.
.
بروتوكولات الانتهازية السياسية: خلفيات التحالف بين اليسار الراديكالي الغربي وتيارات الإسلام السياسي
يمثل المشهد السياسي المعاصر في الحواضر الغربية الكبرى، من لندن إلى باريس ومن واشنطن إلى برلين، واحدة من أعقد المفارقات الفكرية وأكثرها إثارة للدهشة والذهول في تاريخ الحركات السياسية الحديثة. يتلخص هذا المشهد في ذلك المشهد السريالي الذي يجمع، في مسيرة شارع واحدة أو تحت سقف منصة أكاديمية مشتركة، ناشطاً يسارياً راديكالياً يحمل رايات التحرر الجنسي المطلق والنسوية التقاطعية، إلى جانب قيادي في حركة إسلامية أصولية يؤمن بنظام ديني شمولي يرفض في جوهره كل أسس الحداثة الغربية. هذا التموضع المشترك، الذي بات يُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ "التحالف الأحمر-الأخضر"، ليس مجرد التقاء عابر أملته ظروف سياسية مؤقتة، بل هو ظاهرة بنيوية عميقة تستدعي التفكيك والتشريح المعرفي. إنها ظاهرة ترتكز على بروتوكولات غير مكتوبة من الانتهازية السياسية المتبادلة، حيث يتنازل كل طرف عن مبادئه الجوهرية المزعومة في سبيل تحقيق مكاسب تكتيكية آنية، محاولين حجب هذا التناقض الصارخ عبر صياغة لغة خطابية هجينة تدمج مظلوميات الشرق بعقد ذنب الغرب. يسعى هذا التحليل الموسع إلى سبر أغوار هذا التحالف غير المقدس، واستكشاف جذوره النفسية والفكرية، ورصد آلياته النفعية التي تحرك الشارع والجامعة ومنظمات المجتمع المدني في سياق يهدد أسس الدولة الوطنية الليبرالية نفسها.
جذور الكراهية المشتركة: التقاء جلد الذات بالأممية الهدمية
لكي نفهم كيف التقى قطبان يبدوان في الظاهر متنافرين تمام التنافر، لا بد من العودة إلى الجذور الفكرية والنفسية الكامنة في أدبيات الطرفين، وتحديداً في تلك النقطة المركزية التي يشتركان فيها وهي الكراهية العميقة والرغبة في تفكيك الدولة الوطنية الغربية الرأسمالية. بالنسبة لليسار الراديكالي الغربي، الذي مر بتحولات بنيوية كبرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفشل الأطروحات الماركسية الكلاسيكية في تعبئة الطبقة العاملة التقليدية، فقد جرى استبدال "الصراع الطبقي" بـ "صراع الهويات". في هذا السياق الجديد الذي غذته نظريات ما بعد الاستعمار وتفكيكية ما بعد الحداثة، تحول الغرب الليبرالي في نظر أبنائه من اليساريين إلى مكمن للشر المطلق، وجسدٍ مثقل بعقدة جلد الذات التاريخية الناجمة عن إرث الاستعمار والعبودية والرأسمالية المتوحشة. أصبح كل ما هو غربي، من مؤسسات وقيم وقوانين، يمثل في المخيال اليساري منظومة هيمنة بيضاء يجب تفكيكها واغتيالها معنوياً، وبما أن الطبقة العاملة الغربية قد اندمجت في المنظومة الاستهلاكية ولم تعد تصلح كأداة ثورية للهدم، فقد بدأ اليسار بالبحث عن "وكيل ثوري جديد" من خارج هذه المنظومة، أو من هوامشها المستضعفة.
في هذه اللحظة بالذات، تلتقي سيكولوجية جلد الذات اليسارية مع الأيديولوجيا الأصولية لتيارات الإسلام السياسي، والتي تقوم في جوهرها على مفهوم "الأممية الهدمية" التي ترى في العالم الغربي بأسره مجرد ساحة لجاهلية حديثة، أو دار حرب تجب مواجهتها وتقويض أركانها الثقافية والسياسية لإعادة إقامة دولة الخلافة الشمولية. تلتقي كتابات منظري الإسلام السياسي مثل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، والتي تتمحور حول مفاصلة المجتمع الجاهلي وتفكيك الأنظمة الطاغوتية، مع أطروحات اليسار الراديكالي حول تفكيك الهيمنة الاستعمارية والرأسمالية. هذا اللقاء الفكري لا ينبع من إيمان مشترك بنموذج مستقبلي للبناء، بل ينبع حصراً من الاتفاق الكامل على رغبة الهدم للمشترك الحالي، وهو الدولة الوطنية الحديثة بقيمها الدستورية والعلمانية. يرى اليساري في الإسلامي الأصولي ذلك "التابع المستضعف" والمضطهد تاريخياً الذي يملك الطاقة الغاضبة الكفيلة بهز أركان النظام الرأسمالي، بينما يرى الإسلامي في الناشط اليساري مجرد أداة تكتيكية ومظلة شرعية تسمح له باختراق المجتمعات الغربية وتوطيد أقدامه فيها تحت حماية شعارات الحرية والتعددية الثقافية، في مفارقة تاريخية غريبة يغذيها الحقد المشترك على نموذج الحداثة الغربية.
يتناسى الطرفان خلال هذا الالتقاء النفعي أن أهدافهما النهائية متعارضة بشكل قطعي؛ فاليسار يحلم بـ "يوتوبيا" مشاعية متحررة من كل قيد ديني أو أخلاقي تقليدي، في حين يسعى الإسلامي إلى فرض "ثيوقراطية" صارمة تحكم كل تفاصيل الحياة الفردية والاجتماعية بقوة النص الديني المؤول أصولياً. ومع ذلك، فإن السيكولوجية الشعبوية السائدة تفضل تأجيل هذا الصدام الحتمي، والتركيز على العدو المشترك الحالي، مما يخلق حالة من التعامي الفكري المتبادل، حيث يغمض اليساري عينيه عن الفاشية الدينية الكامنة في أدبيات حليفه الأخضر، بينما يبتلع الإسلامي على مضض المظاهر السلوكية المنحلة في نظر عقيدته لحليفه الأحمر، طالما أن الهتاف المشترك في الشارع يصب في اتجاه تقويض شرعية ومؤسسات الدولة الوطنية الليبرالية.
النفاق القيمي الصادم: حين تسقط شعارات التنوير على عتبات الأصولية
يمثل التناقض القيمي والأخلاقي بين اليسار الراديكالي وتيارات الإسلام السياسي الفضيحة الفكرية الأكبر في المشهد السياسي الغربي الراهن، وهو التجسيد الحي للنفاق البنيوي الذي تمارسه هذه الحركات الشعبوية. تاريخياً، بنى اليسار الغربي شرعيته الوجودية على معارك التنوير، ومحاربة سلطة الكنيسة، والدفاع المستميت عن حرية التعبير الفردية، وحقوق المرأة الكاملة في التحرر من الوصاية الأبوية والدينية، فضلاً عن كونه رأس الحربة في شرعنة حقوق الأقليات الجنسية والجندرية. هذا الإرث الحقوقي الطويل والتضحيات المعرفية التي بُذلت على مدار قرون للتحرر من أسر الأصوليات الدينية، تتلاشى فجأة وتسقط بالكامل عندما يتعلق الأمر بالتحالف مع جماعات الإسلام السياسي، حيث يمارس اليسار رقصة بهلوانية من الصمت المتواطئ أو التبرير الالتفافي المخزي لكل الممارسات الأصولية التي تنتهك هذه الحقوق في الصميم.
في سياق هذا التحالف الهجين، نرى كيف تصمت الناشطات النسويات في أوساط اليسار الراديكالي عن قضايا اضطهاد المرأة، وفرض الملابس الدينية بالقوة، وجرائم الشرف، والتمييز الجندري الممنهج داخل المجتمعات الأصولية المنغلقة في العواصم الغربية، بل إن الأمر يصل ببعضهن إلى حد إعادة تعريف الحجاب والرموز الدينية المحافظة بوصفها أدوات لـ "التحرر والمقاومة ضد الهيمنة البيضاء"، في تزييف فج لكل بديهيات الفكر النسوي التحرري. وبالمثل، يغض ناشطو حقوق الأقليات الجنسية الطرف عن المواقف العقائدية الصارمة والعلنية لتيارات الإسلام السياسي التي تدعو إلى تجريم وثني واضطهاد هذه الفئات، بل إنهم يشاركون في مسيرات تقودها شخصيات ومنظمات تصف سلوكياتهم بالانحراف والفساد الأخلاقي، مما يخلق مشهداً مأساوياً يبدو فيه المستهدف بالاضطهاد وكأنه يصفق لجلاده المستقبلي ويحميه من النقد.
لتبرير هذا النفاق الصادم وإفلاته من المساءلة المنطقية، لجأ العقل اليساري الراديكالي إلى توظيف مفهوم "التقاطعية" بطريقة مشوهة وملتوية، حيث جرى تصنيف الإسلام والأصولية الدينية الشرقية لا كمنظومة أفكار وعقائد قابلة للنقد والتمحيص، بل كـ "هوية ثقافية وعرقية" لـ "أقلية مضطهدة". وفقاً لهذه التراتبية الشعبوية للمظلوميات، فإن انتقاد الأصولية الإسلامية أو نقد تغلغل الفكر الإخواني في المجتمعات الغربية يُعد شكلاً من أشكال العنصرية والاستعلاء الثقافي الأبيض، وبالتالي، تصبح حماية هذه المنظومة الأصولية المحافظة مقدسة ومقدمة على حماية الحقوق الفردية للمرأة أو المثليين داخل تلك المجتمعات نفسها. هذا الانتحار الفكري يعكس كيف تخلت هذه النخب اليسارية عن كونية قيم حقوق الإنسان، وتبنت بدلاً منها نسبية ثقافية انتهازية تسمح بموجبها بانتهاك أقدس مبادئ التنوير والعلمانية على عتبات الأصولية الدينية، طالما أن ذلك يخدم زخم التعبئة الشارعية ضد العدو الرأسمالي والإمبريالي المشترك.
سيكولوجية "المغفل النافع": الترسانة الغربية في خدمة الأصولية
في النصف الأول من القرن العشرين، صاغ القادة الشيوعيون مفهوم "المغفل النافع" لوصف أولئك الليبراليين وأبناء الطبقة البرجوازية الغربية الذين كانوا يدافعون عن الأجندة السوفيتية بحسن نية وسذاجة سياسية مفرطة، دون أن يدركوا أنهم يساهمون في حفر قبورهم بأيديهم. واليوم، يتكرر هذا المفهوم بدقة مذهلة وسيكولوجية متطابقة، حيث يلعب اليسار الراديكالي الغربي دور المغفل النافع بامتياز لصالح شبكات الإسلام السياسي، وتحديداً تنظيم الإخوان المسلمين الدولي وفرعياته المعولمة في الغرب. لقد أدركت هذه الجماعات الأصولية، بذكائها البراغماتي وقدرتها العالية على المناورة، أن الدخول في صدام مباشر مع المنظومة القانونية والحقوقية الغربية هو معركة خاسرة، وبدلاً من ذلك، قررت "اختراق المنظومة من الداخل" عبر تبني واستعارة الترسانة اللفظية والمفاهيمية لليسار التقدمي المعاصر.
عندما يتحدث قادة جماعات الإسلام السياسي ونشطاؤهم في الجامعات والمنابر الإعلامية الغربية، فإنهم لا يستدعون نصوص الحاكمية أو الجهاد أو إقامة الخلافة، بل يرتدون عباءة التدين المدني الحديث ويتحدثون بلغة رصينة ومتقنة حول "مناهضة العنصرية"، و"العدالة الاجتماعية"، و"حقوق الأقليات"، و"التنوع والشمول"، و"مكافحة الهيمنة الكولونيالية". لقد نجحت هذه التيارات في ابتكار وتكريس مصطلح "الإسلاموفوبيا" كأداة إرهاب فكري جبارة، وجرى تسويقها عبر الحلفاء من اليساريين الراديكاليين لدمجها ضمن تشريعات وقوانين خطاب الكراهية في الغرب. الهدف الحقيقي والعميق من وراء هذا التكتيك ليس حماية المواطنين المسلمين العاديين من التمييز أو الاعتداء — وهو مطلب شرعي وإنساني لا خلاف عليه — بل الهدف هو خلق "حصانة مطلقة" ودرع واقٍ يحمي أيديولوجيا الإسلام السياسي والفكر الأصولي من أي نقد علماني أو تمحيص فكري أو استقصاء أمني.
يتحرك الناشط اليساري الراديكالي في هذه اللعبة كمحامٍ متطوع ومدافع شرس عن الجماعات الأصولية، حيث يسارع إلى إشهار سلاح "الاتهام بالعنصرية" و"الإسلاموفوبيا" ضد كل من يتجرأ على نقد التغلغل الإخواني، أو يفضح شبكات التمويل المشبوهة، أو ينادي بضرورة دمج المهاجرين في الثقافة العلمانية للدولة الوطنية. لقد تحول اليسار بفعل هذه السذاجة الأيديولوجية إلى حارس لبوابة الأصولية، يقوم بإلغاء واغتيال السمعة المعنوية للمفكرين الأحرار، واللبراليين، والنساء المرتدات أو المستنيرات من خلفيات إسلامية، واللواتي يحاولن تحذير الغرب من مخاطر الفاشية الدينية الناعمة. تعيش النخب اليسارية وهم المقاومة المشتركة، بينما ينظر إليهم قادة التنظيمات الأصولية في اجتماعاتهم المغلقة بكثير من السخرية والازدراء، معتبرين إياهم مجرد قناطر عبور مؤقتة، ومغفلين نافعين يوفرون لهم الحصانة القانونية والغطاء الأخلاقي والسياسي لتشييد مجتمعاتهم الموازية والانفصالية داخل البنية الغربية، بانتظار لحظة التمكين التاريخية التي سيكون فيها هؤلاء اليساريون أول ضحاياها، تماماً كما حدث تاريخياً في تجربة الثورة الإيرانية عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين عندما تحالف اليسار مع الملالي ثم جرى إعدامهم وتصفيتهم فور استقرار السلطة الدينية.
اقتصاد الريع والسياسة: شبكات المصالح المشتركة من الشارع إلى الجامعة
لا يمكن لأي تحالف سياسي أن يستمر وينمو بهذا الشكل السرطاني بناءً على الأوهام الفكرية والتناقضات السيكولوجية وحدها، بل لا بد له من أرضية مادية صلبة، ونموذج عمل اقتصادي وسياسي يدر أرباحاً وريعاً متبادلاً على الأطراف المشتركة فيه. يتجسد هذا البعد البراغماتي في ذلك المزيج المعقد من المصالح الانتخابية، والتمويلات المالية الضخمة، والسيطرة المؤسسية التي تمتد من شوارع التظاهر إلى أروقة الجامعات العريقة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية في الغرب. هذا الريع السياسي والمالي هو الغراء الحقيقي الذي يحافظ على تماسك التحالف الأحمر-الأخضر رغماً عن كل الفضائح القيمية الناتجة عنه.
من المنظور السياسي الانتخابي، واجهت الأحزاب اليسارية الراديكالية والاشتراكية التقليدية في أوروبا وأمريكا أزمة وجودية حادة نتيجة تآكل قاعدتها العمالية التاريخية التي انزاحت نحو اليمين المحافظ أو الشعبوي بسبب مخاوف العولمة والهجرة. لتعويض هذا الفقد الكبير، وجدت هذه الأحزاب—مثل حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون أو أجنحة الحزب الديمقراطي التقدمية في أمريكا وحزب العمال البريطاني في فترات معينة—ضالتها في الكتلة التصويتية المتنامية للمهاجرين والمجتمعات المسلمة المحافظة المتركزة في ضواحي المدن الكبرى. هنا جرت الصفقة الانتهازية الكبرى؛ حيث تقدم النخب اليسارية تنازلات غامرة وممنهجة في ملفات العلمانية والدمج الثقافي وتغض الطرف عن الأنشطة الأصولية المحلية، وفي المقابل، يقوم قادة الحركات الإسلامية والجمعيات الإخوانية، والذين ينصبون أنفسهم كأوصياء ومتحدثين باسم هذه الجاليات، بتوجيه الكتلة التصويتية وحشدها بشكل قطيعي لصالح مرشحي اليسار في الانتخابات. هذا التبادل المصلحي حول الصوت الانتخابي إلى سلعة ريعية، وباتت حركات المقاطعة مثل (BDS) والمسيرات الكبرى وسيلة تعبئة مثالية لشحن العواطف وضمان بقاء هذه الخزان الاستراتيجي من الأصوات تحت سيطرة هذا التحالف الهجين.
على التوازي مع هذا الريع الانتخابي، يبرز اقتصاد الريع المالي والمؤسساتي الضخم الذي يغذي آلة هذا التحالف، وتحديداً من خلال اختراق الحواضر الأكاديمية والجامعات الغربية العريقة ومنظمات المجتمع المدني (NGOs). تحولت حركات المقاطعة والنشاط الطلابي الأصولي واليساري المشترك إلى صناعة قائمة بحد ذاتها، تعتمد على تدفق ميزانيات مالية ضخمة تأتي من منح ومؤسسات دولية، وتبرعات لجمعيات خيرية ناعمة، وصناديق دعم جامعية مخصصة للتنوع والعدالة الاجتماعية. يتم استثمار هذه الأموال في تنظيم المؤتمرات، وإصدار المنشورات، وتمويل الوظائف الاستشارية والبحثية المخصصة لترسيخ أطروحات "الدراسات الاستعمارية البديلة" ونظريات التفكيك. في هذا الفضاء الأكاديمي المترفه والمنفصل عن شروط الواقع الاقتصادي الحقيقي، يلتقي البروفيسور اليساري الباحث عن نجومية فكرية مع الناشط الأصولي الباحث عن شرعية سياسية، ليتحول الصراع السياسي من معركة لبناء القدرات المادية والصناعية إلى "بيزنس احترافي" للاحتجاج والاستعراض المستدام، تضمن النخب القائمة عليه بقاء تدفقات التمويل والمناصب والنفوذ الإعلامي، طالما استمرت حالة الغضب الجماهيري مشتعلة وطالما جرى إبقاء الحشود في حالة من الجهل المنطقي المطبق بغذائهم العاطفي اليومي من الشعارات الرنانة.
تصدع المنظومة وانتحار العقلانية الغربية
إن القراءة الفلسفية المعمقة والباردة لمسار هذا التحالف الانتهازي بين اليسار الراديكالي وتيارات الإسلام السياسي تكشف في نهايتها عن مأساة حقيقية تتعلق بانتحار العقلانية وفقدان البوصلة الحضارية في العالم المعاصر. إن هذا التحالف ليس مجرد عرض عابر للأزمات السياسية الجيوسياسية، بل هو مؤشر على خلل بنيوي أصاب النخب الفكرية الغربية التي تخلت عن دورها كحارس لقيم التنوير والحرية الفردية والعلم والمنطق البراغماتي، وانزلقت نحو شعبوية مدمرة تقتات على الغرائز وعواطف الحشود وإعادة تدوير المظلوميات التاريخية لتحقيق مكاسب ريعية تافهة وقصيرة الأجل.
إن شروط الواقع الصلبة ولغة التاريخ تؤكدان أن التحالفات المبنية على الكراهية المشتركة والرغبة في الهدم دون الاتفاق على نموذج البناء هي تحالفات انتحارية بطبيعتها ولا يمكن أن تنتج سوى الخراب المؤسسي والانغلاق المعرفي. عندما تسمح الدولة الوطنية الليبرالية لمؤسساتها التعليمية، وجامعاتها، ومنابرها الإعلامية بأن تصبح رهينة لهذا الإرهاب الفكري المزدوج—حيث يسلط اليسار سوط الإلغاء والوصم بالعنصرية، ويشهر الإسلامي سلاح التخوين والإسلاموفوبيا—فإنها توقع بوعي أو بدون وعي على وثيقة تراجعها الحضاري وتفكك سلمها الأهلي. إن حماية المجتمعات وحريات الأفراد الحقيقية تتطلب اليوم يقظة فكرية شجاعة وعقلانية براغماتية صارمة تتجرأ على كسر دوامة الصمت وفضح هذه الصفقات الانتهازية المقنعة بالفضيلة، والعودة إلى ترسيخ قيم العمل، والإنتاج المعرفي، والسيادة الصناعية، واعتبار الحرية الفردية والمساءلة النقدية خطوطاً حمراء غير قابلة للمقايضة أو التنازل في سوق المزايدات السياسية والشعبوية العابرة للقارات.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire