.
من إيل الكنعاني إلى الله العربي: التطور المادي والتاريخي لفكرة التوحيد
تنهض السرديات اللاهوتية التقليدية على فرضية مركزية مفادها أن التوحيد الخالص هو معطى غيبي متعال هبط على البشرية دفعة واحدة من السماء عبر وسيط الوحي ليريح الإنسانية من ظلمات الشرك والوثنية البدائية غير أن القراءة الأنثروبولوجية والتاريخية الصارمة المستندة إلى المادية التاريخية ونقد النصوص والآثار تكشف عن صيرورة أرضية واجتماعية مغايرة تماما حيث لم يكن المفهوم التوحيدي للإله سوى منتج ثقافي وتطوري بطيء امتد على مدى آلاف السنين في جغرافيا الشرق الأدنى القديم وتأتي أهمية دراسة هذا التحول من رصد الكيفية التي تطور بها الوعي البشري مادا جذوره من عبادة الأرواح المحلية والآلهة القبلية المتعددة وصولا إلى صياغة مفهوم الإله الواحد الأحد المهيمن على الكون إن هذا التتبع التاريخي يثبت أن فكرة الإله المطلق جرى طبخها في مختبرات الصراع السياسي وبناء الدول المركزية الحاكمة حيث تلاقت حاجة النخب الحاكمة إلى ضبط الحشود وصهر المكونات القبلية الشتيتة مع رغبة المدون التوراتي ثم القرآني في صياغة لاهوت سيادي قومي يمتص صفات وألقاب وأدوار الآلهة الوثنية القديمة وصهرها في ذات لاهوتية واحدة تتطابق مع مركزية السلطة السياسية على الأرض وبذلك تحول الإله من شيخ قبيلة سماوي يسكن الجبال والأودية إلى ملك الملوك وإمبراطور الوجود الذي يعكس على مرآة الغيب صورة الدولة الإمبراطورية في أوج قوتها وتمددها
تبدأ ملامح هذا التطور الأنثروبولوجي من قلب الميثولوجيا الكنعانية والآرامية في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد حيث تمدنا نصوص رأس شمرا في أوغاريت بكنز أركيولوجي لا يقدر بثمن لفهم طبيعة التفكير الديني المبكر في تلك البيئة كان كبير الآلهة الكنعانية يدعى إيل وهو الاسم السامي العريق الذي يعني القوة أو القدرة المطلقة وكان إيل يمثل الأب الروحي لكل الآلهة والبشر ويوصف في الألواح الطينية بأنه الثور الشفوق والمترئف والملك وخالق المخلوقات وكان يعيش في خيمة عند منابع الأنهار ومجامع البحار محاطا بمجلس ديني يضم أبناءه من الآلهة الصغرى وعلى رأسهم بعل إله المطر والخصيب وعناة إلهة الحرب ويم وامت إله البحر والموت في هذا الطور البنيوي لم تكن الديانة الكنعانية وثنية ساذجة بالمعنى الاختزالي بل كانت تمثل نظاما اجتماعيا يعكس التركيبة القبلية والملكيات المحلية حيث يختص كل إله بوظيفة طبيعية واقتصادية محددة ترتبط بحياة الفلاحين والرعاة وتؤمن لهم البقاء في بيئة متقلبة ومناخ شحيح
مع تحرك المجموعات العبرانية البدوية الرعوية واستقرارها في المرتفعات الوسطى لفلسطين بدأت عملية تلاقح ثقافي وديني بين هؤلاء البدو وبين الحواضر الكنعانية لم يبتكر العبرانيون الأوائل إلها جديدا من العدم بل تبنوا اسم إيل الكنعاني وصفاته بشكل مباشر وهو ما يظهر بجلاء في التناخ العهد القديم حيث نجد أن صيغة الجمع للاسم إلوهيم وصيغة المفرد إيل وإليون هي المصطلحات الأساسية المستخدمة للدلالة على الإله في النصوص الأكثر قدما وحتى الأسماء الشخصية للأنبياء والملوك والأماكن مثل إسرائيل وإسماعيل وبيت إيل كلها تحمل الختم اللغوي واللاهوتي للرب الكنعاني الأكبر لم يكن الإله ياهو أو يهوه في بداياته الأولى سوى إله محلي يرتبط بالبراكين والعواصف والحرب نبع من مناطق مدين وأدوم وجنوب سيناء وجرى إدخاله إلى المجمع الديني العبراني ليتنافس مع إيل وبعل وعشيرة وفي هذا الطور المبكر سادت في الممالك العبرانية الناشئة منظومة دينية أنثروبولوجية تعرف بالهينوثية وهي عبادة إله محلي واحد مع الاعتراف بوجود وأحقية الآلهة الأخرى للشعوب المجاورة فلم يكن يهوه إلها للعالم بل كان إلها قوميا خاصا ببني إسرائيل يحميهم في المعارك ويطالبهم بالولاء المطلق له في مقابل تدمير معابد الأغيار
شهدت فكرة الإله قفزة نوعية نحو التوحيد المركزي خلال القرن الثامن والسابع قبل الميلاد وتحديدا في عهد الملك يوشيا وحركته الإصلاحية الشهيرة التي قادها أحبار هيكل أورشليم واجهت مملكة يهوذا خطرا وجوديا مادا تمثل في التمدد الإمبراطوري الآشوري الذي سحق مملكة إسرائيل الشمالية وهدد بسحق الجنوب في هذا السياق السياسي المتأزم وجد حكام أورشليم أن البقاء يتطلب توحيد الجبهة الداخلية وصهر الهويات القبلية المتناثرة عبر مركزية دينية مطلقة فجرى تدوين وتحرير أسفار التوراة الأولى والتركيز على عقيدة الرب الواحد الذي لا شريك له في الهيكل جرت في هذه اللحظة أكبر عملية امتصاص لاهوتي في تاريخ الشرق الأدنى حيث قام المدون التوراتي بخلع صفات إيل الكنعاني الحكيم والشفوق وأمير مجلس الآلهة وصفات بعل المقاتل الراكب على السحاب وإله الرعد والبرق ودمجها كلها في شخصية يهوه تحول يهوه من إله عاصفة بدوي إلى الملك المطلق الذي يملك صفات الرحمة والخلق والجبروت معا وتم إقصاء زوجته الإلهة عشيرة وهدمت مذابح بعل المحلية وأصبحت العبادة والصلاحية السياسية حكرا على هيكل واحد وإله واحد يمثل شرعية الملك المركزي في أورشليم
لم يكتمل هذا التوحيد الصارم ويتحول من توحيد قومي مغلق إلى توحيد كوني شامل إلا بعد كارثة السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد عندما سقطت أورشليم وهُدم الهيكل وسيق النخبة والكهنة إلى بابل واجه العبرانيون صدمة معرفية كبرى فبحسب المنطق الديني القديم يعني سقوط المدينة وهدم المعبد أن إله بابل مردوخ قد انتصر على إله أورشليم يهوه لكي ينجو الكهنة من هذا المأزق المادي والنفسي الذي كان يهدد باندثار هويتهم قام الأنبياء والمدونون في المنفى مثل إشعياء الثاني بصياغة قراءة لاهوتية ثورية قلبت المفاهيم القديمة رأسا على عقب أعلن المدونون أن مردوخ ليس إلها وأن آلهة بابل هي مجرد أصنام وخشب صامت وأن يهوه ليس إلها محليا ليهوذا بل هو الإله الوحيد الخالق للكون بأسره وما نبوخذ نصر والجيوش البابلية إلا أدوات مادية وقوى سخرها الإله الواحد لمعاقبة شعبه وتطهيره هكذا ولد التوحيد الكوني المطلق من رحم الهزيمة السياسية والسبي حيث تحول يهوه إلى كائن غيبي متعال لا يحتاج إلى هيكل مادي للبقاء ولا يحده مكان وصار مسيطرا على مصائر الإمبراطوريات كلها مما منح اليهود المسبيين هوية عابرة للجغرافيا مكنتهم من البقاء كجماعة وظيفية متماسكة
انتقلت هذه الصيرورة التطورية لفكرة الإله من حواضر الشام وفلسطين إلى عمق شبه جزيرة العرب عبر مسارات التجارة والهجرات اليهودية والمسيحية على مدى قرون كانت القبائل العربية تعيش في طور الوثنية التعددية المحلية حيث يختص كل بطن وقبيلة بصنم أو إله يحمي حماها ويضمن مصالحها الاقتصادية مثل هبل واللات والعزى ومناة غير أن شبه جزيرة العرب لم تكن معزولة عن التحولات اللاهوتية الكبرى المحيطة بها في الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية في القرنين السادس والسابع الميلاديين بدأت تظهر في نصوص النقوش الصفائية والسبئية واللحresource المكتشفة في الحجاز واليمن ملامح تحول ديني مادي واضح نحو ما يعرف بعبادة الرحمن أو رحمنان وهو الإله الواحد غير المتجسد الذي نجد ذكره مكثفا في نقوش الممالك الحميرية بعد تهودها أو تنصرها التطور اللغوي والأنثروبولوجي لاسم الله في العربية يعود في أصله إلى اندماج أداة التعريف مع اللفظ السامي العريق إله ليصبح الله أي الإله المطلق والمتميز وهو المعادل الموضوعي للفظ إلوهيم العبري وإلاها السرياني
عندما انطلقت الدعوة القرآنية في مكة واجهت ذات البنية التعددية القبلية التي واجهها الأنبياء والملوك العبرانيون من قبل كان المجتمع القرشي يدير منظومة تجارية ريعية قائمة على استضافة أصنام القبائل في حرم الكعبة مما يضمن لها السيادة السياسية والأمان الاقتصادي أتى النص القرآني ليفكك هذه المنظومة التعددية مستخدما ذات الآليات اللاهوتية والأنثروبولوجية التي جرت في الشام قام القرآن بعملية امتصاص وتوطين واعية وجذرية لكافة صفات وأسماء وتجليات الآلهة القديمة وصهرها في ذات الإله الواحد الأحد فالله في القرآن هو الرحمن الرحيم وهي التسمية التي كانت شائعة في لاهوت الممالك اليمنية والنبطية وهو الملك القدوس السلام وهي صفات إمبراطورية سيادية مطلقة تتطلبها سياقات الدولة المركزية الناشئة التي تسعى لتجاوز الانقسامات القبلية وبناء أمة موحدة تخضع لقانون واحد وقيادة واحدة
إن فحص أسماء الله الحسنى في القرآن يكشف عن هذا التراكم التاريخي والأنثروبولوجي الطويل حيث يجمع الإله الجديد في ذاته كافة الأدوار التي كانت تتوزعها الآلهة الوثنية القديمة فإذا كان بعل هو إله المطر والرزق والخصيب فإن الله في القرآن هو الرزاق والوهاب والذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وإذا كانت عناة أو إله الموت يملكون سلطة الحرب والنهايات فإن الله هو المميت والقاهر والجبار والمنتقم وإذا كان إيل الكنعاني هو الشيخ الحكيم الشفوق الجالس في محفله السامي فإن الله هو الغفور والودود والحليم العلي الكبير عبر هذا الصهر الشامل تم تجريد الأصنام المحلية من وظائفها المادية والكونية وأصبحت مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان وتحولت القوة الروحية والاقتصادية بالكامل إلى المركز الجديد الذي يمثله الإله الواحد ورسوله على الأرض
من منظور المادية التاريخية تلاقت هذه الهندسة اللاهوتية للتوحيد القرآني مع الاحتياجات السياسية والاقتصادية الملحة للإمبراطورية العربية الناشئة في القرن السابع الميلادي فالقبائل العربية التي كانت تتبدد طاقتها العسكرية في الغزوات البينية والحروب الثأرية المادية لم يكن بالإمكان صهرها وتحويلها إلى جيش إمبراطوري عابر للقارات دون إيديولوجيا مركزية صارمة تلغي الولاءات القبلية الصغيرة وتحلها محل الولاء للإله الواحد والدولة الواحدة التوحيد هنا اشتغل كـ تكنولوجيا اجتماعية وسياسية فائقة القدرة؛ فكما أن الإمبراطورية تحتاج إلى حاكم واحد يتربع على رأس السلطة الإدارية والعسكرية فإن هذا الحاكم يحتاج إلى إسقاط ميثاقي في الغيب يتمثل في إله واحد يضبط الكون ويدير شؤونه بالحق والعدل والمطلق صار التوحيد اللاهوتي مبرراً ومطابقاً للتوحيد السياسي والاندماج القومي ولم يعد هناك مجال للتعددية العقائدية لأن التعدد يعني التنازع والفساد المادي في الأرض كما صاغها النص القرآني لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا
تثبت الدراسة الأنثروبولوجية والتاريخية لتطور مفهوم الإله في الشرق الأدنى القديم أن فكرة التوحيد هي صيرورة تاريخية أرضية بامتياز تحكمت في مسارها ديموغرافيا المنطقة وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية ولم تكن وثبة مفاجئة خارج سياق الزمن بدأت الرحلة من إيل الكنعاني الثور الشفوق الجالس في خيمته وسط بنيه من الآلهة مرورا بـ يهوه البدوي المحارب الذي تضخم ليمتص صفات أقرانه ويتحول إلى إله كوني بفعل صدمة السبي البابلي وحاجة كهنة أورشليم لإنقاذ هويتهم وصولا إلى الله العربي الذي صهر في أسمائه الحسنى كل تجليات ومميزات وتراث الآلهة الوثنية والسامية القديمة ليصبح الشعار الأيديولوجي الأكبر لإمبراطورية عالمية انطلقت من الفراغ الصحراوي لتجتاح الحواضر الكبرى إن نزع الهالة الغيبية عن فكرة التوحيد وقراءتها كمنتج ثقافي واجتماعي متطور يعيد بناء فهمنا للأديان بوصفها مؤسسات بشرية تاريخية صيغت أدواتها ومفاهيمها في معامل الواقع المادي لخدمة صيانة المجتمعات البشرية وبناء السلطة وإدامة آليات الحكم عبر العصور
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire