Translate

معضلة الشر: المادية والحياد الكوني كحل وحيد لإنهاء التناقض الميتافيزيقي (مقال)

.


.
معضلة الشر: المادية والحياد الكوني كحل وحيد لإنهاء التناقض الميتافيزيقي




حين تصل المسارات الفلسفية التي تحاول التوفيق بين الواقع المأساوي للأرض والصفات المثالية للسماء إلى نفق مسدود، وحين تتهاوى التبريرات اللاهوتية والترقيعات السفسطائية الواحدة تلو الأخرى أمام مبضع النقد الصارم، يجد العقل الإنساني نفسه مجبراً على مواجهة الحقيقة العارية دون مساحيق غيبية. إن أي تحليل منطقي، نزيه، ومحايد لمعضلة الشر لا يمكنه أن يخرج عن ثلاثة احتمالات حتمية وصارمة تصاغ كخيارات إجبارية يفرضها العقل الصرف؛ فالأمر إما أن يكون متعلقاً بطبيعة الخالق نفسه وأخلاقياته، أو بحدود قدرته وآلياته، أو بكون المنظومة برمتها مجرد بناء خيالي وخرافة بشرية لا أساس لها في أرض الواقع. هذه الاحتمالات الثلاثة تمثل المصب النهائي لكل السجالات الفلسفية عبر التاريخ، ومن خلال تفكيكها يتضح كيف يمثل المنظور المادي والعلمي المخرج الوحيد المتسق عقلانياً وتجريبياً لإنهاء التناقض الميتافيزيقي الذي عجز اللاهوت عن حله على مدار آلاف السنين.
يتمثل الاحتمال الأول والبديل المنطقي المباشر لسقوط صفة الرحمة في القول بأن الإله التوحيدي موجود بالفعل، وأنه كلي القدرة وكلي العلم، ولكنه كائن يفتقر تماماً لصفات الصلاح والخيرية والطيبة بالمفهوم الإنساني، بل هو إله شرير، وفاسد، وسادي، يتعمد صياغة المعاناة وخلق الآلام كغاية في ذاتها. إن هذا الطرح يرى في التشوهات البيولوجية، والأمراض الفتاكة التي تلتهم أجساد الأطفال، والكوارث الطبيعية العشوائية، شواهد موضوعية ومباشرة على رغبة هذا الخالق في التعذيب والاستمتاع برؤية المخلوقات وهي تتلوى قهراً وعجزاً. ورغم أن هذا التصور ينجح في الحفاظ على صفتي القدرة المطلقة والعلم المحيط دون تناقض مع الواقع، إلا أنه يمثل سحقاً كاملاً وتدميراً شاملاً للصورة التقليدية للأديان التوحيدية التي تقيم بنيانها على فكرة الإله الغفور الرحيم الودود، ويحول العلاقة بين المخلوق والخالق من علاقة حب وعبادة إلى حالة من الرعب والاضطرار أمام كائن علوي مستبد يستلذ بالدماء والدموع.
أما الاحتمال الثاني، فيذهب نحو التضحية بالطرف الآخر من المعادلة، وهو صفة القدرة الكلية، من خلال افتراض وجود إله طيب، وخير، ويرغب رغبة صادقة في محو الألم وبسط مظلة الأمان على مخلوقاته، ولكنه ببساطة كائن محدود القدرة، وعاجز، ولا يملك الأدوات التكنولوجية أو الميتافيزيقية الكافية لمنع حدوث الشرور الطبيعية أو كبح جماح الصدمات البيولوجية. هذا الخيار، الذي حاولت بعض المدارس الفلسفية الحديثة واللاهوت المعاصر تبنيه لإنقاذ أخلاقيات الخالق، يحول الإله إلى مجرد مراقب متعاطف، أو صانع بدائي يواجه مواد أولية وقوانين مادية أقوى من إرادته، فلا يملك سوى مواساة الضحايا وتقديم الوعود بالعزاء اللاحق. ورغم إنسانية هذا الطرح مقارنة بالإله السادي، إلا أنه يسقط مفهوم الإلوهية التوحيدية من أساسه، فمن يفتقر للقدرة المطلقة ويقف عاجزاً أمام طفرة جينية أو صفيحة تكتونية لا يمكن اعتباره إلهاً جديراً بالتقديس أو السيطرة على هذا الكون الشاسع.
هنا يبرز الاحتمال الثالث والحل الحاسم الذي يفك العقدة تماماً دون الحاجة لترقيعات لغوية أو تنازلات صفاتية، وهو التفسير المادي والعلمي القائم على فكرة الحياد الكوني؛ فالقصة برمتها، من آلهة، وشياطين، وحكمة مستورة، ليست سوى خرافات وأكاذيب وأوهام اخترعها العقل البشري في عصور جهله الطفولي لطرد وحشة الغموض والبحث عن أب عملاق في السماء يحميه من قسوة الطبيعة. إن الواقع الحقيقي والملموس الذي يثبته العلم والتجربة هو أن الكون مادي صرف، أعمى، ومحايد أخلاقياً؛ فالطبيعة لا تملك وعياً، ولا نية مسبقة، ولا تخطيطاً غيبياً، بل تعمل وفق قوانين فيزيائية وكيميائية وبيولوجية صارمة وآلية لا تعبأ بدموع الضحايا ولا تلتفت لمشاعر الكائنات الحية. فالزلزال يحدث نتيجة تحرك طبيعي وحتمي للصفائح التكتونية لتفريغ الطاقة الضغطية، والخلايا السرطانية تنمو نتيجة خلل كيميائي أعمى أثناء انقسام الحمض النووي، والأوبئة تنتشر وفق قوانين التكاثر الفيروسي والبكتيري، وكل هذه الظواهر تحدث بغض النظر عن رأي البشر أو أحاسيسهم أو صلواتهم.
بناءً على هذا التصور المادي الصارم، يتحول مفهوما الخير والشر من صفتين موضوعيتين مغروستين في جزيئات الكون إلى مجرد أحكام تقييمية وتسميات ذاتية اخترعها الإنسان وبناها بناءً مركباً يتوافق مع مصلحته البيولوجية وغريزة بقائه. فالإنسان، ككائن حي تطور في بيئة تنافسية قاسية، يصنف الظواهر والأفعال بناءً على علاقتها المباشرة بوجوده واستمراره؛ فكل ما يحميه، ويسعده، ويوفر له الغذاء والأمان يسميه خيراً، وكل ما يهدد حياته، أو يؤلمه، أو يعيق بقاءه يسميه شراً. وكما صاغ الحوار مثال الأسد والغزال، فإن فعل الافتراس في حد ذاته ليس شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً في طبيعة المادة، بل هو تضارب مصالح بيولوجية حاد؛ فالأسد يرى في تمزيق جسد الغزال وأكله خيراً محضاً لأنه وسيلته الوحيدة للبقاء والحصول على الطاقة، بينما يرى الغزال في هذا الفعل شراً مطلقاً لأنه يعني نهاية وجوده وألماً عنيفاً لجسده. لا توجد مؤامرة كونية ضد الغزال، ولا يوجد كره أو سادية في قلب الأسد، هناك فقط قوانين بيولوجية صماء وتنافس شرس على الموارد والطاقة في عالم محايد.
إن إسقاط الفرضية الغيبية والقبول بالمنظور المادي يحرر العقل الإنساني من مأزق التناقض البنيوي ويشفي الفلسفة من مرض التبرير؛ فالمعضلة تختفي تماماً وتتبخر بمجرد إخراج الإله التوحيدي من المعادلة الكونّية، حيث لا يعود هناك "شر" يحتاج إلى اعتذار أو حكمة مستورة تبرره، بل يصبح هناك "واقع طبيعي" يحتاج إلى فهم ودراسة. إن قبول حياد الكون ليس دعوة لليأس، بل هو خطوة التأسيس الأولى للشجاعة الإنسانية والنزاهة الفكرية؛ فهو يعيد توجيه الطاقة البشرية المهدرة في الصلوات والترقيعات اللاهوتية نحو مختبرات العلم والطب لمحاربة الأمراض وتخفيف الآلام وتحسين شروط الحياة على هذه الأرض. بدلاً من إضاعة القرون في محاولة إثبات رحمة إله يرى الأطفال يموتون بالسرطان ولا يتحرك، يتولى الإنسان بنفسه مسؤولية الرحمة عبر اختراع العلاجات، وتطوير التكنولوجيا، وبناء الأنظمة الاجتماعية العادلة، معترفاً بأنه وحيد في هذا الكون الواسع، وأن كرامته تكمن في قدرته على صياغة معناه الخاص وأخلاقياته المستقلة وسط عالم مادي صامت لا يملك قلباً ليرحم ولا عقلاً ليفكر.
وفي نهاية هذا التفكيك المادي، يتضح أن المنظومة التوحيدية هي التي خلقت المعضلة بنفسها عندما حاولت تلبيس الكون المادي الصارم ثوباً غيبياً مثالياً لا يتناسب مع طبيعته. إن الكون المادي بقوانينه الكيميائية والفيزيائية الحتمية هو الحقيقة الوحيدة التي تصمد أمام النقد العقلاني والتجربة العلمية، ومحاولة لي عنق الواقع ليتوافق مع نصوص دينية قديمة هي محاولة بائسة تنتهي دائماً بالسقوط في فخ السفسطة أو السادية الأخلاقية. إن النزاهة الفكرية تقتضي منا إعلان موت التبريرات الميتافيزيقية وقبول حقيقة الحياد الكوني، لتظل المعاناة الإنسانية والحيوانية مجرد جزء من ضريبة الوجود البيولوجي في عالم محكوم بالمادة والحركة، عالم لا يديره إله ولا يحكمه بطيخ، بل تحكمه تفاعلات ذراته وتضارب مصالح كائناته في رحلتها القصيرة نحو الفناء.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...