.
.
القديس جون كولترين: الروح القدس هزم الإدمان وعجز أمام سرطان الكبد
تظل النزعة البشرية نحو صناعة المقدس واحدة من أعقد الظواهر السوسيولوجية والنفسية عبر التاريخ، وهي نزعة لا تتوقف عند حدود العصور القديمة أو البيئات البدائية، بل تمتد لتخترق المجتمعات الحديثة والمدنية، مستغلة الفنون والرموز المعاصرة لإعادة إنتاج التجهيل وتكريس الخرافة. ولعل القصة الغريبة والمثيرة للدهشة لكنيسة عازف الجاز الأمريكي الشهير جون كولترين (John Coltrane)، الذي تحول في نظر أتباعه إلى قديس تخرج ألسنة النيران الروحية من آلة الساكسفون الخاصة به، تمثل النموذج الأمثل لكيفية تحوير الحقائق البشرية المادية وتحويلها إلى أساطير غيبية تخدم مصالح مؤسسية واقتصادية وتلغي الحاكمة العقلية والعلمية تماماً.
ولد جون كولترين في عشرينيات القرن الماضي ليكون واحداً من أبرز العباقرة والمجددين في تاريخ موسيقى الجاز الأمريكية، حيث تميز بأسلوبه التجريبي المعقد وقدرته الفذة على الابتكار الموسيقي التي غيرت ملامح هذا الفن إلى الأبد. غير أن حياة كولترين، ككثير من أبناء جيله من موسيقيي الجاز السود في تلك الحقبة، كانت غارقة في بؤس الإدمان الحاد على مادة الهيروين والكحول، وهو الأمر الذي وثقته سجلات نوادي الجاز وشهادات زملائه ومنافسيه علناً، وأدى في نهاية المطاف إلى طرده المهني المهين من فرقة الموسيقي الشهير مايلز ديفيس بعد أن أصبح الإدمان يعوق قدرته على الأداء المنضبط ويفسد الحفلات الحية. هذا الواقع المأساوي البحت كان مجرد أزمة صحية وسلوكية يعاني منها إنسان مبدع في بيئة اجتماعية قاسية، لكنه تحول لاحقاً إلى المادة الخام التي نسجت منها المنظومة الدينية أسطورتها الكبرى.
بعد سنوات من المعاناة، نجح كولترين في الإقلاع عن الإدمان بشكل مفاجئ وصارم من خلال الإرادة النفسية الذاتية القاسية والعزل الجسدي بمساعدة عائلته، وهي العملية المعروفة طبياً بالانقطاع المفاجئ عن التعاطي بكل ما تحمله من آلام وخطورة بيولوجية. غير أن كولترين نفسه، وتحت تأثير الصدمة النفسية والفراغ الوجودي الذي يخلفه التعافي، صبغ على هذه التجربة طابعاً روحياً ذاتياً معتبراً إياها استماعاً لصوت الإله، وهو ما ترجمه موسيقياً في ألبومه الشهير حب أسمى، لتلتقط المؤسسة الدينية الناشئة بعد وفاته هذا الخيط، وتبدأ في غزل شبكة معقدة من الأكاذيب والتحويرات التي تهدف إلى تحويل العازف الراحل إلى قديس يمتلك قوى شفائية وغيبية خارقة يتبرك بها الأتباع ويدفعون من أجلها التبرعات والأموال.
يغلف أتباع كنيسة القديس جون كولترين الأرثوذكسية الإفريقية هذا الموسيقي بهالة ضخمة من القداسة والكرامات المفتعلة، حيث يزعمون أن الموسيقى والترددات الصوتية والنغمات التي كان يطلقها من ساكسفونه لم تكن مجرد فن بشري، بل كانت تجسيداً مباشراً للروح القدس يتحدث عبر الآلة المعدنية. وتتجاوز السردية الخرافية حدود الإعجاب الفني لتصل إلى ادعاء أن نغمات كولترين تملك طاقة إعجازية قادرة على تطهير أجساد المرضى والمدمنين من الأسقام وإخراج شياطين الإدمان من عروقهم، وتحول القداس في هذه الكنيسة إلى جلسة عزف جاز طويلة يُتعامل فيها مع الألبومات الموسيقية كنصوص مقدسة تمنح المستمعين صكوك الطمأنينة والشفاء، مرسخين بذلك فكرة الرمزية الروحية الشافية التي تلغي تماماً دور الطب والعلم.
إن هذه القداسة المصنوعة لا تولد من فراغ، بل هي آلية ممنهجة تستغل وتحور وتراكم الأكاذيب على الوقائع التاريخية بهدف الخداع الفكري وتحقيق مكاسب مادية ومؤسسية مستدامة، إذ تعتمد المنظومات الدينية والخرافية على استراتيجية ذكية تقوم على أخذ حقائق بشرية حقيقية تماماً، مثل موهبة كولترين الفذة ومعركته النفسية الشاقة للتعافي من المخدرات، ثم نزع السببية الطبيعية عنها وإعادة مغادرتها بغلاف غيبي معجز. هذا التحوير في السرد يحول الجهد البشري الصرف والإرادة الإنسانية إلى كرامة إلهية منسوبة للمقدس، مما يجعل الأتباع مستعدين لتقبل أي حماقة أو تزييف قادم، طالما أن المعجزة الأولى قد تم إثباتها وترسيخها في وجدانهم عبر العاطفة الموسيقية والطقوس الروحية المهيبة.
وتقف قصة هزيمة الروح القدس والساكسفون للإدمان كشاهد صارخ على الطرح اللاحق واللامنطقي الذي يصطدم مباشرة مع الحقائق العلمية والطبية الصامتة، فالعلم الحديث وعلم الأعصاب يؤكدان بشكل قاطع أنه لا توجد نوتة موسيقية أو تردد صوتي أو معزوفة جاز يمكنها إعادة هيكلة المسارات العصبية في الدماغ التي دمرها إدمان مادة كيميائية شرسة مثل الهيروين. إن الإقلاع عن الإدمان يتطلب تدخلاً طبياً وعلاجاً سلوكياً صارماً، وما عاشه كولترين من أهوال جسدية ونفسية أثناء فترة انسحاب المخدر من جسده كان مواجهة بيولوجية ونفسية بحتة انتصر فيها بفضل عناده ودعم محيطه الاجتماعي، لكن قلب السببية في الرواية الكنسية يجعل من الساكسفون أداة سحرية خارقة للطبيعة، وهو زيف معرفي يرسخ الجهل ويوهم الناس بأن النغمات والبركات الروحية يمكن أن تدمر التفاعلات الكيميائية المعقدة داخل الجسد البشري.
وتصل النكتة السوداء والمفارقة الفاضحة لقصة هذه القداسة المفتعلة إلى ذروتها عندما يصطدم هذا الوهم المعرفي بالجدار الصلب للواقع البيولوجي؛ فلماذا عجز الروح القدس وعجز الساكسفون المقدس عن إنقاذ حياة كولترين من سرطان الكبد؟ فبينما يتبجح أتباع الخرافة بقدرة الموسيقى والبركة الإلهية على هزيمة إدمان الهيروين وتطهير الجسد، وقف الساكسفون مشلولاً وعاجزاً تماماً أمام خلايا السرطان التي انقسمت بشكل عشوائي وقاتل في كبد العازف لتنهي حياته في سن الأربعين. إن السرطان خلل جيني وبيولوجي صارم لا تؤثر فيه روعة العزف ولا تغيره العاطفة الروحية، وموت كولترين المبكر يمثل الفضيحة المنطقية التي تكشف بشكل قاطع أن "المعجزة" الأولى لم تكن سوى إنجاز بشري طبيعي تم السطو عليه وتجييره لصالح الغيبيات، بينما كشف المرض العضوي حقيقة العجز الكامل للمقدس أمام قوانين الطبيعة والبيولوجيا.
أمام هذا العجز الفاضح والموت المدوي للقديس المزعوم، لا تتراجع المؤسسات الدينية ولا تعترف بزيف مروياتها، بل تبدأ على الفور في صياغة وتدوير التخريجات المنافقة والتبريرات الالتوائية لترسيخ الخرافة وحماية مصالحها الاقتصادية والوجاهية. وتتحرك الماكينة الأيديولوجية للكنيسة لتحويل الهزيمة الطبية البيولوجية إلى انتصار روحي جديد من خلال سرديات جاهزة ومكررة عبر التاريخ، من قبيل الادعاء بأن الإله قد استدعى قديسه إلى السماء بعد أن أتم رسالته الروحية على الأرض، أو أن الجسد الفاني مات لتخلد الروح والنغمات في ملكوت أبدي. هذا التحريف المتعمد للسرد وتبرير الفشل الطبي يهدف بالأساس إلى منع الأتباع من إعمال عقولهم أو التساؤل عن سبب غياب الشفاء الإعجازي في اللحظة الحرجة، لأن استيقاظ العقول واكتشاف زيف البركة يعني التوقف الفوري لتبرعات الدخل وعشور الأموال التي تضمن بقاء الكهنة والمؤسسة.
إن الاقتصاد السياسي للدين يفسر بوضوح لماذا يستمر تدوير وتحريف هذه السرديات الخرافية رغم الأدلة الفاضحة التي تكشف عجزها؛ فالمؤسسات الدينية، ومنها كنيسة كولترين، تحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة لتمويل مبانيها وطقوسها وضمان معيشة القائمين عليها الذين يعيشون كطفيليات اجتماعية تقتات على فائض إنتاج العمال والمؤمنين عبر بيع الأوهام والسلع الروحية والوعود الشفائية. ولكي تستمر هذه التدفقات المالية وتظل التبرعات سخية، يجب أن تظل الخرافة حية ومهابة في عقول الأتباع، مما يدفع الكهنة إلى ممارسة النفاق المعرفي والالتفاف على الحقائق العلمية وتبرير الموت والاضطهاد كجزء من خطة إلهية غامضة، مستغلين حاجة الفقراء والمهمشين للدعم الاجتماعي والخبز المجاني ليقايضوهم إياه بالسيطرة التامة على عقولهم وتعميق خرافة القداسة الزائفة.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire