Translate

الهجرة المنسية: التطهير العرقي الصامت ليهود العالم العربي والتبادل الديمغرافي القسري (1948 - 1972) (مقال)

.


.
الهجرة المنسية: التطهير العرقي الصامت ليهود العالم العربي والتبادل الديمغرافي القسري (1948 - 1972)




شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منتصف القرن العشرين واحدة من أكبر عمليات إعادة التشكيل الديمغرافي القسري في التاريخ الحديث، وهي العملية التي جرت في معظمها خلف ستار كثيف من التغيب الإعلامي والإنكار السياسي المحكم. بينما ركزت السرديات التاريخية السائدة والقرارات الأممية والدعايات السياسية لعقود طويلة على قضية اللاجئين الفلسطينيين كقضية وحيدة ومحورية نتجت عن حرب عام 1948 وتأسيس دولة إسرائيل، فإنها تعمدت إسقاط نصف الحقيقة الآخر من معادلة الصراع الإقليمي. هذا النصف الغائب يتمثل في الاقتلاع الجذري والمنظم لنحو مليون مواطن يهودي عاشوا في الحواضر العربية والإسلامية منذ آلاف السنين، أي قبل الفتوحات العربية وقبل بزوغ الدين الإسلامي نفسه في تلك الأصقاع. إن هذا الحدث الجلل لم يكن مجرد انتقال طوعي أو هجرة روحية مدفوعة بالحمية الدينية، بل كان عملية تطهير عرقي صامت واقتلاع ديمغرافي شامل أفرغ عواصم تاريخية كبرى مثل بغداد والقاهرة وفاس وصنعاء وطرابلس من طوائفها اليهودية الأصيلة التي شكلت لقرون عصب الحياة الاقتصادية والثقافية والإدارية فيها. من خلال هذا المنظور الواقعي والتحليلي، يتكشف لنا مفهوم التبادل الديمغرافي القسري غير المعلن، حيث تسببت الإجراءات العقابية الجماعية التي اتخذتها الأنظمة العربية ضد رعاياها اليهود في خلق موجة لجوء ضخمة انتهت باستيعاب دولة إسرائيل لغالبية هؤلاء المهجرين، مما يعيد صياغة الأسس القانونية والأخلاقية للصراع بعيداً عن البروباغندا الأيديولوجية والحلول الطوباوية المعزولة عن حقائق التاريخ المادية.
لفهم الجذور السيكولوجية والسياسية لهذا الاقتلاع الشامل، لا بد من تفكيك البنية الفكرية والاجتماعية التقليدية التي أطرت وجود اليهود في المجتمعات العربية والإسلامية عبر القرون، والتي تجسدت في منظومة أهل الذمة. كانت هذه المنظومة في جوهرها عقداً قانونياً واجتماعياً غير متكافئ، يمنح الأقليات الدينية غير المسلمة حماية مشروطة بالخضوع السياسي والاجتماعي ودفع الجزية، مع الحفاظ على مرتبة أدنى في السلم الطبقي تضمن تفوق الأغلبية الحاكمة. وعلى الرغم من أن هذا الوضع أتاح لليهود فترات من الاستقرار النسبي والازدهار الاقتصادي في بعض الحقب، إلا أنه كان يحمل دائماً في طياته بذور الضعف والتهديد، حيث ظل أمن هذه الطوائف معتمداً على أهواء الحكام وتقلبات الأمزجة الشعبية. ومع دخول المنطقة عصر الحداثة وصعود الحركات القومية العربية وبداية تبلور المشروع الصهيوني في فلسطين، تعرضت هذه المنظومة التقليدية لسقوط صادم ومفاجئ. لم تستطع النخب السياسية ولا الجماهير الشعبية في العالم العربي استيعاب التحول الجذري في موازين القوى وسعي اليهود لإنهاء وضعية التبعية التاريخية والمطالبة بالسيادة الوطنية والحرية السياسية في دولة خاصة بهم. هذا العجز عن هضم التحول الحضاري أنتج صدمة ثقافية ونفسية حادة تُرجمت سريعاً إلى تغيير بنيوي في النظرة إلى الجار اليهودي. ففي غضون سنوات قليلة، تحول اليهود في وعي الأنظمة الشمولية الناشئة والشعوب المشحونة بالعواطف الدينية والقومية من أقليات خاضعة ومحمية إلى عدو داخلي وطابور خامس يُحمل مسؤولية الهزائم العسكرية والإخفاقات السياسية، مما شرعن للأغلبية القيام بعملية انتقام جماعي واقتلاع شامل تحت غطاء مواجهة الصهيونية والإمبريالية.
ولم يتوقف هذا التحول عند حدود الشحن العاطفي والعداء الشعبي، بل تحول سرياً وعلنياً إلى سياسات حكومية ومأسسة قانونية تهدف إلى نهب ومصادرة ممتلكات الطوائف اليهودية وإجبارها على الرحيل دون رجعة، وهو ما تجسد بشكل صارخ في دراسة الحالة العراقية والمصرية. في العراق، كانت الطائفة اليهودية تمثل واحدة من أقدم وأرقى الجاليات في العالم، حيث أدارت لقرون عصب التجارة والنظام المصرفي وأسست للبنية الثقافية والإدارية الحديثة للدولة العراقية عند نشأتها. ومع ذلك، شنت الحكومة العراقية هجوماً تشريعياً منظماً بدأ بإصدار القانون رقم واحد لعام 1950 والمعروف بقانون إسقاط الجنسية، والذي أتاح لليهود المغادرة بشرط التخلي عن مواطنتهم العراقية بشكل نهائي. ولإحكام خناق الحصار المادي، أتبعت السلطات هذا الإجراء سريعاً بإصدار القانون رقم خمسة لعام 1951 الذي قضى بتجميد ومصادرة جميع أموال وممتلكات وعقارات اليهود الذين أسقطت جنسيتهم. تحول هذا القانون إلى أداة لنهب منظم واسع النطاق أدارته الدولة، حيث أُجبر أكثر من مئة وعشرين ألف يهودي عراقي على ترك منازلهم ومتاجرهم وحساباتهم البنكية، والترحيل قسراً عبر جسر جوي باتجاه إسرائيل دون أن يُسمح للمسافر الواحد بحمل أكثر من حقيبة ملابس صغيرة ومبلغ مالي زهيد للغاية، مما مثل عملية تجريد مادي وتطهير عرقي مكتمل الأركان القانونية.
وفي مصر، تكرر السيناريو ذاته بآليات تشريعية وتنفيذية موازية، تزايدت حدتها بشكل دراماتيكي في أعقاب حرب عام 1956 والعدوان الثلاثي. اتخذت الحكومة الناصرية إجراءات صارمة ومباشرة استهدفت الوجود اليهودي المزدهر في القاهرة والإسكندرية. أصدرت السلطات سلسلة من قوانين التأميم والحراسة والمصادرة التي لم تفرق بين الميول السياسية للأفراد، بل استهدفت الهوية الإثنية والدينية للطائفة. تم الاستيلاء الكامل على الشركات الكبرى والمحلات التجارية والمجمعات الاستهلاكية الشهيرة التي أسستها وامتلكتها عائلات يهودية عريقة مثل شيكوريل وريفولي وهانو، والتي كانت تمثل واجهة الاقتصاد المصري الحديث وعصب قطاع التجزئة والخدمات. ترافق هذا النهب المالي مع قرارات طرد مباشر وإبعاد قسري لآلاف العائلات اليهودية، خاصة أولئك الذين كانوا يحملون جنسيات أجنبية أو أولئك الذين أبقتهم القوانين المصرية المتعنتة في وضعية عديمي الجنسية رغم ولادتهم وإقامتهم في البلاد لأجيال متعاقبة. نُفذت هذه القرارات بأساليب بوليسية تضمنت مداهمات ليلية واعتقالات تعسفية في معتقلات مثل الهايكستب وطرة، مما خلق مناخاً من الرعب والاضطهاد النظامي جعل من استحالة البقاء فكرة مسيطرة على عقول من تبقى من أفراد الطائفة، دافعاً إياهم إلى الفرار بجلودهم وترك ثرواتهم وممتلكاتهم التي تراكمت على مدار عقود طويلة لتلتهمها خزائن السلطة ومؤسساتها المؤممة.
ولم تكن القوانين والتشريعات الحكومية وحدها هي المحرك لعملية الاقتلاع، بل تزامنت معها وتكاملت جولات من العنف الشعبي المنفلت ومأسسة الخوف التي جعلت من الحياة اليومية لليهود خطراً داهماً يهدد البقاء الحيوي والمادي. وتعد حادثة الفرهود التي وقعت في بغداد يومي الأول والثاني من حزيران عام 1941، أي قبل قيام دولة إسرائيل بسنوات، نموذجاً مبكراً وصادماً لكيفية تحول العداء الأيديولوجي الموجه من الخارج إلى مجازر دموية في الداخل. في تلك الحادثة، وبتأثير من الدعاية النازية وحكومة رشيد عالي الكيلاني الموالية للمحور، شنت جموع غاضبة مدفوعة بوعيد ديني وقومي هجوماً وحشياً على الأحياء اليهودية في بغداد، أسفر عن مقتل أكثر من مئة وثمانين يهودياً وجرح المئات واغتصاب النساء ونهب وتدمير ما يقرب من الألف منزل ومتجر ومؤسسة مملوكة لليهود. ترك هذا الحدث ندبة عميقة في الوجدان الجمعي ليهود الشرق، وكسر إلى الأبد وهم الأمان والاندماج في المحيط العربي. ولم يكن الوضع في المغرب العربي ببعيد عن هذا المناخ؛ ففي حزيران من عام 1948، تزامناً مع اندلاع الحرب في فلسطين، شهدت مدينتا وجدة وجرادة في شرق المغرب اضطرابات دامية وعنيفة هاجمت خلالها جموع من السكان المحليين جيرانهم من اليهود، مما أسفر عن مقتل أكثر من أربعين يهودياً بينهم أطفال ونساء، وإصابة العشرات بجروح بليغة وتدمير ممتلكاتهم. وفي سوريا، شهد عام 1947 اعتداءات عنيفة وممنهجة شملت حرق وتدمير كنيس حلب التاريخي الشهير ونهب بيوت اليهود ومتاجرهم، مما دفع الطائفة الحلبية العريقة إلى الفرار الجماعي السري والعلني عبر الحدود. هذه السلسلة من المجازر وأعمال العنف التي جرت برعاية أو بغض طرف من السلطات المحلية، أثبتت عملياً وحيوياً أن البقاء في هذه البلاد بات مستحيلاً، وأن الهجرة والبحث عن كيان سياسي يحمل السلاح للدفاع عنهم لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً عقائدياً، بل غدت ضرورة حتمية لإنقاذ الأرواح وحفظ النسل من الفناء والاندثار.
وعند قراءة المشهد من منظور الواقعية الجيوسياسية والعلاقات الدولية، يتضح أن ما حدث في الشرق الأوسط بين عامي 1948 و1972 كان عملية تبادل ديمغرافي قسري متكاملة الأركان والمفاعيل، وإن كانت غير متكافئة في التوثيق والتعاطف الدولي. فإذا ما عقدنا مقارنة مادية جافة ومبنية على الحقائق بين طرفي المعادلة، نجد أن حجم الأموال والعقارات والمساحات الجغرافية والممتلكات المصانع والمزارع والبيوت التي تركها أو أُجبر على تركها نحو تسعمئة ألف يهودي في الدول العربية يفوق بأضعاف مضاعفة من حيث القيمة الاقتصادية والمساحة الجغرافية كل ما تركه اللاجئون الفلسطينيون الذين غادروا الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل في حرب عام 1948. ومع ذلك، برز التناقض الجوهري والعميق في كيفية تعامل طرفي الصراع مع هذه الكتلة البشرية الضخمة من اللاجئين. ففي الوقت الذي كانت فيه دولة إسرائيل دولة ناشئة، فقيرة، محاصرة عسكرياً واقتصادياً، وتعاني من شح الموارد والإنهاك الناجم عن حرب الاستقلال، فتحت أبوابها لاستقبال أكثر من ستمئة وخمسين ألف لاجئ يهودي وفدوا إليها من الشرق والبلاد العربية والإسلامية. قامت الدولة بصهرهم في مجتمعها، ووفرت لهم المواطنة الكاملة والدمج الاقتصادي والاجتماعي والتعليم والخدمات، وتحملت أعباء إسكانهم وتأهيلهم محولة إياهم من لاجئين معدمين إلى مواطنين منتجين وبناة حقيقيين لقدراتها التكنولوجية والعسكرية الحديثة.
وفي المقابل، اتخذت الدول العربية سلوكاً مغايراً تماماً يعكس نفاقاً سياسياً وتوظيفاً غير إنساني للأزمات البشرية. فعلى الرغم من المساحات الجغرافية الشاسعة والثروات النفطية والموارد المتوفرة لدى المنظومة العربية، عمدت هذه الأنظمة إلى احتجاز اللاجئين الفلسطينيين داخل مخيمات بائسة ومغلقة، وفرضت عليهم قيوداً قانونية صارمة تمنعهم من العمل والاندماج والتملك والحصول على المواطنة في الدول المضيفة، مثلما حدث ويحدث في لبنان وسوريا وغيرها. كان الهدف الاستراتيجي من وراء هذا الاحتجاز القسري هو إبقاء البؤس الإنساني حياً وموثقاً أمام كاميرات الإعلام الدولي، بهدف توظيف هؤلاء البشر كأوراق ضغط سياسي وأدوات للبروباغندا الأيديولوجية والدعاية الموجهة لنزع الشرعية عن إسرائيل وتصدير الأزمات الداخلية للأنظمة الحاكمة، عوضاً عن السعي الحقيقي لحل مشكلتهم واحتوائهم ديمغرافياً واقتصادياً كما فعلت إسرائيل مع لاجئيها.
إن هذا الواقع التاريخي الموثق يفتح بوضوح ملفاً حقوقياً وقانونياً مؤجلاً، طالما سعت المنظومة السياسية العربية إلى طمسه وتجاهله في كل المحافل الدولية ذات الصلة. ترفض الدول العربية إلى اليوم الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية عن عملية التهجير الجماعي والتطهير العرقي الصامت الذي مارسته ضد مواطنيها اليهود، مثلما ترفض رفضاً قاطعاً فتح ملفات التعويضات المالية والمادية عن الممتلكات المنهوبة والأراضي والعقارات والأوقاف اليهودية التي تم الاستيلاء عليها دون وجه حق ودون أي مسوغ قانوني معترف به. إن هذا السلوك الانتقائي يمنح دولة إسرائيل، من منظور القانون الدولي والواقعية السياسية، شرعية أخلاقية وقانونية كاملة في رفضها المطلق لأي حديث أو نقاش يدور حول ما يسمى حق العودة للاجئين الفلسطينيين من طرف واحد. فالصراع في حقيقته المادية أنتج لجوءاً متبادلاً وتبادلاً ديمغرافياً قسرياً للسكان؛ حيث استقر يهود العرب في إسرائيل وحلوا مكان الفلسطينيين، بينما استولت الدول العربية على ثروات وممتلكات ومنازل أولئك اليهود. وبالتالي، فإن أي تسوية سياسية عقلانية ومنطقية للمستقبل لا يمكن أن تقوم على معايير مزدوجة تختزل المعاناة والتعويض في جانب واحد وتتجاهل المليون يهودي الذين تم اقتلاعهم من جذورهم وتجريدهم من تاريخهم وثرواتهم، مما يجعل من ملف الهجرة المنسية لليهود المزراحيين حجر الزاوية الحقيقي لتفنيد الخرافات السياسية والدعائية التي بنيت حول هذا الصراع المستمر منذ عقود.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...