Translate

البرديات المصرية والمسكوكات الأموية: الفجوة التاريخية بين محمد التراث ومحمد الآثار (مقال)

.


.
البرديات المصرية والمسكوكات الأموية: الفجوة التاريخية بين محمد التراث ومحمد الآثار




تأسست السردية التقليدية للتاريخ الإسلامي على ترسانة ضخمة من المرويات الشفهية التي لم تجد طريقها إلى التدوين المستقر إلا بعد مرور أكثر من قرن ونصف من الزمان على الأحداث التأسيسية المفترضة. في المقابل، تفرض العلوم الأركيولوجية والوثائقية المعاصرة منهجاً صارماً يقوم على استنطاق الشواهد المادية المعاصرة لزمن الحدث، مثل المسكوكات، والنقوش الصخرية، وأوراق البردي، والوثائق الدبلوماسية والإدارية اللحظية. عندما نضع الرواية التراثية الكلاسيكية في مواجهة هذه الشواهد المادية الصامتة والمحايدة، تبرز فجوة معرفية وتاريخية هائلة بين صورتين مختلفتين تماماً؛ صورة "محمد التراث" المحاط بهالة لاهوتية مكتملة وتفاصيل تشريعية دقيقة، وصورة "محمد الآثار" الغائب بشكل شبه كامل عن وثائق العقود الأولى للفتوحات العربية. إن هذه الفجوة لا تعبر عن مجرد نقص في التوثيق، بل تكشف عن سيرورة مادية وسياسية معقدة جرى من خلالها ابتكار وصياغة الشخصية الدينية للتراث في مرحلة لاحقة بأمر من السلطة الإمبراطورية الناشئة، وتحديداً في العهد المرواني، بغرض منح هوية أيديولوجية ومصلحية موحدة لدولة عسكرية مترامية الأطراف كانت تحتاج إلى مقدس متعالٍ لشرعنة توسعها وتثبيت حكمها.
تبدأ الرحلة التفكيكية لهذه الفجوة من فحص الوثائق الإدارية واليومية المعاصرة لزمن تدفق الجيوش العربية خارج شبه الجزيرة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن السابع الميلادي، وتعد البرديات المصرية المكتشفة واحدة من أهم الأرشيفات المادية المباشرة التي سجلت كواليس ذلك التحول الجيوسياسي العاصف. في برديات مثل أرشيف "أفروديتو" أو وثائق الجباية والتموين المبكرة باللغتين اليونانية والقبطية، والتي دونها موظفون محليون تحت إشراف القادة العرب الفاتحين، يظهر صمت معرفي مطبق ومذهل حيال المصطلحات الدينية الأساسية للإسلام الكلاسيكي. لا تذكر هذه البرديات اللحظية شيئاً عن دين جديد يسمى "الإسلام"، ولا تشير إلى كتاب مقدس يدعى "القرآن"، كما يغيب اسم "محمد" تماماً عن المعاملات والرسائل الإدارية التي كانت تعنى بتفاصيل دقيقة مثل توزيع القمح، والزيت، والضرائب، وجباية الجزية. الفاتحون الجدد يشار إليهم في هذه الوثائق المعاصرة بمصطلحات عرقية أو جغرافية محضة، فهم "الهاجريون" نسبة إلى هاجر، أو "الإسماعيليون"، أو "السراسنيون"، أو "العرب"، بينما يطلق العرب على أنفسهم في النقوش المبكرة اسم "المهاجرون"، دون أي ربط لاهوتي بنبي أو برسالة غيبية متميزة عن الموروث التوحيدي اليهودي والمسيحي السائد في المنطقة.
هذا الصمت الوثائقي المادي لا يقتصر على برديات مصر، بل يمتد ليشمل الأرشيفات الرسمية للإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، وهما القوتان العظميان اللتان التهمت الجيوش العربية أراضيهما. المؤرخون المعاصرون لأحداث الفتوحات، مثل توماس القسيس في الشام، أو يوحنا النيكيوسي في مصر، أو أصحاب الحوليات السريانية والأرمنية المبكرة، سجلوا اجتياح العرب بوصفه كارثة عسكرية وسياسية أو عقاباً إلهياً، لكنهم لم يدركوا أنهم يواجهون ديناً جديداً منفصلاً ومنظماً. كتاباتهم تصف الغزاة بأنهم شعوب بدوية تتبع قائداً أو حكيماً أشار بعضهم إليه باسم "محمد" بوصفه قائداً عسكرياً أو مبشراً بأرض الميعاد لليهود والعرب معاً، دون أي إشارة إلى شريعة قرآنية مستوحاة من السماء تلغي أو تحرف المسيحية واليهودية. إن غياب التمايز اللاهوتي في الوثائق المعاصرة يشير بقوة إلى أن الحركة العربية المبكرة لم تكن حركة دينية بالمعنى الكلاسيكي المنفصل، بل كانت هجرة عسكرية وسكانية كبرى مدفوعة بأزمات اقتصادية وبيئية في الجزيرة، ومستفيدة من الإنهاك المتبادل بين الفرس والروم، ولم تكن واعية بذاتها كـ "إسلام لاهوتي" إلا بعد عقود طويلة من الاستقرار في أرض الخراج.
يتجلى الدليل المادي الأكثر صلابة على هذه الفجوة التاريخية في علم المسكوكات، فالعملات هي الوثيقة الرسمية السيادية المباشرة التي تصدرها الدولة لتعبر عن هويتها وأيديولوجيتها الرسمية أمام الجمهور والتجار. عندما استولى الخلفاء الراشدون والأمويون الأوائل على دور الضرب الساسانية والبيزنطية، لم يغيروا المنظومة النقدية ولم يستبدلوها بعملات تحمل شعارات إسلامية. المسكوكات الصادرة في عهد عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحتى معاوية بن أبي سفيان، ظلت تحمل صور الأباطرة الأكاسرة والبيزنطيين مع رموزهم الدينية الصريحة مثل الصليب المسيحي والتاج المجوسي الناري. التعديل الوحيد الذي أدخله القادة العرب كان إضافة كلمات بروتوكولية صغيرة بالخط الكوفي على الهامش، مثل "بسم الله" أو "جائز"، وفي بعض العملات النادرة لمعاوية في الشام، نجد صورته وهو يحمل السيف وعلى رأسها الصليب البيزنطي، وفي نقوش أخرى يلقب نفسه بـ "أمير المؤمنين" كعنوان سياسي وإداري محض لزعيم تحالف قبلي عسكري، دون أي ذكر لشهادة أن محمداً رسول الله، ودون أي إشارة لاهوتية تميز دولته عن المحيط المسيحي الذي كان يدير دواوينه المالية والإدارية.
إن هذا الغياب الأركيولوجي لاسم النبي والرموز الإسلامية المعيارية على مدى أكثر من نصف قرن من بداية التقويم العربي يطرح علامة استفهام ضخمة تعجز الرواية التراثية عن الإجابة عنها دون الوقوع في التناقض. لو كان الإسلام قد نزل ديناً مكتملاً بشريعته، ومصحفه، وشعائره، ومركزية نبيه في مكة، لكان من البديهي أن تعكس العملات والنقوش الرسمية للدولة الفاتحة هذه الهوية الروحية الفائقة، خاصة أن العرب كانوا في حالة مواجهة عقائدية وحضارية مع إمبراطوريات قائمة على لاهوت ديني صارم. غير أن التفسير المادي العقلاني يرى أن النخبة العربية المبكرة، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، لم تكن مهتمة ولا قادرة على صياغة لاهوت منفصل؛ بل كانت تدير إمبراطورية "بروتو-توحيدية" فضفاضة تضم العرب واليهود والمسيحيين التابعين لهرطقات محلية، تحت مظلة سياسية وعسكرية واحدة هدفها الأساسي الاستقرار، وجمع الجباية، وتوطين القبائل، وتسيير أمور الحكم عبر البنى الإدارية البيزنطية والساسانية القائمة بالفعل، دون الحاجة إلى نص لاهوتي مقدس خاص يقطع حبال التواصل والتعاون مع الأغلبية المسيحية واليهودية الناطقة باليونانية والسريانية والتي تدير مفاصل الدولة اليومية.
حدث الانقلاب الجذري والهندسة الحقيقية للهوية الدينية الإسلامية مع صعود عبد الملك بن مروان إلى سدة الخلافة في دمشق عام خمسة وستين للهجرة، بعد فترة عصيبة من الحروب الأهلية الطاحنة التي كادت تعصف بالدولة العربية الناشئة (الفتنة الثانية). واجه عبد الملك بن مروان تحديات مصيرية هددت شرعيته السياسية؛ فقد كان ينازعه على الخلافة عبد الله بن الزبير في الحجاز الذي سيطر على مكة ورمزية البيت الحرام، وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضغط عسكرياً على الحدود الشمالية للشام وتطالب بدفع الجزية، بالإضافة إلى الاضطرابات العسكرية المستمرة من الخوارج والقبائل المتمردة في العراق وخراسان. في هذا المأزق المادي الصعب، أدرك عبد الملك بن مروان أن الاعتماد على الشرعية القبلية أو القوة العسكرية المجردة لم يعد كافياً لإنقاذ الإمبراطورية وصيانة وحدتها، وأن الدولة بحاجة ماسة إلى عملية "مركزه أيديولوجية" كبرى تصهر شتات القبائل في هوية قومية لاهوتية موحدة تفصلهم نهائياً عن الروم والفرس وتمنح حاكم دمشق شرعية مطلقة تتجاوز جغرافيا الحجاز المتنازع عليها.
هنا بدأت الدولة الأموية، عبر جهازها البيروقراطي وكتبة بلاطها ومحدثيها، في استخدام "محمد" كرمز ديني مركزي وصياغة شخصيته التاريخية واللاهوتية بأثر رجعي لخدمة التمدد الإمبراطوري وتثبيت حكم آل مروان. في عام اثني وسبعين للهجرة، وتحديداً في خضم الصراع مع ابن الزبير، أصدر عبد الملك بن مروان قراراً تاريخياً بإعادة بناء قبة الصخرة في القدس، وجعل منها مسرحاً معمارياً وبصرياً للمقدس الأموي الجديد. النقش الداخلي لقبة الصخرة، وهو أقدم وثيقة أركيولوجية إسلامية باقية حتى اليوم، يحمل لأول مرة وبشكل رسمي العبارة اللاهوتية الحاسمة: "محمد رسول الله". هذا النقش لم يكن مجرد إعلان إيمان شخصي، بل كان بياناً سياسياً ودبلوماسياً موجهاً بالدرجة الأولى إلى الإمبراطورية البيزنطية والمسيحيين؛ حيث تضمن النص هجوماً عقائدياً صريحاً على عقيدة التثليث وألوهية يسوع، معلناً تفوق الرسالة الجديدة وهيمنتها ووراثتها للأرض والمقدسات.
بالتزامن مع هذا الإعلان المعماري، قاد عبد الملك بن مروان وبمساعدة وزيره القوي الحجاج بن يوسف الثقفي ثورة نقدية واقتصادية شاملة تمثلت في "تعريب المسكوكات". جرى إلغاء الصور الكسروية والبيزنطية تماماً، وحُذفت الصلبان والرموز الوثنية والمجوسية من الدنانير والدراهم، واستُبدلت بنقود إسلامية خالصة لا تحتوي إلا على نصوص دينية مكتوبة بالخط الكوفي. حملت هذه العملات الجديدة شعارات التوحيد الصارم المستوحاة من سورة الإخلاص، مع تثبيت عبارة "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون". إن ظهور اسم محمد فجأة على العملات الرسمية للدولة في هذه اللحظة بالذات يثبت أن الشخصية جرى تفعيلها سياسياً وأيديولوجياً كأداة للمواجهة القومية والدولية؛ فالعملة التي يتداولها الملايين في أرجاء الإمبراطورية أصبحت تحمل الهوية البصرية والعقائدية للمركز الحاكم في دمشق، وصار الإيمان بالرسول موازياً ومطابقاً للولاء لخليفة المسلمين المرواني الذي يمثل ظل الله على الأرض والنائب عن نبيه.
لم تقتصر هندسة الشخصية الدينية للتراث على المسكوكات والمباني، بل شملت البنية النصية والتشريعية نفسها. يرجح تيار المدرسة النقدية في الدراسات الإسلامية أن النص القرآني، الذي كان يتداول كشظايا ونصوص شفهية ومكتوبة متنوعة بين الأمصار، خضع في العهد المرواني لعملية جمع، وضبط، وتحرير نهائية بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، لتوحيد المصاحف وحرق القراءات المخالفة التي كانت تغذي التمردات السياسية في الكوفة والبصرة والحجاز. من خلال هذا التثبيت النصي، جرى رسم الحدود اللاهوتية القاطعة لـ "الإسلام الكلاسيكي"؛ فتحول محمد من قائد تاريخي أو مبشر محلي لحركة المهاجرين، إلى "خاتم الأنبياء" وصاحب الشريعة المطلقة والمهيمنة. تطلبت هذه الصياغة إنشاء علم الحديث والسيرة النبوية لاحقاً، حيث ضُخت آلاف المرويات الشفهية المعزوة إلى الصحابة والتابعين لتفسير الآيات القرآنية بما يتوافق مع الاحتياجات الإدارية، والتشريعية، والسياسية للدولة الإمبراطورية الناشئة، وبما يبرر استمرار جباية الأموال والجزية، ويسوغ الفتوحات العسكرية المستمرة كواجب ديني مقدس وليس كغزو اقتصادي دنيوي.
من المنظور المادي التاريخي، تكشف هذه الصيرورة أن ظهور الأديان الكبرى لا يحدث في الفراغ الروحي عبر معجزات ميتافيزيقية تهبط فجأة وتغير مجرى التاريخ، بل هو نتاج صراعات قوى وعلاقات إنتاج مادية واقتصادية تحتاج إلى غطاء أيديولوجي لتنظيم صفوفها وتشريع امتيازاتها وسلطانها. الدولة العربية بعد الفتوحات وجدت نفسها تحكم شعوباً ذات تقاليد حضارية وثقافية عريقة في التدوين واللاهوت، مثل السريان والأقباط والفرس واليونان، ولم يكن بإمكان هذه الدولة الفتية البقاء والاستمرار كقوة حاكمة وهي تفتقر إلى "كتاب مقدس" ونظام تشريعي مستقل ونبي خاص يمنحها التمايز والسيادة المعرفية. لذلك، قامت السلطة السياسية الحاكمة برعاية عملية صياغة التراث وهندسته، مستعارةً المواد الأولية من الفولكلور الديني والمأثورات الشفهية والقصص التوراتي والمدراشي والأناجيل المنحولة المتداولة في الشرق الأدنى، وأعادت تدويرها وطبخها لاهوتياً لتنتج منها النص القرآني والسيرة النبوية بصورتها الكلاسيكية النهائية.
إن الفجوة التاريخية بين "محمد التراث" و"محمد الآثار" هي دليل ساطع على أن الرواية التراثية الكلاسيكية هي تاريخ كتبه المنتصرون بأثر رجعي بعد استقرار إمبراطوريتهم وتمكنها، وهي لا تعبر عن الواقع المادي للقرن الأول الهجري بقدر ما تعبر عن طموحات وتصورات النخب العباسية والأموية المتأخرة التي أدرجت صراعاتها السياسية والمذهبية داخل النص الديني التأسيسي. عندما نستنطق البرديات المصرية الصامتة عن ذكر الإسلام والمسكوكات الأموية المبكرة الحاملة للصلبان، نكتشف أن "الإسلام التاريخي الأول" كان حركة مختلفة تماماً عن الصورة الفقهية واللاهوتية المتأخرة؛ كان حركة واقعية دنيوية تبحث عن الأرض والخراج والثروة والاستقرار السياسي، وقادتها نخب قبلية وعسكرية ذكية تلاعبت بالرموز والشعارات الدينية ببراعة وبروح برغماتية محضة، حتى استوت الإمبراطورية على سوقها فصنعت لنفسها ديناً وكتاباً ونبياً يضمن خلودها المعرفي والسياسي في ذاكرة التاريخ. إن تجريد التاريخ المبكر من هالاته الغيبية وقراءته عبر الشواهد الأركيولوجية الصارمة يعيد بناء الوعي بالماضي على أرضية مادية صلبة وعقلانية، بعيداً عن أوهام السرديات اللاهوتية التي وظفتها السلطة عبر العصور لتدجين العقول وإدامة خضوع الشعوب.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...