.
.
تطبيع الانتهاك: تشريح بنية "البيدوفيليا الشرعية" في الفكر الفقهي الإسلامي
يمثل مفهوم "الطفولة" في المنظور الحقوقي الحديث قدسية بيولوجية ونفسية لا تقبل المساس، حيث تُجمع القوانين الدولية والعلوم الطبية على أن القاصر هو كائن غير مكتمل الأهلية يحتاج إلى حماية مطلقة من أي استغلال جسدي أو جنسي. ومع ذلك، يصطدم هذا الوعي الإنساني المعاصر بجدار سميك من التشريعات الفقهية المتراكمة في التراث الإسلامي، بشقيه السني والشيعي، والتي أسست لما يمكن تسميته "وباء البيدوفيليا الحلال". إن هذا المصطلح ليس مجرد مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لواقع يتم فيه استخدام النصوص الدينية والاجتهادات البشرية القديمة لشرعنة ممارسات جنسية مع الأطفال تحت غطاء "النكاح" و"الستر". إن تفكيك هذه الظاهرة يتطلب شجاعة عقلية لتعرية الآليات التي سمحت بتحويل الانتهاك إلى "حق شرعي"، وكيف استطاع الفكر الفقهي أن يخلق "ثقوباً سوداء" في الضمير الأخلاقي للمجتمعات، مما جعل من جسد الطفلة المباحة فقهياً ضحية لصراعات التراث مع العصر.
تبدأ جذور هذه الإشكالية في الفكر السني من خلال استدعاء "فعل السلف" كمرجعية تشريعية مطلقة عابرة للزمان والمكان، وتحديداً في الاستشهاد المتكرر بزواج الرسول من عائشة وهي في سن التاسعة. إن الإصرار على تحويل هذا الحدث التاريخي، الذي يفتقر إلى السياق التوثيقي الموضوعي، إلى "سنة تشريعية" دائمة هو حجر الزاوية في شرعنة زواج القاصرات. الفقهاء السنة عبر القرون وضعوا قواعد تسمح لولي الأمر بتزويج الطفلة الصغيرة "حتى وهي في المهد"، معتمدين على تأويلات لآيات قرآنية مثل تلك التي تتحدث عن عدة اللائي "لم يحضن". هذا التأويل الفقهي الذي يفترض إمكانية طلاق طفلة لم تبلغ المحيض، هو اعتراف ضمني ومشرعن بوجود علاقة نكاح قائمة مع أطفال. إن الخطورة هنا لا تكمن فقط في العقد، بل في القبول الضمني بالاستمتاع بالطفلة ما دامت "تطيق الوطء"، وهو مصطلح مطاطي يترك تقديره لشهوة الرجل أو تقدير الولي، مما يفتح الباب واسعاً أمام اعتداءات جنسية مغلفة بقداسة دينية تمنع الضحية من الصراخ أو المجتمع من المحاسبة.
على الجانب الآخر، لم يكن الفكر الشيعي أقل وطأة في هذا الصدد، بل ربما ذهب إلى مستويات أكثر تفصيلاً في "هندسة الاستمتاع" بالأطفال. وتعد فتاوى روح الله الخميني في كتابه "تحرير الوسيلة" النموذج الصارخ لهذا التوجه، حيث شرعن صراحة ممارسات جنسية مع الرضيعة تحت مسمى "اللمس والضم والتفخيذ". إن هذا التشريع ليس مجرد هفوة فقهية، بل هو انعكاس لمنطق يرى في المرأة، منذ لحظة ولادتها، "محل استمتاع" للرجل. إن التمييز الذي وضعه الفقه الشيعي بين "الوطء" وبين بقية الممارسات الجنسية قبل سن التاسعة هو تمييز تافه من الناحية العلمية والحقوقية، ولكنه "تحيّل فقهي" خبيث يهدف إلى إباحة كل أنواع الشذوذ البيدوفيلي دون كسر القواعد الشكلية للعقد. إن وباء البيدوفيليا في هذا السياق يتخذ طابعاً مؤسساتياً، حيث تُحاط هذه الممارسات بهالة من "التعبد" أو "الحق الإلهي"، مما يجعل نقدها يبدو وكأنه نقد للدين نفسه، بينما هو في الحقيقة نقد لمرض اجتماعي وجنسي تم تغليفه بخرقة المقدس.
إن الأدلة المنطقية والعلمية تسحق كل المبررات التي يسوقها المدافعون عن هذه المنظومة. فمن الناحية البيولوجية، يؤكد الطب الحديث أن الطفلة قبل سن البلوغ النفسي والجسدي الكامل (الذي يتجاوز الثامنة عشرة في معايير النضج) لا تملك الهرمونات أو البنية العضلية أو الوعي العصبي لاستيعاب الفعل الجنسي. إن أي ممارسة جنسية معها هي "اعتداء" يؤدي إلى تمزقات جسدية وندوب نفسية لا تندمل، وتُصنف طبياً كاضطراب "البيدوفيليا" لدى الفاعل. ومع ذلك، يصر الفقهاء في كلا المذهبين على استخدام معايير "الإنبات" أو "التسع سنين" أو "إطاقة الوطء"، وهي معايير تنتمي لبيئات بدائية لم تكن تدرك معنى "الصدمة النفسية" أو "النمو العاطفي". إن هذا الجمود الفقهي يعكس غباءً مطبقاً في فهم الطبيعة البشرية، وإصراراً على تجميد التاريخ في لحظة واحدة لإشباع نزوات ذكورية تم إلباسها ثوب الفقاهة.
علاوة على ذلك، يبرز التحيّل الاجتماعي في فكرة "الستر" أو "تقليل العبء الاقتصادي" كذريعة لتزويج القاصرات. في المجتمعات الإسلامية التي تعاني من الفقر والجهل، يصبح "وباء البيدوفيليا الحلال" مخرجاً للأسر الفقيرة التي تبيع بناتها تحت مسمى الزواج. إن الفقيه الذي يشرعن هذا الفعل هو في الواقع "سمسار" يوفر الغطاء الأخلاقي لعملية بيع وشراء لأجساد الأطفال. والأمثلة المعاصرة في مناطق النزاع وفي الأرياف المهمشة في مصر واليمن وإيران وباكستان تشهد على ضياع أجيال من الفتيات اللواتي تحولن إلى "آلات جنسية" وإنجابية وهن لا يزلن في سن اللعب بالدمى. إن هذه المأساة لا تحدث بسبب غياب القانون فحسب، بل بسبب وجود "قانون موازٍ" يستمد شرعيته من كتب التراث التي تبيح ما يحرمه المنطق والإنسانية.
إن الرابط الجوهري بين المذهبين في هذا الملف هو "تغييب الأهلية"؛ فالطفلة لا تُسأل عن رأيها، وحتى "سكوتها" يُفسر على أنه "رضاها"، وهو قمة الاستهزاء بالعقل. كيف يمكن لطفلة لا تدرك ماهية العقد أو طبيعة العلاقة الجسدية أن تُعتبر موافقة؟ إن هذا الإلغاء لإرادة الطفل هو جوهر الفكر الاستبدادي الذي تشرعنه الأديان الإبراهيمية في صيغتها التقليدية، حيث الأب أو الولي هو "المالك" والطفلة هي "المملوكة". والتحرر من هذا الوباء لا يمكن أن يتم عبر ترقيع النصوص أو تقديم اعتذارات خجولة، بل عبر "ثورة ابستمولوجية" كاملة تخرج الجنس والطفولة من دائرة الفقه وتضعهما في دائرة العلم والقانون والحقوق الإنسانية الكونية.
إن "البيدوفيليا الحلال" هي الثغرة التي ينفذ منها الخلل الأخلاقي لضرب عمق المجتمع. فالرجل الذي ينشأ على أن من حقه الاستمتاع بطفلة هو رجل فاقد للحس الإنساني السوي، والطفلة التي تُغتصب باسم الشرع هي امرأة محطمة ستبني أسرة مهزوزة. إن الاستمرار في الدفاع عن هذه الممارسات تحت مسمى "احترام الخصوصية الثقافية" أو "اتباع السلف" هو تواطؤ إجرامي في حق البشرية. إن الأدلة التاريخية تؤكد أن هذه التشريعات كانت نتاج ظرفية اجتماعية وسياسية معينة، واستمرارها اليوم هو نوع من "الفصام التاريخي" الذي يجعل المسلم يعيش بجسده في القرن الحادي والعشرين وعقله في سرداب غيبي يبيح له انتهاك براءة الأطفال.
في الختام، إن وباء البيدوفيليا الحلال في الإسلام السني والشيعي هو الاختبار الأكبر لصدقية أي دعوى للإصلاح الديني. لا يمكن الحديث عن عدالة أو رحمة أو كرامة إنسانية بينما لا تزال هناك نصوص "مقدسة" وفتاوى "محترمة" تبيح تفخيذ الرضع وتزويج القاصرات. إن استرداد العقل يبدأ من تحطيم هذه الأصنام الفقهية، والاعتراف بأن حماية الطفل من "المتحيلين باسم الله" هي أقدس من كل المرويات التراثية. إن العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يعترف بـ "البلوغ الشرعي" الوهمي، بل يعترف بـ "الإنسان" الذي يملك وحده الحق في تقرير مصير جسده عندما يكتمل وعيه، وكل ما دون ذلك هو جريمة مكتملة الأركان، مهما حاول الفقهاء تجميلها أو تغليفها بعباءة الإيمان. إن محاربة هذا الوباء هي معركة وجودية ضد الجهل والسفه والتحيّل، وهي الطريق الوحيد لخروج الشعوب من قبضة الأساطير إلى رحاب الحرية والمسؤولية.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire