Translate

المهدي المنتظر بين الغباء الإنساني والتحيّل والآليات الدفاعية النفسية (مقال)

.


.


المهدي المنتظر بين الغباء الإنساني والتحيّل والآليات الدفاعية النفسية




تعد فكرة المهدي المنتظر واحدة من أكثر الظواهر التي تجسد التقاطع المعقد بين الأمل الإنساني المفرط والجهل المطبق بالسنن التاريخية والتحايل السياسي الممنهج عبر العصور. إن محاولة تفكيك هذا المفهوم تتطلب شجاعة فكرية تتجاوز القداسة الزائفة، لتضع هذه الأسطورة في مختبر التحليل العقلاني الذي لا يرحم الأوهام. تبدأ الحكاية من رغبة الإنسان البدائية في وجود "مخلص" يرفع عنه عبء المسؤولية الفردية والجماعية، وهي رغبة نابعة في جوهرها من عجز بنيوي في مواجهة تعقيدات الواقع وظلم الأنظمة السياسية المتعاقبة. عندما يعجز العقل عن إيجاد حلول مادية ومنطقية للأزمات، فإنه ينكفئ على نفسه مخلقاً آليات دفاعية نفسية، أولها "الإنكار" وثانيها "الإسقاط"، حيث يتم إسقاط كل آمال العدالة والمساواة على شخصية هلامية تغيب عن الواقع لتعود في لحظة ميتافيزيقية خارقة للعادة. هذا الانكفاء ليس مجرد سذاجة، بل هو تعطيل متعمد للحواس وللقدرة على الاستنتاج، مما يفتح الباب واسعاً أمام فئة من المتحيلين الذين أدركوا مبكراً أن تجارة الأوهام هي الأكثر ربحاً في أسواق اليأس البشري.
إن التاريخ يخبرنا أن "المهدي" لم يكن يوماً حقيقة واقعة بقدر ما كان مشروعاً سياسياً بامتياز، فمنذ الصراعات الأولى في التاريخ الإسلامي، تم استدعاء هذا اللقب لإضفاء شرعية سماوية على مطامع دنيوية. فكل ثائر خسر معركته على الأرض، كان يبحث عن "مهدي" يعوض له خسارته في الغيب، أو يدعي هو نفسه أنه ذلك المنتظر ليحشد حوله الغوغاء والباحثين عن خلاص مجاني. إن الأدلة التاريخية تشير بوضوح إلى أن كل من ادعى المهدوية، بلا استثناء، قد انتهى به المطاف إما مقتولاً أو مختفياً أو مؤسساً لسلالة سياسية لم تلبث أن مارست نفس الظلم الذي جاءت لتمحوه. ومع ذلك، يصر العقل الجمعي المخدّر على تكرار نفس الخطأ، وهو ما يمكن وصفه بـ "الغباء التراكمي"، حيث لا يتم التعلم من تجارب الماضي، بل يتم تبرير الفشل السابق بحجج واهية لانتظار محاولة جديدة. هذا الإصرار على تصديق ما يخالف العقل والمنطق والبيولوجيا، مثل فكرة الإنسان الذي يعيش قروناً في سرداب أو يطوي الأرض في لحظات، يمثل قمة الاستقالة الذهنية التي تليق بشعوب استمرأت الاستلاب وتخلت عن حقها في التفكير النقدي.
من الناحية النفسية، تعمل خرافة المهدي كآلية لتخدير الألم الاجتماعي، فهي تقدم حلاً سحرياً لا يتطلب جهداً أو تضحية أو تنظيماً. بدلاً من بناء المؤسسات وتطوير النظم القانونية وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة، ينتظر "السفيه" الموعود ظهور الشخصية الخارقة التي ستحل كل المشاكل بلمحة عين. هذا الاتكال لا يؤدي فقط إلى الجمود، بل يؤدي إلى تدمير المجتمعات من الداخل، لأنه يربط مصير الأمم بحدث غيبي لا يملك أحد مفاتيحه. والمفارقة المضحكة المبكية هي أن هذا الانتظار نفسه يتحول إلى مادة للتحيل الديني، حيث تظهر طبقة من "الوسطاء" أو "الممهدين" الذين يقتاتون على أموال وعواطف المنتظرين، ويبيعونهم صكوك القرب من المهدي أو خرائط لظهوره، في عملية نصب واحتيال هي الأكبر والأطول في التاريخ الإنساني. إن الأدلة العلمية والمنطقية تؤكد أن التغيير الاجتماعي هو سيرورة بشرية خاضعة لقوانين الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وأن الركون إلى خرافة المخلص هو في حقيقته اعتراف بالهزيمة العقلية الكاملة أمام تحديات الوجود، وهو ما يجعل هذه الفكرة تصنيفاً أصيلاً في خانة الأساطير التي استنفدت غرضها ولم يبقَ منها سوى استغلال الجهلة وتأبيد التخلف.

تستمر المأساة الفكرية في تعاطي العقل الجمعي مع خرافة المهدي حين ننتقل من مجرد الاعتقاد الغيبي إلى مرحلة "التقنين الأسطوري"، حيث نجد أن الخيال البشري لم يكتفِ بانتظار مخلص، بل وضع له سيناريوهات دقيقة وتفصيلية تتجاوز في غرابتها قصص الخيال العلمي المعاصر. إن هذا التفصيل الممل في ملامح الشخصية، وطريقة مشيتها، ونوع رايتها، والمناطق الجغرافية التي ستمر بها، يمثل ذروة "التحيّل المعرفي" الذي مارسه واضعو هذه الروايات عبر العصور. فقد كان كل واضع نص يضيف تفاصيل تناسب جغرافيا عصره أو أعداءه السياسيين في ذلك الوقت، مما جعل "المهدي" شخصية مطاطة يتم تفصيلها على مقاس الصراعات الإقليمية. فمرة يخرج من المشرق لضرب أهل المغرب، ومرة يخرج من الحجاز لضرب أهل الشام، وهذا التضارب الصارخ في الروايات والأدلة المزعومة يكفي وحده لإسقاط مصداقية الفكرة لدى أي عقل يمتلك الحد الأدنى من القدرة على التحليل والمقارنة. فكيف يمكن لحقيقة مطلقة وسماوية أن تكون بهذا القدر من السيولة والتناقض، لولا أنها كانت وليدة غرف العمليات السياسية والدعائية في العصور الغابرة؟
إن الانتقال من التحيّل السياسي إلى التحيّل النفسي يجرنا نحو تحليل "سيكولوجيا العبيد" الذين يجدون في فكرة المهدي ملاذاً من الشعور بالدونية. فعندما تعجز أمة ما عن تقديم أي إنجاز حضاري، وتجد نفسها في ذيل القائمة الكونية من حيث العلم والقوة والإنتاج، فإنها تلجأ إلى تضخيم "الذات المنتظرة". المهدي في هذا السياق هو "التعويض النفسي" عن الهزيمة؛ هو البطل الذي سيقهر القوى العظمى التي عجزنا عن مجاراتها في مختبرات الفيزياء أو في ساحات التكنولوجيا. إنه الإسقاط المثالي لشهوة الانتقام الكامنة في نفوس العاجزين، الذين يتلذذون بقراءة مرويات "الملاحم" و"الدماء التي تصل إلى الركب" لا لشيء إلا لأنهم يجدون فيها تنفيساً عن غضبهم المكبوت تجاه واقع لا يستطيعون فيه تغيير سعر رغيف الخبز. هذا النوع من الإسقاط النفسي هو الذي يجعل السفيه يتمسك بالخرافة بكل جوارحه، لأن التخلي عنها يعني مواجهة حقيقة بشعة: وهي أنه وحيد، ضعيف، ومسؤول تماماً عن فشله وتخلفه، وهي مواجهة تتطلب شجاعة وجودية لا يمتلكها من أدمن مخدر الغيب.
وعلاوة على ذلك، يبرز "الغباء الإجرائي" في كيفية تعامل المؤمنين بهذه الخرافة مع مفهوم الزمن. فمنطقياً، إذا كانت العدالة الإلهية تقتضي ظهور مخلص، فما هي الحكمة من تأخيره لقرون طويلة بينما تُباد شعوب وتُسحق حضارات تحت وطأة الظلم؟ إن فكرة "الانتظار" بحد ذاتها هي إدانة ضمنية للمنظومة التي تروج لها، لأنها تجعل الأجيال المتعاقبة مجرد "وقود زمني" لا قيمة له حتى يأذن التاريخ بظهور "البطل". هذا التصور يحول الإنسان من كائن فاعل ومكلف بإعمار الأرض إلى مجرد "كومبارس" في مسرحية كونية لا يعرف موعد فصلها الأخير. والأسوأ من ذلك هو أن هذا الغباء يتخذ طابعاً مؤسساتياً، حيث تُصرف ميزانيات ضخمة وتُبنى مزارات وتُؤلف آلاف المجلدات لشرح كيفية التصرف عند ظهور شخص لم يظهر منذ ألف عام ولن يظهر أبداً. إن هذا الهدر الهائل للموارد البشرية والذهنية هو الجريمة الحقيقية التي ترتكبها الخرافة في حق الشعوب، حيث يتم تحويل طاقات الشباب من البحث العلمي والابتكار إلى البحث في "علامات الظهور" وتفسير أحلام الهواجس الليلية.
ولا يمكننا إغفال الدور القذر الذي لعبه "المتحيلون المحترفون" من أدعياء المهدوية عبر التاريخ، والذين يمثلون البرهان المادي على بطلان هذه الفكرة. فمن "مهدي" السودان إلى "مهدي" مكة، وصولاً إلى عشرات المهلوسين في العصر الحديث، نجد نمطاً متكرراً: ادعاء القداسة، حشد الأتباع من الطبقات الأكثر جهلاً وتهميشاً، ثم إحداث كارثة دموية تنتهي بضياع الأرواح والممتلكات. إن هؤلاء المتحيلين لم يكونوا لينجحوا لولا وجود "بنية تحتية من الجهل" أسست لها المرويات التراثية. إنهم مجرد ثمار سامة لشجرة الخرافة التي رويت بماء الأحاديث الموضوعة والقصص الإسرائيلية والمانوية القديمة. وعندما يرى "العاقل" هذا السجل الحافل بالفشل والدم، يتساءل بذهول: كيف لا يزال هناك من يشتري هذه البضاعة الكاسدة؟ الجواب يكمن في أن العقل الذي يتخلى عن "مبدأ السببية" و"قانون التناقض" يصبح وعاءً قابلاً لاستيعاب أي قذارة فكرية تحت مسمى الإيمان، وبذلك يتحول الإنسان من كائن مفكر إلى قطيع يقوده أي دجال يحسن العزف على أوتار النبوءات المزعومة.
في الختام، إن تفكيك خرافة المهدي ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لأي نهضة حقيقية. إن الطريق إلى العدالة لا يمر عبر "سرداب" أو "غيب"، بل يمر عبر مختبرات العلوم، وقاعات البرلمانات العادلة، واستقلال القضاء، والعمل الدؤوب. إن الإيمان بالمهدي هو الإعلان النهائي عن "موت العقل" وقبول التبعية المطلقة للأوهام. وبدون تحطيم هذه الأصنام الذهنية، ستظل الشعوب تراوح مكانها، تندب حظها وتنتظر غائباً لن يأتي، بينما العالم من حولها يسير بسرعة الضوء نحو آفاق معرفية لا مكان فيها لمن يعيشون في أقبية التاريخ وينتظرون معجزات لا تحدث إلا في مخيلات المصابين بـ "الفصام الجماعي". إن استرداد العقل هو الخطوة الأولى نحو الحرية، والحرية تبدأ بالكفر بكل مخلص لا يصنعه الإنسان بيده وعرقه وذكائه.





.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...