Translate

تشريح البروباغندا: كيف تحولت فلسطين إلى أداة لشرعنة الاستبداد وقمع الشعوب في الشرق الأوسط (مقال)

.


.
تشريح البروباغندا: كيف تحولت فلسطين إلى أداة لشرعنة الاستبداد وقمع الشعوب في الشرق الأوسط




تعد دراسة الآليات التي توظفها الأنظمة الشمولية لترسيخ سلطتها أحد الأركان الأساسية في سوسيولوجيا السياسة، وتبرز في هذا السياق تجربة الشرق الأوسط المعاصر كنموذج فج لكيفية تحويل النزاعات الإقليمية والحدودية إلى أدوات ميتافيزيقية ومقدسات سياسية عابرة للحدود والزمن، حيث نجحت النخب العسكرية والقومية والشبكات الدينية التي تعاقبت على حكم المنطقة في تحويل المسألة الفلسطينية من نزاع سياسي وقانوني ذي أبعاد مادية واضحة إلى شعار شمولي مطلق يُلغي العقل والمنطق ويهيمن على الفضاء العام. إن هذا التوظيف الاستراتيجي لم يكن يهدف يوماً إلى إيجاد حلول عملية للأزمة أو نصرة الضحايا على الأرض بقدر ما كان يستهدف بناء جدار سميك من البروباغندا الموجهة لحجب الأنظار عن العجز البنيوي والفشل الحضاري والتنموي داخل هذه الدول، ولقد شكل الشعار الشهير المتمثل في كليشيه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة المظلة الفكرية والأخلاقية التي اختبأت خلفها الديكتاتوريات العربية المتعاقبة منذ منتصف القرن العشرين لتبرير احتكار السلطة والثروة وتأسيس نظم بوليسية تبتلع المجتمعات المدنية وتخنق الحريات الأساسية، وبفضل هذا الشعار تحول نزاع جيوسياسي تقليدي إلى شيك على بياض تمنحه السلطة لنفسها لإعفاء مؤسساتها من أي مسألة أو محاسبة قانونية، وإرجاء استحقاقات التحديث والعدالة والمواطنة إلى أجل غير مسمى بحجة أن التفرغ لبناء دولة القانون والرفاه يعد ترفاً فكرياً وخيانة قومية في زمن المواجهة المصيرية مع الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية الكامنة وراءه.
لقد تجلى الاستبداد المغلف بالشعارات في أبشع صوره من خلال الطريقة التي وظف بها الديكتاتور العربي الفرد هذا المقدس السياسي المصنوع لترسيخ عبادة الشخصية وإبادة المعارضة، وحيث تشابهت الاستراتيجيات وتطابقت النتائج من بغداد إلى دمشق ومن طرابلس الغرب إلى القاهرة، فلم يكن صدام حسين في العراق يرى في فلسطين سوى منصة خطابية يستمد منها شرعية هجومية تبرر مغامراته العسكرية الكارثية وحروبه العبثية المدمرة ضد جيرانه وضد شعبه، وكان يصور مغامراته واندفاعاته القاتلة على أنها ممر حتمي لتحرير القدس بينما كانت النتائج الفعلية على الأرض هي تدمير البنية التحتية للعراق وتجويع شعبه وتبديد ثرواته الهائلة، وفي المقابل قدم نظام حافظ الأسد في سوريا نموذجاً متكاملاً في البراغماتية الاستبدادية عبر مفهوم الصمود والتصدي الذي تحول عملياً إلى غطاء محكم لاحتلال لبنان وقمع الحركات الديمقراطية السورية الداخلية وتحويل ميزانية الدولة نحو بناء أجهزة مخابراتية قمعية تتجسد مهمتها الأساسية في حماية الكرسي الحاكم وليس تحويل رصاصة واحدة نحو الجبهة المحتلة، أما معمر القذافي في ليبيا فقد جعل من فلسطين ملهاة أيديولوجية وشعاراً كونياً يوظفه لتصفية حساباته السياسية وتبرير فوضى اللجان الشعبية وتدمير مؤسسات الدولة الليبية الحديثة وتحويل شعب غني بالموارد النفطية إلى رهينة لأفكاره الغريبة ومغامراته الخارجية العبثية، ولقد استخدم هؤلاء الطغاة القضية الفلسطينية لتأجيل الديمقراطية وحقوق الإنسان بحجة أن التعددية السياسية وحرية التعبير تضعف الجبهة الداخلية وتفتح الباب للاختراق الصهيوني، مما جعل من قمع الفرد ومصادرة رأيه واجباً وطنياً لضمان النصر الموهوم.
ولم يقف التوظيف عند حدود الخطاب السياسي بل امتد ليشمل مأسسة القمع وبناء ترسانة قانونية وقضائية مرعبة أطاحت بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، حيث أصبحت تهمة التواطؤ مع العدو أو الخيانة العظمى أو وهن نفسية الأمة السلاح القضائي الفتاك الذي تشهره محاكم التفتيش العسكرية وقوانين الطوارئ التي استمرت لعقود طويلة ضد أي مفكر أو ناشط يجرؤ على المطالبة بالإصلاح أو كشف ملفات الفساد، واستغلت الأنظمة الشمولية حالة الحرب المستمرة ظاهرياً والمجمدة فعلياً لشرعنة الاعتقال التعسفي، والتعذيب الممنهج في السجون المظلمة، والإخفاء القسري، ومصادرة الصحف، وحظر الأحزاب السياسية، حيث كان يُنظر إلى كل مطالبة بالحقوق المدنية والاقتصادية كنوع من الطابور الخامس الذي يعمل لصالح إسرائيل، ولقد أدى هذا الخلط المتعمد والمستمر بين معارضة النظام السياسي والتآمر مع الكيان الصهيوني إلى تدمير الوعي القانوني والسياسي لدى الشعوب، وجعل من أجهزة الأمن والمخابرات سلطة مطلقة فوق القانون لا يمكن تداول أسمائها أو نقد ميزانياتها الضخمة التي كانت تُقتطع من قوت المواطن البسيط وصحته وتعليمه بذريعة تدعيم المجهود الحربي وبناء القوة الرادعة التي لم تُستخدم قط إلا لقمع الانتفاضات الشعبية المحلية وإرساء قيم الخوف والتبعية المطلقة للحاكم الفرد.
ومع الفشل الذريع والانهيار التاريخي للمشروع القومي العربي والأنظمة العسكرية في أعقاب الهزائم المتلاحقة وفشلها التنموي الفاضح، لم تتوقف الآلة الشمولية عن العمل بل جرى تسليم شعلة البروباغندا واستغلال فلسطين إلى فاعل جديد لا يقل راديكالية ولا استبداداً وهو تيار الإسلام السياسي بمختلف تشعباته، من جماعة الإخوان المسلمين إلى التيارات الخمينية والمليشيات الطائفية التابعة لها، حيث تلقف هؤلاء الشعار وأعادوا صياغته ضمن قالب أيديولوجي وديني متطرف، محولين الصراع من أبعاده القانونية والسياسية المتعلقة بالأرض والحدود والقرارات الدولية إلى حرب دينية كونية ومواجهة حتمية بين الإسلام واليهودية كأديان، وسمح هذا التحول العقائدي ببث سموم الكراهية الموروثة والمنهجية ضد اليهود كعرق ودين بغض النظر عن مواقفهم الفردية أو السياسية، وإعادة إنتاج أدبيات الإقصاء والتكفير وتأليب المشاعر الجماهيرية الغريزية، مما أدى بدوره إلى إغلاق الباب تماماً أمام أي إمكانية للتفكير العقلاني أو تبني الحلول السلمية والبراغماتية المبنية على المصالح المتبادلة والتعايش المشترك، ووظف الإسلام السياسي هذا الشحن الديني لتعطيل مسارات التحديث الاجتماعي والفكري في المجتمعات العربية عبر تكريس ثقافة الغيبية والشهادة والانتظار والعداء المطلق للحضارة الغربية وقيمها الليبرالية، معتبرين أن أي نقد للفكر الديني التقليدي أو أي محاولة لإرساء العلمانية وحقوق المرأة والحرية الفردية هو جزء من الغزو الثقافي المؤامراتي الذي يهدف إلى تدمير الأمة وتسهيل سيطرة الصهيونية العالمية عليها، لتتحول فلسطين مرة أخرى من قضية شعب يبحث عن دولة إلى وقود مستمر لإنتاج التعصب الأعمى وشل الفكر النقدي ومصادرة العقل.
إن تفكيك هذه البروباغندا الشمولية يكشف أيضاً عن جانب بنيوي ومادي غاية في الخطورة وهو الفساد المالي الأسطوري والسرقة المنظمة التي تمت تحت غطاء القضية الفلسطينية وشعارات التحرير والمقاومة، حيث تحولت فصائل ومنظمات وشخصيات عديدة ترفع لافتات النضال إلى كارتيلات مالية ضخمة ومافيات اقتصادية عابرة للحدود تعيش وتزدهر على حساب معاناة شعوبها وبؤسهم اليومي، وجرى توظيف المساعدات الدولية الطائلة والتبرعات الشعبية المليونية والإعانات المقتطعة من دافعي الضرائب في الدول العربية والغربية لبناء ثروات شخصية خيالية لقيادات هذه الفصائل وأبنائهم وعائلاتهم الذين يستقرون في الفنادق الفاخرة والعواصم الإقليمية والدولية الآمنة، ويمتلكون الاستثمارات العقارية والشركات القابضة والحسابات البنكية السرية، بينما يتركون الجماهير البائسة في مخيمات اللجوء وأتون الحروب تواجه الحصار والدمار والفقر المدقع، واستثمرت هذه النخب الطفيلية في تأبيد الوضع القائم واستمرار حالة الصراع واللاتنمية لأن السلام والاستقرار أو حتى الحل السياسي العقلاني يعني زوال مبرر وجودها المالي والسياسي ونهاية تدفق الأموال وتجارة الحروب التي تقتات عليها، وأصبحت شعارات التحرير والموت لأمريكا وإسرائيل مجرد بضاعة إعلامية وتسويقية تهدف إلى حشد المقاتلين البسطاء والشباب المغيب لتقديمهم كقربان في معارك وهمية لا تخدم سوى بقاء هذه القيادات الفاسدة وحلفائها الإقليميين في مراكز القوة والنفوذ، مما يمثل خيانة أخلاقية كبرى وتجريداً كاملاً للقضية من أي بعد إنساني أو حقوقي نبيل.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم من الفشل والنهب والاستبداد المحيط بالقضية، تبرز المفارقة التنموية والحضارية الصادمة عند إجراء مقارنة عملية ومادية بين دولة إسرائيل ومحيطها الإقليمي، حيث واجهت إسرائيل منذ اليوم الأول لتأسيسها تحديات أمنية وعسكرية وجودية وحروباً مستمرة وحصاراً كاملاً من جيرانها ومحيطها الجغرافي، فضلاً عن افتقارها للأراضي الزراعية الخصبة والموارد الطبيعية والنفطية في بداياتها، ومع ذلك لم يتخذ النظام السياسي الإسرائيلي من هذه الأخطار الوجودية الدائمة ذريعة لتعطيل الحياة الديمقراطية أو إلغاء التعددية الحزبية أو تدمير القضاء المستقل ومصادرة حريات الأفراد، بل على العكس تماماً نجحت إسرائيل في تحويل هذه الضغوط والحصار إلى حافز بنيوي للابتكار والإنتاج وبناء اقتصاد معرفي وتكنولوجي فائق ومتفوق عالمياً، واستثمرت في العقل البشري والتعليم والبحث العلمي لتصبح أمة الشركات الناشئة وعملاقاً دولياً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات الطبية والزراعية المتقدمة والعسكرية، محققة أرقاماً قياسية في معدلات النمو الاقتصادي ومستوى دخل الفرد وجودة الحياة، وفي المقابل تذرعت الأنظمة والطبقات السياسية العربية بحالة الحرب الافتراضية مع إسرائيل لتبرير التخلف الصناعي المريع، وانتشار الأمية، والانهيار الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، واستشراء الفساد، وتحويل مجتمعاتها المستهلكة إلى عالة على المساعدات والقروض الخارجية، معتبرين أن التنمية الاقتصادية وبناء الإنسان يمكن تأجيلهما حتى إشعار آخر، مما يثبت بالدليل المادي القاطع أن المشكلة لم تكن يوماً في وجود إسرائيل كعامل خارجي بل في العجز البنيوي والاستبداد الداخلي الذي اتخذ من إسرائيل شماعة لتعليق إخفاقاته الحضارية الشاملة وفشله في بناء دولة مواطنة حديثة قادرة على الإنتاج والمنافسة.
إن التمعن في هذه المسارات التاريخية والسياسية يقود بالضرورة إلى نتيجة عقلانية وحتمية واحدة وهي أن إنهاء الخرافة السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية وفك الارتباط بينها وبين شرعية الحكم والاستبداد في الشرق الأوسط يعد الشرط الأساسي والأول والوحيد لتحرر الشعوب العربية وخروجها من نفق التخلف الحضاري والتبعية، فلن تبدأ هذه الدول في بناء مسارات ديمقراطية حقيقية وتأسيس نظم تنموية وصناعية ومؤسسات قانونية تحترم حقوق الإنسان وتضمن كرامته إلا إذا أسقطت هذه النخب والتيارات شماعة فلسطين من خطاباتها وتوقفت عن استخدامها كأداة للابتزاز السياسي وقمع المعارضين وسرقة مقدرات الشعوب، ويجب على الوعي الجمعي في المنطقة أن يتجاوز الشعارات الأيديولوجية والبروباغندا الناصرية والبعثية والإسلاموية الراديكالية، وينظر إلى الواقع بمنظار المصالح الوطنية المادية والجافة، والاعتراف بأن دولة إسرائيل حقيقة واقعة وكيان ناجح ومتفوق حضارياً لا يمكن إزالته بالشعارات الطوباوية أو الحروب الدينية، بل يجب التعامل معه كشريك إقليمي محتمل عبر قنوات السلام الواقعي والتكامل الاقتصادي والمعرفي، ومما يتطلب بالضرورة تركيز الجهود الوطنية لكل دولة على ملفات التنمية الداخلية وإصلاح التعليم وبناء الاقتصاد المستدام وضمان الحريات العامة، بدلاً من استهلاك طاقات الأجيال القادمة وتبديد ثروات الأوطان في صراع وهمي ومصنوع ومستدام لا يستفيد منه في النهاية سوى الطغاة وتجار الحروب وسماسرة الشعارات الشمولية الذين بنوا قصورهم وثرواتهم وسلطتهم على أنقاض وعي شعوبهم المستلبة والمغيبة خلف ستار فلسطين الزائف.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...