.
.
هندسة العدم: تشريح التفاهة البنيوية في خرافات آخر الزمان الإبراهيمية
تُمثّل خرافات "آخر الزمان" في المنظومات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في تاريخ الوهم البشري، حيث لا تقتصر خطورتها على كونها مجرد تصورات غيبية، بل في كونها أدوات تخدير جمعي تُعطل العقل عن إدراك الواقع المادي وتستبدله بمسرحية كونية رديئة الإخراج. إن البحث العقلاني في جذور هذه النبوءات يكشف عن تفاهة بنيوية تفتقر إلى أي سند منطقي أو أركيولوجي، حيث تتغذى هذه الأساطير على اليأس الإنساني والجهل بقوانين الطبيعة والتاريخ. إن ما يربط بين "يوم الرب" في اليهودية، و"الأيام الأخيرة" في المسيحية، و"أشراط الساعة" في الإسلام، ليس وحياً متعالياً، بل هو تناص ميثولوجي فج يعكس كيف استلهمت كل ديانة من سابقتها أدوات التحيّل النفسي لصناعة أمل زائف يبرر العجز الحالي ويعد بنصر مستقبلي لا يتحقق أبداً. تبدأ هذه الرحلة في التضليل من خلال افتراض وجود "نهاية" درامية للكون مصممة خصيصاً لتناسب طموحات جماعة بشرية محددة، وهو افتراض ينطوي على نرجسية بدائية تجعل من كوكب صغير في زاوية منسية من المجرة محوراً لاهتمامات كائن كوني مطلق، وهي الفكرة التي تسقط تماماً أمام ضخامة الحقائق الفلكية والبيولوجية التي تؤكد أن الكون يسير وفق قوانين فيزيائية صماء لا تعبأ بالأحلام البشرية المريضة.
إن المتأمل في النسخة اليهودية لآخر الزمان يجدها انعكاساً مباشراً لآلية "التعويض عن الدونية"، فاليهودية التي عانت من السحق تحت أقدام الإمبراطوريات الكبرى كالأشورية والبابلية والرومانية، لم تجد مفراً من اختراع سيناريو ينتقم فيه إلهها من هؤلاء الجبابرة. إن خرافة "يوم الرب" الذي تشرق فيه الشمس على صهيون وتظلم على بقية الأمم هي مادة خصبة للدراسة النفسية حول كيفية تحول الحقد الطبقي والقومي إلى نص مقدس. وتظهر التفاهة هنا في جعل الإله ينشغل بتفاصيل إثنية ضيقة، فيعد بإعادة تجميع "عظام نخرة" في وادي يزرعيل أو بناء هيكل ثالث فوق ركام الأوهام. إن غياب أي دليل أركيولوجي على وجود الأنبياء المؤسسين لهذه الوعود، من إبراهيم إلى موسى، يجعل من هذه النبوءات بناءً كرتونياً لا يصمد أمام معطيات العلم الحديث. إن علم الآثار لم يعثر على أثر لخروج مليون إنسان من مصر، ولم يجد سجلاً واحداً يؤكد وجود مملكة داود وسليمان بالعظمة التي تصفها نصوص آخر الزمان، مما يعني أن الموعود به هو استرجاع لأسطورة لم تكن حقيقة أصلاً، وهو ما يضاعف من حجم التحيّل المعرفي الذي مارسه الكهنة على مر العصور لإبقاء الشعب في حالة انتظار دائم لسراب تاريخي.
أما في المسيحية، فقد اتخذت خرافات آخر الزمان طابعاً أكثر هيستيرية من خلال كتاب "الرؤيا" وما سبقه من تنبؤات منسوبة ليسوع حول "هذا الجيل" الذي لن يمضي حتى يكون الكل. إن التفاهة العقلية هنا تكمن في "الفشل الزمني المتكرر" لهذه النبوءات؛ فكل جيل مسيحي منذ ألفي عام كان يعتقد أنه يعيش اللحظات الأخيرة، ومع ذلك استمرت الشمس في الشروق واستمرت القوانين الطبيعية في العمل دون اكتراث بـ "الوحش" أو "الختوم السبعة". إن تحول المسيح من مبشر بالسلام إلى محارب دموي يقود جيوشاً سماوية في "هرمجدون" هو سقطة أخلاقية ومنطقية تكشف كيف يتم تكييف الأسطورة لتناسب شهوة الانتقام لدى الفئات المضطهدة. إن الأدلة العلمية التي تؤكد عمر الأرض بمليارات السنين وعمر الكون بمليارات السنين الضوئية تجعل من الحديث عن "نهاية" وشيكة تقع في حياة جيل بشري واحد ضرباً من الجنون أو الغباء المطبق. ومع ذلك، يستمر المتحيلون من قادة الكنائس في استخدام هذه المخاوف لابتزاز الأتباع مالياً وعاطفياً، مما يحول الدين من رسالة روحية مفترضة إلى مؤسسة تجارية تقتات على "فوبيا النهاية".
وعندما نصل إلى النسخة الإسلامية من "أشراط الساعة"، نجد أنفسنا أمام تراكم مذهل من الغرائب التي تجمع بين الخيال الفولكلوري الشعبي وبين الصراعات السياسية الأموية والعباسية. إن خرافات مثل "الدابة" التي تخرج من الأرض لتسم الناس، أو "يأجوج ومأجوج" الذين يحفرون ردمًا لا أثر له في صور الأقمار الصناعية، أو "المهدي" الذي يخرج ليقود معارك بسيوف وخيول في عصر الصواريخ العابرة للقارات، تمثل قمة الاستقالة الذهنية. إن العقل الذي يقبل هذه التصورات هو عقل فاقد للقدرة على التفكير في أبسط مستويات السببية والمنطق. فكيف يمكن لبشر في القرن الحادي والعشرين أن يصدق أن مصير البشرية مرتبط بظهور شخص في سرداب أو بنزول كائن من السماء ليقتل "خنزاً" ويكسر "صليباً"؟ إنها سيناريوهات تافهة لا تليق حتى بقصص الأطفال، لكنها تُدرس في الجامعات وتُلقى على المنابر كحقائق مطلقة. إن هذا الغباء الجمعي هو ما جعل المجتمعات الإسلامية تظل رهينة "ثقافة الانتظار"، حيث يتم تعطيل التنمية والتخطيط العلمي بانتظار "الفك الميتافيزيقي" الذي سيحل كل المعضلات بضربة سحرية.
إن التحيّل في هذه الخرافات يتجلى في "مطاطية التفسير"، حيث يقوم رجال الدين في كل عصر بإسقاط النبوءات على أحداث معاصرة. ففي كل حرب عالمية أو أزمة اقتصادية أو وباء، يخرج "السفهاء" ليعلنوا أن "الساعة قد اقتربت"، مستخدمين أحاديث ونصوصاً كتبت في سياقات تاريخية مختلفة تماماً. هذا التلاعب بالعقول يهدف إلى إبقاء الإنسان في حالة من الرعب الوجودي، مما يجعله أكثر قابلية للانقياد وأقل قدرة على نقد السلطة الدينية أو السياسية. إن "الآليات الدفاعية النفسية" هنا تعمل بكفاءة عالية؛ فالمؤمن الذي يشعر بالعجز أمام جبروت العلم والتكنولوجيا الغربية يجد في خرافات آخر الزمان عزاءً بارداً، حيث يتخيل أن كل هذا التقدم العلمي سينهار في لحظة إلهية ليعود هو ليتسيد المشهد بفضل إيمانه بالخرافة لا بفضل علمه واجتهاده. إنه غباء مركب يجمع بين الجهل بالواقع والرغبة السادية في رؤية الآخر المختلف وهو يُحرق في أتون المعارك الكونية النهائية.
من الناحية المنطقية، إذا كان الخالق كلي العلم والقدرة، فلماذا يحتاج إلى كل هذه "الدراما" الدموية لإنهاء الوجود؟ ولماذا يترك البشرية تتخبط لآلاف السنين في الظلم بانتظار لحظة أخيرة؟ إن غياب الإجابات العقلانية عن هذه التساؤلات يؤكد أن هذه النبوءات هي إنتاج بشري صرف، تعكس مخاوف الإنسان القديم من الظواهر الطبيعية وعجزه عن فهم قوانين التطور الاجتماعي. إن العلم الحديث، من خلال الفيزياء الفلكية وعلم الأحياء التطوري، يقدم لنا سيناريوهات حقيقية لمستقبل الكون والأرض، وهي سيناريوهات لا علاقة لها بالدجال أو المهدي أو المسيا، بل تتعلق بتوسع الكون، وموت النجوم، وتطور الأنواع. إن الفجوة المعرفية بين "الحقيقة العلمية" و"الخرافة الدينية" أصبحت اليوم أوسع من أن تُردم، وما تمسك البعض بهذه الخرافات إلا دليل على انهيار منظومتهم الفكرية أمام زحف المنطق والعقل.
في الختام، إن تفاهة خرافات آخر الزمان تكمن في كونها تبيع "العدم" في غلاف من القداسة. إنها تحيّل تاريخي بدأ بوعود كاذبة في صحاري سيناء، واستمر بتأجيلات مسيحية في روما، وانتهى بمهلوسات مهدوية في بغداد ودمشق. التحرر من هذه الأساطير هو الخطوة الأولى نحو استرداد الكرامة العقلية، فالبشرية ليست بحاجة لمخلص يخرج من غيب أو يهبط من سحابة، بل هي بحاجة لعقل يحررها من قيود الخرافة وعمل يدوي يبني واقعاً قائماً على العدل والمنطق. إن استمرار الإيمان بهذه السفاهات في عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء هو وصمة عار في جبين العقل البشري، واعتراف صريح بأن الجهل لا يزال هو القوة المحركة للجماهير التي ترفض أن تستيقظ من كابوس الانتظار الطويل لحدث لن يقع أبداً إلا في مخيلات المصابين بفقر الفكر وهزال الروح. إن العالم لا ينتهي بـ "صيحة" أو "بوق"، بل ينتهي عندما يتوقف العقل عن السؤال ويبدأ في تقبيل أيدي الدجالين الذين يبيعونه تذاكر لمقاعد أمامية في مسرحية النهاية الوهمية.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire