.
أكذوبة أن الإسلام منع وحرّم الرق والعبودية وحرر العبيد
تعد قضية الرق والعبودية في التاريخ الإسلامي واحدة من أكثر القضايا التي تعرضت لعمليات تزييف وتجميل ممنهجة في العصر الحديث، حيث نشأت سردية اعتذارية تحاول جاهدة إثبات أن الإسلام كان ديناً تحررياً بامتياز هدف منذ لحظته الأولى إلى إلغاء الرق وتصفية العبودية. إلا أن القراءة الفاحصة للمتون الفقهية والتاريخية والممارسات السياسية على مدار ثلاثة عشر قرناً تكشف زيف هذه الادعاءات، وتؤكد أن المنظومة الإسلامية لم تحرم الرق قط بل قننته وشرعنته وأدمجته في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية بشكل عضوي جعل من الصعب تخيل المجتمع الإسلامي التقليدي دون وجود العبيد والإماء. إن الزعم بأن الإسلام حرر العبيد هو نتاج مباشر لصدمة الحداثة التي واجهها العقل العربي المسلم حين وجد نفسه مضطراً للدفاع عن موروثه أمام المنظومة القيمية الغربية الصاعدة التي منعت العبودية بمقتضى العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان، مما دفعه إلى ابتداع قراءة تجميلية تحاول ليّ عنق النصوص التاريخية لتناسب العصر الحالي.
لقد قامت البنية الفقهية الإسلامية منذ نشأتها على تكريس التفرقة الجوهرية بين الحر والعبد، وهذا التمييز لم يكن مجرد توصيف اجتماعي عابر بل كان حقيقة قانونية تترتب عليها أحكام تفصيلية في العبادات والمعاملات والجنايات والنكاح. ففي كتب الفقه التي تدرس حتى يومنا هذا، نجد أبواباً كاملة مخصصة لأحكام الرقيق، حيث يتم التعامل مع العبد بصفته "متاعاً" أو "سلعة" تباع وتشترط فيها المواصفات البدنية والجمالية، وتخضع لقوانين العرض والطلب والميراث. والفقهاء الكبار الذين أسسوا للمذاهب الأربعة لم يخطر ببالهم يوماً أن الرق حالة يجب إنهاؤها، بل انصب جهدهم على تنظيم كيفية استغلال هذا المورد البشري وضبط العلاقة بين السيد وما يملكه من "رؤوس" آدمية. هذه التفرقة تمتد لتشمل الحريات الدينية نفسها، حيث يُعفى العبد من صلاة الجمعة أو لا تقبل إمامته، مما يؤكد أن المنظومة لم تنظر للعبد كإنسان كامل الأهلية القانونية أو الشرعية.
أما فيما يتعلق بمسألة "ملك اليمين" والجواري، فإن التاريخ الإسلامي شهد توسعاً غير مسبوق في استعباد النساء وتحويلهن إلى أدوات للمتعة الجسدية تحت غطاء شرعي. إن الفرق الشاسع الذي وضعه الفقهاء بين الحرة والأمة، حتى في ستر العورة، يكشف عن نظرة دونية ترسخت عبر القرون؛ فبينما كان يُفرض على الحرة الستر الكامل، كانت الأمة تُباع في الأسواق وتكشف عن أجزاء من جسدها ليتفحصها المشتري، ولم يكن لها حق الاعتراض على المعاشرة الجنسية من قبل سيدها. هذا النظام الذي استمر لمئات السنين لم يكن مجرد انحراف عن الدين بل كان تطبيقاً حرفياً لما تبيحه النصوص التي تشرعن وطء الإماء دون عقد زواج، وهو ما أدى إلى نشوء تجارة نخاسة ضخمة كانت تغذي القصور والمنازل في كافة الحواضر الإسلامية.
إن الحجة التي يسوقها المدافعون بأن الإسلام ضيق منابع الرق عبر حصرها في أسرى الحرب هي حجة واهية تاريخياً، إذ أن الحروب التوسعية التي خاضتها الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة كانت هي الممول الأكبر والأساسي لسوق العبيد. فما يُسمى بالفتوحات لم يكن مجرد نشر للدعوة بل كان نشاطاً اقتصادياً وعسكرياً يستهدف الغنائم، وعلى رأسها "الغنائم البشرية". لقد جُلبت ملايين النفوس من أفريقيا وآسيا وأوروبا عبر قرون من الزمن ليتم بيعهم في أسواق دمشق وبغداد والقاهرة والمدينة. ولم تكن هناك أي إرادة سياسية أو دينية حقيقية لمنع هذا التدفق، بل كان القادة والفقهاء يرون في زيادة عدد العبيد دليلاً على عزة الإسلام وقوة المسلمين. إن ربط استمرار الرق بالحروب يعني أن الرق كان ركيزة أساسية في الوعي الجمعي الإسلامي المرتبط بالسيادة والغلبة.
وفي العصر الحديث، ومع ظهور الضغوط الدولية والاتفاقات العالمية التي تجرم الرق، وجد العقل الإسلامي نفسه في حالة من الارتباك الشديد. فبدلاً من الاعتراف بشجاعة بأن الرق كان نظاماً تاريخياً انتهى زمانه، حاول المفكرون الاعتذاريون اختراع نظرية "التدرج في الإلغاء"، زاعمين أن الإسلام أراد تحرير العبيد لكنه انتظر الوقت المناسب. وهذه مغالطة كبرى؛ إذ كيف يمكن لدين يدعي الكمال والصلاحية لكل زمان ومكان أن يترك "جريمة" مثل استعباد البشر تستمر لـ 1300 عام دون نص صريح يحرمها؟ إن الخمر حُرمت بنصوص قاطعة، والربا حُرم بنصوص زاجرة، فلماذا ظل الرق والسباء ممارسة مشروعة ومباركة حتى أُجبر العالم الإسلامي على إلغائها بقوة القوانين الدولية الوضعية؟ إن هذا التناقض يثبت أن فكرة "التحرير التدريجي" ليست سوى وهم ابتكره العقل المعاصر للهروب من بشاعة الحقيقة التاريخية.
وما يؤكد خطورة بقاء هذه النصوص والمنظومات الفقهية حية في الوعي هو ما شاهدناه في السنوات الأخيرة مع صعود الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش. لقد قام هذا التنظيم ببساطة بنفض الغبار عن كتب الفقه القديمة وتطبيقها بحذافيرها، فأعاد أسواق النخاسة وسبى النساء الإيزيديات وباعهن في الأسواق، مبرراً ذلك بأنه يطبق "شرع الله" المستند إلى أحكام ملك اليمين والسباء في الحروب. الصادم في الأمر ليس فعل داعش وحده، بل عجز المؤسسات الدينية الرسمية عن تقديم ردود فقهية حاسمة تخرج هذه الأحكام من دائرة "المقدس" و"الثابت"، واكتفوا بالقول إن الزمان لا يسمح بذلك حالياً أو أن "ولي الأمر" منع ذلك، دون الجرأة على القول إن هذه الأحكام باطلة ولا أخلاقية من أساسها. هذا الصمت أو التبرير الملتوي يؤكد أن بنية العبودية ما زالت كامنة في الفكر الديني وتنتظر لحظة غياب القانون لتخرج من جديد.
وعلاوة على ذلك، نجد خطاباً دعوياً معاصراً يحاول شرعنة الرق من زوايا فلسفية أو منطقية باردة، مثل الزعم بأن العقل لا يرى مانعاً في استعباد القوي للضعيف في حالة الحرب، أو أن العبودية تحت ظل الإسلام كانت "رحمة" للعبيد لأنها وفرت لهم المأوى والطعام. إن هذا النوع من التبرير يمثل انحطاطاً قيمياً هائلاً، إذ يقايض الكرامة الإنسانية والحرية الفطرية بلقمة العيش، ويتجاهل أن انتزاع إنسان من وطنه وأهله وتحويله إلى سلعة هو قمة الإجرام بحق الإنسانية. إن هؤلاء الدعاة الذين يدافعون عن الرق اليوم يثبتون أن العقل التقليدي لم يتصالح بعد مع مفهوم الحرية الحديث، وأنه ما زال أسيراً لنموذج السلطة القائم على القهر والتملك.
إن التاريخ المادي يؤكد أن إلغاء العبودية في العالم لم يكن بفضل النصوص الدينية، بل كان نتيجة لتحولات اقتصادية واجتماعية كبرى ونضال طويل من أجل حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي كان فيه الغرب يشهد ثورات فكرية وإعلانات حقوقية تمنع الرق وتلغيه، كانت الدول الإسلامية ما تزال تمارس النخاسة وتعتبرها جزءاً طبيعياً من نظام الحياة. ولم يوقع الحكام المسلمون على معاهدات منع الرق إلا تحت تهديد البوارج والضغوط الدبلوماسية، وهو ما يعني أن التحرر جاء من الخارج ولم ينبع من داخل المنظومة الدينية نفسها. وبالتالي، فإن نسبة فضل تحرير العبيد للإسلام هي محاولة لسلب فضل الحداثة ومنجزات العقل البشري الحر ونسبتها لمنظومة ظلت تشرعن الرق حتى اللحظة الأخيرة.
ختاماً، إن مواجهة "أكذوبة التحرير" تتطلب شجاعة فكرية تضع التاريخ في سياقه البشري المادي وتنزع عنه القداسة الزائفة. يجب الاعتراف بأن المنظومة الإسلامية التاريخية، كغيرها من إمبراطوريات العصور الوسطى، قامت على أكتاف العبيد والمستضعفين، وأن التراث الفقهي الذي يحمل أحكام الرق ليس وحياً إلهياً عابراً للزمان، بل هو منتج بشري يعكس قيم عصور غابرة كانت القوة فيها هي مصدر الحق. إن الاستمرار في ترويج الأكاذيب التجميلية لا يخدم المسلمين اليوم، بل يبقيهم في حالة من الانفصام بين ما يدعونه من قيم وما تحمله نصوصهم المعتمدة من تشريعات لا إنسانية، وهو ما يوفر الوقود الدائم لكل حركات التطرف التي تسعى لإعادة البشرية إلى عصور الظلام والنخاسة تحت مسميات دينية مضللة. إن الحرية قيمة مطلقة لا تقبل التجزيء ولا التدرج، ومن يحاول تبرير العبودية بأي حجة كانت هو عدو للإنسان وللحرية وللمستقبل.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire