والفرات هو في جوهره إسقاط نفساني وفكري يقوم به العقل العربي الذي يعاني من أزمة حضارية وهزائم عسكرية متلاحقة منذ منتصف القرن العشرين. فبدلاً من مواجهة الحقيقة الموضوعية والواقعية المتمثلة في أن إسرائيل دولة قومية حديثة ذات مشروع محلي ضيق ومحصور في شريط جغرافي صغير في فلسطين التاريخية، وبدلاً من الاعتراف بأن تفوقها ناتج عن تنظيمها التكنولوجي والعلمي والمؤسسي، يفضل العقل المأزوم تحويلها إلى "عدو أسطوري كوني" يمتلك مخططات إمبراطورية تمتد من النيل إلى الفرات. هذا التضخيم للعدو يؤدي وظيفة نفسية دفاعية هامة؛ فهو يعفي الذات العربية والمسلمة من استحقاقات النقد الذاتي ومراجعة أسباب التخلف الداخلي، إذ إن الهزيمة أمام إمبراطورية كونية ذات مخططات غيبية وتوراتية هي أقل إيلاماً للكرامة القومية من الهزيمة أمام دولة صغيرة المساحة والسكان. والغريب أن المادة المعرفية والطبوعرافية التي يستخدمها هذا العقل لتضخيم عدوه وصناعة فزاعته هي مستعارة بالكامل من أدبيات التفسير التراثية الإسلامية التي دمجت الإسرائيليات بالقرآن.
علاوة على ذلك، يكشف هذا التناقض المعرفي عن آلية أخرى للإسقاط النفسي ترتبط بالتاريخ الجيوسياسي للعرب والمسلمين أنفسهم. فالوعي الإسلامي التقليدي يتأسس تاريخياً وثقافياً على نموذج "الإمبراطورية العالمية المفتوحة الحدود والتوسع"، حيث قامت الحضارة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرناً على حركة الفتوحات المستمرة، وضمت تحت سيادتها رقعة جغرافية هائلة تمتد من حدود الصين إلى جبال البرانس في الأندلس، وأخضعت شعوباً وثقافات متنوعة، واستنزفت مقدراتها وصهرتها في المركز السياسي للخلافة. بناءً على هذه البنية الذهنية التاريخية المستقرة في اللاوعي، لا يستطيع العقل الجمعي العربي والإسلامي أن يتخيل وجود كيان سياسي أو ديني لا يحمل نزوعاً إمبراطورياً توسعياً؛ فالغزو والتوسع وإخضاع الآخرين وإلحاق أراضيهم بالمركز هو السيناريو الوحيد المألوف لديه لإدارة القوة. ولذلك، عندما يواجه المشروع الصهيوني المحلي، فإنه يقوم تلقائياً بإسقاط هذه العقلية الإمبراطورية التوسعية التاريخية الخاصة به على اليهود وإسرائيل، متصوراً أنهم يريدون بناء "خلافة يهودية" تبتلع المنطقة من النيل إلى الفرات، تماماً كما فعلت الخلافات الإسلامية القديمة في أوج صعودها العسكري.
يظهر هذا التوظيف البراغماتي والأيديولوجي لـ "فزاعة إسرائيل الكبرى" بوضوح كامل في الخطاب السياسي للأنظمة الحاكمة والحركات الأيديولوجية المعاصرة في المشرق العربي، وخاصة داخل ما يُعرف بمحور الممانعة وحركات الإسلام السياسي. تستفيد هذه الكيانات فائدة قصوى من الإبقاء على أسطورة التوسع الإسرائيلي حية ومتوهجة في عقول الجماهير؛ فوجود خطر وجودي داهم يهدد بابتلاع العواصم من بغداد إلى القاهرة يمثل الأداة المثالية لتبرير القمع الداخلي، ومصادرة الحريات العامة، وتأجيل مطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية تحت الشعار القومي القديم المتجدد "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". إن الاعتراف بالواقع الجغرافي والديموغرافي الحقيقي لإسرائيل بوصفها دولة ذات حدود سياسية معقدة ومخاوف أمنية محلية محددة من شأنه أن يسقط تبريرات الاستبداد الداخلي، ويهدم السردية الغيبية القائمة على فكرة "صراع الوجود لا صراع الحدود"، ولذلك يتم استدعاء خريطة النيل والفرات التراثية باستمرار وتغذيتها إعلامياً للحفاظ على حالة الشحن العاطفي والتعبوي لدى الجماهير.
إن تفكيك هذه السرديات ومواجهتها بأدوات النقد التاريخي المقارن يوضح كيف يقع العقل التراثي المعاصر في فخ الإنتاج الذاتي لمخاوفه. فبينما يلعن الخطاب الثقافي العربي الصهيونية ويتهمها بابتداع مخطط التوسع الإمبراطوري، يتناسى أن هذا المخطط هو في واقع الأمر منتج تفسيري إسلامي قديم صاغه فقهاء ومفسرون كبار عند شرحهم لآيات الإيراث والبركة، مدفوعين بالرغبة في توفيق النص القرآني المجمل مع تفاصيل الجغرافيا التوراتية الشفهية. إن الحدود الممتدة من الفرات إلى النيل ليست مخططاً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في عالم اليوم الذي تحكمه التوازنات الدولية والقوانين والدول القومية ذات الحدود المعترف بها، بل هي صفحة من صفحات التراكم النصي والتثاقف الديني القديم الذي جرى إساءة فهمه وتوظيفه سياسياً في العصر الحديث من قبل جميع أطراف الصراع.
وفي الختام، يتبين أن معالجة أزمة الوعي العربي والإسلامي تجاه الصراع المعاصر تتطلب شجاعة معرفية تبدأ أولاً بمراجعة الذات ونقد التراث التفسيري، قبل الالتفات إلى نقد الآخر. إن التخلص من "فزاعة إسرائيل الكبرى" يمر حتماً عبر الاعتراف بأن المساحات الجغرافية الشاسعة الممنوحة لبني إسرائيل في التراث هي من صنع تأويلات المفسرين المسلمين الكلاسيكيين وآلياتهم المنهجية المعتمدة على الإسرائيليات، وليست حقائق جيوسياسية معاصرة تملك إسرائيل القدرة الديموغرافية أو العسكرية على تحقيقها على أرض الواقع. إن الانتقال من القراءة العاطفية الغيبية والتآمرية للتاريخ إلى القراءة العلمية والموضوعية المحكومة بحقائق الجغرافيا والديموغرافيا هو السبيل الوحيد للخروج من حالة المأزق الحضاري والانغلاق الفكري، وهو الخطوة الأولى نحو رؤية الصراع بحجمه الطبيعي والواقعي كنزاع سياسي وحدودي محلي معقد، بعيداً عن أساطير الإمبراطوريات القديمة والتأويلات الفقهية الطاعنة في القدم.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire