Translate

تفكيك بنية القداسة: الاقتصاد السياسي للخرافة وصناعة الوهم الجمعي (مقال)

.


.
تفكيك بنية القداسة: الاقتصاد السياسي للخرافة وصناعة الوهم الجمعي





تظل القداسة، بمختلف تفريعاتها وتمظهراتها اللغوية والعملية، من فكرة المقدس ذاته، إلى شخصية القديس أو الولي، وصولاً إلى طقوس التقديس، واحدة من أكبر الألغاز الفكرية التي واجهت الفلسفة النقدية وعلم الاجتماع السوسيولوجي على حد سواء. إن فحص هذا المفهوم خارج العباءة اللاهوتية يكشف عن كونه بنية لغوية ومعرفية فارغة من أي محتوى موضوعي أو مادي ملموس، إذ لا تستمد هذه الكلمة شرعيتها إلا من افتراض وجود كائن غيبي خيالي لا دليل علمياً عليه يُدعى الإله. ومن خلال هذا التفويض الغيبي، تتحول القداسة من مجرد مصطلح وصفي إلى أداة ميتافيزيقية ممتدة عبر التاريخ، تهدف في جوهرها إلى تعطيل المحاكمات العقلية لدى البشر، وجعل المجتمعات بيئة خصبة لتقبل الحماقات والأكاذيب دون نقد. إنها تشكل مدخلاً رئيساً لتكريس الجهل وتثبيت الخرافة، والأخطر من ذلك، أنها تتحول إلى ذراع أيديولوجية واقتصادية بالغة الكفاءة لاستغلال حاجة الناس وسلبهم أموالهم ومدخراتهم تحت مسميات البركة، والقربان، والنذر، والوساطة الروحية، مما يجعلها مشروعاً استثمارياً طفيلياً يقتات على ضعف الإنسان وعجزه المعرفي أمام ظواهر الطبيعة وقسوة الحياة المادية.
لكي نفهم الكيفية التي تعمل بها القداسة كآلية للتجهيل والاستغلال، لا بد من تفكيك الأساس المعرفي الذي تقوم عليه، وهو إلغاء مبدأ السببية العلمية والمادية وتشييد عالم موازٍ تحكمه المعجزات والكرامات الزائفة. في هذا العالم الخرافي، يصبح القديس أو الولي أو الحبر كائناً فوق بشري، يطير في الهواء، أو يحارب وحوشاً أسطورية وينتصر عليها، أو يلقى في النيران المشتعلة فلا يحترق، أو يقطع جسده إرباً ثم يعود للحياة بلمسة إلهية. هذه السرديات الميثولوجية، التي تشبه إلى حد كبير قصص الفلكلور الشعبي وحكايات الأطفال، لا تُطرح في السياق الديني كاستعارات أدبية، بل تُقدم كحقائق موضوعية يجب على المؤمن تصديقها والامتثال لها. وعندما يقبل العقل البشري هذه المرويات المخالفة لأبسط قوانين الفيزياء والبيولوجيا، يحدث شرخ معرفي في بنية التفكير تسمى طبياً ونفسياً بالتعطيل الإيحائي، حيث يصبح العقل مستعداً لتقبل أي أكذوبة أخرى تخدم المنظومة القائمة، طالما أن حاسة النقد لديه قد دُجنت تماماً تحت وطأة رهبة المقدس وخوف العقاب الغيبي.
إن هذا التعطيل المتعمد للعقل لا يحدث ترفاً، بل هو خطوة تأسيسية وتمهيدية لشرعنة وظيفة القديس أو الوسيط الديني كمسير لأمور أتباعه وحامٍ لهم من الشرور، وهي الوظيفة التي تفتح الباب على مصراعيه للاستغلال المالي المنظم. فالإنسان عبر تاريخه، عندما واجه الأوبئة، والفقر، والظلم السياسي، ولم يكن يمتلك الأدوات العلمية لتفسيرها أو الوسائل المادية لمقاومتها، وجد في هؤلاء الوسطاء مخرجاً وهماً يمنحه الطمأنينة الزائفة. والمؤسسات الدينية انتبهت مبكراً السيكولوجيا الخوف هذه، فربطت نيل الحماية وتسيير الأمور بمدى طاعة هؤلاء الوسطاء ودعمهم مادياً. وهنا يبرز الاقتصاد السياسي للدين، حيث تتحول الأوهام الروحية إلى سلع تُباع وتُشترى، ويصبح سلب أموال الناس عملية طوعية ومباركة يُقبل عليها الضحية بكامل إرادته المغيبة، ظناً منه أنه يشتري رضا الغيب أو يدفع عن نفسه غوائل الدهر، بينما المستفيد الحقيقي هو طبقة الكهنة والقائمين على الطقوس الذين يتحولون إلى طفيليات حقيقية تعيش على فائض إنتاج العمال والكادحين دون تقديم أي قيمة مادية ملموسة للمجتمع.
إذا تتبعنا هذا النمط الاستغلالي في الأديان الإبراهيمية الثلاثة، سنجد أن اليهودية قدمت نماذج مبكرة لكيفية مأسسة المقدس وتحويله إلى ريع مالي دائم عبر طبقة الكهنة واللاويين في التاريخ القديم. لقد شيدت السردية اليهودية مفهوماً صارماً حول قداسة الهيكل، والأواني المستخدمة فيه، والقرابين التي يجب أن تُقدم بشكل دوري لتكفير الذنوب ونيل البركة والحماية الإلهية. هذه القداسة تحولت سريعاً إلى منظومة جباية بالغة القسوة؛ إذ كان يُفرض على العائلات، حتى الأشد فقراً منها، جلب أفضل ما تملك من مواشٍ ومحاصيل لتقديمها كقربان على المذبح. ولم يكن الإله الافتراضي هو من يأكل هذه القرابين بطبيعة الحال، بل كانت تذهب مباشرة لإطعام طبقة الكهنة وعائلاتهم الذين أُعفوا من العمل والإنتاج بحجة تكريس وقتهم لخدمة خيمة الاجتماع أو الهيكل. وامتدت هذه الخرافة لتشمل تقديس الحاخامات والأحبار لاحقاً، حيث نشأت في بعض التيارات، كالحسيدية مثلاً، سرديات حول قدرة "التساديك" أو البار الخارق على شفاء الأمراض، وتسيير الرزق، وإلغاء الأحكام الإلهية القاسية بصلواته، مما جعل الأتباع يتدفقون على بلاط الحاخام محملين بالأموال والهدايا الضخمة لنيل بركته، مستبدلين التخطيط الاقتصادي والعلاج الطبي بالخضوع الأعمى لخرافة الرمز المقدس.
ولم تكن المسيحية أقل براعة في تطوير هذا الاستثمار الروحي، بل نقلته إلى مستويات تنظيمية وعالمية مرعبة خلال العصور الوسطى في أوروبا، من خلال الكنيسة الكاثوليكية ومؤسسة البابوية. لقد تم تضخيم مفهوم القديس بشكل غير مسبوق، وصيغت آلاف المرويات حول كرامات القديسين الذين هزموا التنانين، ونطقوا وهم في المهد، وعاشوا لسنوات دون طعام، وشعّت من أجسادهم أنوار سماوية. هذه الهالة من القداسة لم تكن مجرد زينة روحية، بل كانت العمود الفقري لاقتصاد الكنيسة؛ فقد تحولت عظام هؤلاء القديسين، وملابسهم، وحتى قطع الخشب التي زُعم أنها من الصليب الحقيقي، إلى "ذخائر مقدسة" تُعرض في الكاتدرائيات الكبرى. وكان يُطلب من الحجاج السفر لآلاف الأميال ودفع مبالغ مالية طائلة لمجرد النظر إلى هذه الذخائر أو لمسها طمعاً في الشفاء من الشلل أو الأعمى، وهي كذبة طبية فجة كلفت الفقراء مدخرات حياتهم. وتوجت الكنيسة هذا الفساد المعرفي والمالي بابتداع "صكوك الغفران"، حيث تحول تقديس سلطة البابا إلى حق مطلق في بيع قطع من الجنة وتخفيف عذابات المطهر مقابل مبالغ مالية محددة، مما يثبت أن القداسة المسيحية المؤسسية كانت الأداة الأكثر فاعلية في التاريخ البشري لتحويل الجهل بالآخرة إلى ثروات طائلة في الدنيا لصالح رجال الدين العاطلين عن الإنتاج.
أما في الفضاء الإسلامي، فرغم أن النص التأسيسي جاء بمظهر يحارب الوساطة الكهنوتية المباشرة، إلا أن الممارسة التاريخية والاجتماعية سرعان ما أعادت إنتاج نفس البنية الخرافية للقداسة تحت مسميات "الولاية" و"الكرامات" وأموال "الخمس" والزكاة الموجهة لشخصيات معينة. لقد نشأ في المخيال الشعبي، وبتشجيع من طرق صوفية ومؤسسات مذهبية، مفهوم "الولي الصالح" أو "القطب" الذي يملك التصرف في الكون، ويعلم الغيب، ويطوي الأرض في لمحة بصر، ويحمي مدينته أو قريته من الكوارث. وتحولت أضرحة هؤلاء الموتى وقبورهم إلى مزارات مقدسة تُشد إليها الرحال، وتُذبح عندها الذبائح، وتُلقى في صناديق نذورها ملايين الأموال سنوياً من قِبل وبسطاء الناس وفقرائهم الذين يبحثون عن شفاء لمريض أو تيسير لرزق. هذه الأموال الضخمة المجموع باسم النذور والبركة لا تذهب لإعمار حياة هؤلاء الفقراء، بل يستولي عليها سدنة الأضرحة والمنتسبون لنسل الولي، الذين يتحولون بفعل هذه الخرافة إلى طبقة مرفهة عاطلة عن العمل، تستمد شرعيتها الاقتصادية والاجتماعية من عظام نخرة في التراب وأساطير لم تحدث قط. وفي سياقات مذهبية أخرى، جرى تقديس "المرجع" أو "الشيخ" لدرجة جعلت فتاواه معصومة وفوق النقد، وتحول دفع الأموال له تحت بند الحقوق الشرعية واجباً غيبياً لا يسقط عن المؤمن، مما عمق عطالة العقل وجعل المجتمع رهينة فكرية واقتصادية لرجال يعيشون في القصور بحجة تمثيلهم لتعاليم السماء.
إن القاسم المشترك بين هذه الأمثلة كلها في الأديان الثلاثة هو أن الخرافة لا يمكن أن تستمر وتزدهر وتراكم الأكاذيب دون أن تحميها بنية تفكير قائمة على تقديس الرموز والنصوص وإلغاء السؤال النقدي. فالمنظومة الدينية تدرك تماماً أن فتح باب السببية العلمية ومطالبة الأدلة المادية والموضوعية سيهدم المعبد على رؤوس القائمين عليه؛ فلو تساءل الأتباع بعقلانية: كيف يمكن لعظام قديس مات قبل قرون أن تشفي مريضاً بالسرطان عجز عنه كبار الأطباء؟ أو كيف يمكن لشيخ يعيش في ترف كامل أن يضمن للمؤمن قصراً في الجنة بمجرد منحه مبلعاً من المال؟ لو طُرحت هذه الأسئلة بوعي نقدي، لانهارت القداسة فوراً وتبخرت معها الامتيازات المالية والسياسية لطبقة رجال الدين. لذلك، يتم توظيف القداسة كحاجز نفسي ومعرفي يمنع المؤمن من التفكير، ويصم كل من يحاول إعمال عقله بالكفر، أو الزندقة، أو الهرطقة، وهي تهم تهدف في جوهرها إلى حماية "الدجاجة التي تبيض ذهباً" للمؤسسة الدينية، أي حماية بيئة الجهل والتجهيل التي تضمن تدفق التبرعات والأموال دون انقطاع.
إن تحويل الإنسان لاهتماماته من التغيير المادي والعملي والبحث العلمي إلى الركوع أمام عتبات المقدس يمثل الخسارة الأكبر للحضارة البشرية. فعندما يعتقد المجتمع أن حلول مشاكله الاقتصادية والسياسية والصحية تكمن في بركة القديس، أو صلاة الحاخام، أو دعاء الشيخ، يصاب هذا المجتمع بالعطالة الفكرية التامة، ويتخلى عن مسؤوليته في البناء والتغيير والتخطيط العلمي، منتظراً المعجزة الغيبية التي لن تأتي أبداً. وفي غضون هذا الانتظار الطويل، تستمر الكنائس، والمساجد، والمعابد، والأضرحة في تجميع الثروات، وبناء الأبنية الفاخرة المزينة بالذهب والرخام، واستهلاك الطاقة والموارد، بينما يزداد الأتباع فقراً وجهلاً وبؤساً. إنها النكتة التاريخية الأكثر مأساوية؛ حيث يمنح الفقير لقمة عيشه وقوت عياله لرجال يزعمون خدمتهم لكائن وهمي في السماء، مقابل وعد بوهم لن يراه أحد، ليعيش هؤلاء الوسطاء في رغد العيش على الأرض بفضل غباء وضياع من اتبعوهم.
في نهاية المطاف، يتضح أن نقد القداسة وتفكيك مفرداتها ليس مجرد ترف فكري أو مناكفة فلسفية، بل هو ضرورة تحررية حتمية لاسترداد العقل البشري المنهوب ووقف النزيف المادي والاقتصادي للمجتمعات. إن إسقاط صفة المقدس عن الأشخاص، والنصوص، والأماكن، وإعادتها إلى حجمها الطبيعي كمنتجات بشرية وتاريخية خاضعة للنقد والفحص والمساءلة، هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع عقلاني يعتمد على العلم والسببية في إدارة شؤونه وتطوير حياته. وما لم تستيقظ الجماهير وتدرك أن تلك الهالات الذهبية المرسومة حول رؤوس القديسين والأحبار والشيوخ ليست سوى أقنعة أيديولوجية تخفي وراءها أطماعاً مالية وسلطوية بحتة، فإن الخرافة ستظل تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة، وتستمر المؤسسات الدينية في ممارسة وظيفتها التاريخية كشركات تجارية تبيع الوهم وتشتري وعي الشعوب بأموالهم ذاتها.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...