Translate

في خرافة القداسة وتفاهة المتمسكين بها: لا قداسة لأحد، لا قداسة للدين (مقال)

.


.
في خرافة القداسة وتفاهة المتمسكين بها: لا قداسة لأحد، لا قداسة للدين





تبدأ مأساة العقل البشري حين يقرر طواعية أن يضع غشاوة على عينيه ويطلق عليها اسم "المقدس". هذه الكلمة التي لا تتجاوز في جوهرها كونها آلية دفاعية نفسية واجتماعية، تحولت عبر العصور إلى مقصلة تُذبح عليها الحريات ويُغيب تحت وطأتها المنطق. إن الحديث عن القداسة في القرن الحادي والعشرين، في عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء وفهم الشيفرة الوراثية، يبدو كأنه استحضار لأشباح القرون الوسطى في مختبر علمي حديث. فالمقدس ليس صفة أصيلة في الأشياء أو الأشخاص، بل هو غلاف خارجي يضفيه الإنسان على فكرة ما ليمنع الآخرين من فحصها، وليمنح نفسه شعوراً زائفاً بالطمأنينة والتفوق الأخلاقي. الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، ودون مواربة، هي أن القداسة خرافة، وأن التمسك بها ليس إلا دليلاً على هشاشة فكرية وعدم قدرة على مواجهة الواقع بآليات عقلانية صلبة.
إن تاريخ البشرية هو في جوهره تاريخ الصراع بين العقل الباحث عن الحقيقة وبين "الكهنة" الحراس لتوابيت المقدس. عندما أعلن جاليليو جاليلي في القرن السابع عشر أن الأرض تدور، لم يكن يهاجم الرب، بل كان يكسر "قداسة" النص والمؤسسة الكنسية التي جعلت من تصورات بشرية خاطئة حقيقة مطلقة لا تُناقش. دفع جاليليو ثمن عقلانيته، لكن الأرض استمرت في الدوران، وسقطت قداسة الكنيسة أمام برهان التلسكوب. واليوم، نرى المشهد نفسه يتكرر بصور مختلفة؛ حيث يُراد لنا أن نصدق أن قادة ميليشيات إرهابية أو رجال دين يرتدون العمائم يمتلكون حصانة "إلهية" تمنع نقد سياساتهم أو السخرية من فشلهم. إن إقحام الدين في السياسة هو في الواقع عملية "تدنيس" متعمدة للدين نفسه، فبمجرد أن يصبح المعتقد أداة للحكم أو وسيلة لجمع المال والسلاح، فإنه يفقد أي صبغة روحية مفترضة ويصبح مجرد برنامج سياسي خاضع لكل أدوات النقد البشري، بما فيها السخرية والكاريكاتير.
لا توجد قداسة للدين لأن الأديان في نهاية المطاف هي نتاج سياقات تاريخية واجتماعية ولغوية بشرية. إن ادعاء أن نصاً ما لا يجوز نقده لأنه "منزل" هو تعطيل لأهم وظيفة في الدماغ البشري، وهي وظيفة التساؤل. نرى ذلك بوضوح في العالم العربي اليوم، وتحديداً في لبنان، حيث يتم توظيف "المقدس" كدرع لحماية عصابات مسلحة تأتمر بأوامر خارجية. عندما قامت قناة إل بي سي اللبنانية في شهر مايو من عام ألفين وستة وعشرين ببث فيديو يسخر من نعيم قاسم وميليشيا حزب الله، لم تكن تهين ديناً، بل كانت تمارس حقها في تعرية مشروع سياسي وعسكري يستخدم الدين كغطاء. استنفار الدولة اللبنانية وأجهزتها القضائية لملاحقة فيديو ساخر هو قمة التفاهة السياسية، وهو اعتراف صريح بأن هذه الدولة لم تعد سيدة قرارها، بل هي مجرد أداة في يد "المقدس المسلح". كيف يمكن لعاقل أن يقبل بأن تكون السخرية من قائد ميليشيا "جريمة"، بينما قتل الأحرار وتدمير اقتصاد الوطن وتغييب السيادة هو "تكليف شرعي"؟
إن التمسك بالقداسة هو تعبير عن خوف عميق من الحرية. الحرية مخيفة لأنها تضع الإنسان أمام مسؤولية خياراته دون وسيط، أما المقدس فهو يوفر إجابات جاهزة وقوالب معلبة تعفي العقل من عناء التفكير. لهذا السبب نجد أن الأنظمة الثيوقراطية والجماعات الشمولية، مثل نظام الولي الفقيه في إيران أو أتباعه في المنطقة، يبنون جدران العزلة حول رموزهم. إنهم يدركون أن "هيبتهم" لا تقوم على إنجازات واقعية، بل على صورة ذهنية وهمية تتغذى على الخوف والتبجيل الأعمى. وعندما يأتي الكاريكاتير أو المقال العقلاني ليكسر هذه الصورة، تنهار المنظومة بالكامل، لأنها تفتقر للأساس المنطقي. إن القداسة هي "الخرقة" التي يغطي بها العاري جسده؛ فإذا نُزعت الخرقة، انكشف الزيف.
في المجتمع العقلاني الحر، الفضاء العام هو ملك للجميع، ولا يحق لأي جماعة أن تفرض "محرماتها" الخاصة على بقية المواطنين تحت ذريعة احترام المشاعر أو الرموز. المشاعر الشخصية هي مسؤولية صاحبها، ومن يشعر أن معتقده مهدد برسمة أو كلمة، فالمشكلة تكمن في ضعف معتقده لا في قوة الرسمة. إن الدولة اللبنانية، بصمتها عن سلاح حزب الله وتحركها السريع ضد فيديو "أنجري بيردز"، تؤكد أنها أصبحت حارساً لخرافة القداسة بدلاً من أن تكون حارساً للدستور والحريات. السلم الأهلي لا يهدده فنان يمتلك ريشة أو برنامج ذكاء اصطناعي، بل يهدده من يمتلك مئة ألف صاروخ خارج إطار الدولة، ومن يحول الشوارع إلى ساحات للقتل والترهيب عند كل استحقاق سياسي، كما حدث في السابع من مايو عام ألفين وثمانية.
لا قداسة لأحد، لأن البشر خطاؤون، والسياسيون أكثر خطأً من غيرهم. والقول بأن رجل الدين يمثل إرادة السماء هو ضرب من الدجل السياسي الذي استُخدم عبر التاريخ لتبرير أبشع الجرائم. من صكوك الغفران في أوروبا إلى "التكليف الشرعي" في زماننا، تظل الآلية واحدة: سلب الإنسان وعيه باسم الغيب. إن العقلاني الحر يرى في نعيم قاسم، أو أي زعيم طائفي آخر، مجرد لاعب سياسي يجب أن يُحاسب على قراراته التي أدت إلى عزل لبنان وانهياره. السخرية منه ليست فقط حقاً، بل هي واجب وطني وأخلاقي لكسر الوهم الجماعي الذي يُراد سجن اللبنانيين فيه. إننا نعيش في زمن لم يعد فيه مكان للمقدسات الجامدة، فالحقيقة الوحيدة المقدسة هي حرية الإنسان في التعبير والبحث والشك.
إن تفاهة المتمسكين بالقداسة تظهر في عجزهم عن الرد بالحجة، ولجوئهم دائماً إلى القمع الأمني أو العنف الجسدي. عندما عجزت الكنيسة عن الرد على كوبرنيكوس، أحرقت الكتب وسجنت العلماء. وعندما يعجز حزب الله اليوم عن تقديم نموذج وطني مقنع، يلجأ إلى تخوين الإعلاميين واستدعاء القضاء لقمع فيديو ساخر. هذا السلوك هو دليل الإفلاس النهائي. إن المجتمع اللبناني، الذي كان تاريخياً منبراً للحداثة والعقل في الشرق، يجد نفسه اليوم تحت وطأة "احتلال ثقافي" يحاول فرض لغة التمجيد والتبجيل لكل ما هو إيراني أو طائفي. إن الدفاع عن حرية السخرية من الرموز السياسية-الدينية هو الدفاع عن آخر معاقل الهوية اللبنانية الحرة.
لا قداسة للدين في الشأن العام، لأن القوانين يجب أن تُبنى على المصلحة العامة والعدالة الأرضية، لا على تأويلات لاهوتية تختلف من طائفة لأخرى. إن فصل الدين عن الدولة هو الطريق الوحيد لحماية الدين نفسه من الانذال الذين يستخدمونه للوصول إلى السلطة، ولحماية الدولة من التحلل في الصراعات المذهبية. ما نراه اليوم هو "تديين" للسياسة و"تسييس" للدين في أسوأ خلطة يمكن أن يشهدها بلد. إن المتمسكين بقداسة القادة هم في الحقيقة يعبدون "الصنم" السياسي الذي يمنحهم الشعور بالقوة، وهم بذلك يتنازلون عن صفتهم كمواطنين أحرار ليتحولوا إلى "رعايا" في قطيع يساق خلف رايات وهمية.
ختاماً، إن المعركة ضد خرافة القداسة هي المعركة الحقيقية من أجل الكرامة الإنسانية. الكرامة لا تكمن في الركوع لزعيم أو الخوف من رمز، بل في القدرة على الضحك في وجه الطغيان وعلى نقد كل ما يُدعى أنه فوق النقد. لا يوجد شخص، مهما علت عمامته أو زادت رتبه العسكرية، فوق مستوى السخرية. الكاريكاتير هو الحقيقة في أرقى صورها، لأنه يكشف الزيف خلف الأقنعة. إن لبنان لن يقوم له قائمة طالما ظلت هناك "تابوهات" تمنع العقل من الحركة، وطالما ظلت الدولة تلاحق "العصافير الغاضبة" وتترك "الخنازير" الحقيقية تعبث بمقدرات الوطن. القداسة خرافة، والحرية هي الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن نناضل من أجلها، بعيداً عن أوهام الغيب وبلطجة السلاح. إننا في عصر العقل، ولا مكان فيه للأصنام، مهما تعددت أسماؤها ومهما كانت الألوان التي تتدثر بها. من يريد القداسة فليعتكف في محرابه بعيداً عن شؤون الناس، أما من دخل السياسة، فعليه أن يتحمل برد السخرية ونار النقد، وإلا فليخرج منها غير مأسوف عليه.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...