Translate

هل أصبحت السخرية من قائد عصابة إرهابية جريمة؟ (مقال)

.
.
هل أصبحت السخرية من قائد عصابة إرهابية جريمة؟




في مطلع شهر مايو من عام ألفين وستة وعشرين، استيقظ اللبنانيون على فصل جديد من فصول المسرحية الهزلية السوداء التي تُعرض على خشبة وطن مخطوف، حيث تحركت الماكينة القضائية والأمنية اللبنانية بسرعة فائقة، ليس لملاحقة تجار المخدرات أو المفسدين الذين نهبوا أموال المودعين، بل لقمع خيال فني تجرأ على لمس "الذات الإلهية" المصطنعة لقائد ميليشيا يأتمر بأمر الولي الفقيه في طهران. الفيديو الذي بثته قناة إل بي سي آي، والذي صور نعيم قاسم ومقاتليه في هيئة شخصيات من اللعبة الشهيرة أنجري بيردز، لم يكن مجرد كاريكاتير عابر، بل كان اختباراً حاسماً لما تبقى من كرامة للدولة اللبنانية، وقد سقطت الدولة في هذا الاختبار سقوطاً مدوياً حين انحازت لجلادها ضد حرية التعبير، معلنة بوضوح أن قداسة "العمامة المستوردة" تعلو فوق الدستور وفوق العقل وفوق سيادة الوطن.
إن التبجح بمصطلحات مثل إثارة النعرات الطائفية أو تهديد السلم الأهلي ليس سوى تعلات فارغة تستخدمها سلطة مرعوبة لتبرير خضوعها لمنطق القوة. الحقيقة المرة التي يهرب منها الجميع هي أن حزب الله هو، بطبيعته وبنيته وممارساته، المصدر الأول والأساسي لإثارة النعرات الطائفية وتهديد السلم الأهلي في لبنان. هذا التنظيم الذي بني على عقيدة إقصائية لا تعترف بالآخر إلا تابعاً أو خائناً، هو الذي يمارس الطائفية في أبهى صورها منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي. عندما يخرج حسن نصر الله ومن بعده نعيم قاسم ليتحدثوا عن انتصارات إلهية وعن تكليف شرعي، فإنهم يخرجون أنفسهم طواعية من دائرة الفعل السياسي الوطني ليدخلوا في دائرة الحشد الطائفي المسلح. والسلم الأهلي الذي يتباكون عليه ليس سوى "سلم القبور" الذي يفرضه السلاح؛ فالسلم الأهلي الحقيقي لا ينهدم برسمة كاريكاتورية أو فيديو ساخر، بل ينهدم بوجود مئة ألف مقاتل وآلاف الصواريخ التي لا تملك الدولة قرار استعمالها، وينهدم حين تُقفل شوارع بيروت بالرصاص والقذائف كما حدث في السابع من أيار عام ألفين وثمانية، أو حين يُطلق الرصاص ابتهاجاً بهدنة بين إيران وأمريكا في ربيع هذا العام، مؤكدين أن ولاءهم ليس للأرض التي يقفون عليها بل للمرشد الذي يمولهم.
إن مفهوم المقدس في الفضاء العام هو خدعة كبرى تُستخدم لتدجين العقول ومنع النقد. من المنظور العلماني الحر، لا قداسة لشيء في السياسة، فبمجرد أن يقرر رجل دين أن يرتدي بزة عسكرية أو يدير حزباً سياسياً أو يقرر مصير شعب في الحرب والسلم، فإنه يسقط عن نفسه أي حصانة روحية مفترضة. نعيم قاسم ليس قديساً، هو موظف في منظومة إقليمية مسلحة، وكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال هو مادة بشرية بحتة قابلة للتشريح والنقد والسخرية. السخرية هي السلاح الأخير للأحرار في مواجهة الطغيان، وهي الوسيلة التي تعيد القتلة والمهووسين بالعظمة إلى حجمهم البشري الطبيعي. عندما يتم تصوير هؤلاء في هيئة "عصافير غاضبة"، فإن الفن هنا لا يهين الدين، بل يهين "العظمة الزائفة" ويظهر عبثية المشروع الذي يقود البلاد نحو الهاوية من أجل مصالح نظام غريب في طهران.
لقد تحول لبنان إلى غابة يحكمها قانون القوة لا قوة القانون، وما جرى مع القاضي أحمد رامي الحاج في استدعاء ممثلي القناة هو تجسيد لسياسة "الدولة الواجهة". هذه الدولة التي تقف عاجزة أمام تهريب الكبتاغون عبر الحدود، وتصمت عن اغتيال المثقفين والأحرار مثل لقمان سليم الذي قُتل بدم بارد لأنه تجرأ على الكلام، هي نفسها التي تستنفر كل أجهزتها لأن كرامة "الأمين العام" جُرحت برسمة. إن هذا الانفصام في أداء الدولة يؤكد أننا أمام احتلال إيراني مقنع بعباءة لبنانية، حيث تعمل المؤسسات اللبنانية كجهاز شرطة محلي لحماية مصالح المحتل وتأمين هيبته. إن تهديد السلم الأهلي الحقيقي يكمن في وجود ميليشيا تخون نصف الشعب اللبناني يومياً، وتعتبر كل من يطالب بالحياة والحرية والحياد عميلاً للصهاينة أو للأمريكان.
التاريخ اللبناني الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن هذا المحور لا يحتمل الحقيقة. هل نسينا كيف تعاملوا مع الرسوم الكاريكاتورية في الماضي؟ هل نسينا كيف يتم قمع أي صوت شيعي حر يحاول الخروج من عباءة الفقيه؟ إنهم يخشون السخرية أكثر مما يخشون الصواريخ، لأن السخرية تكسر حاجز الخوف في قلوب الناس، وتكشف أن "المقاومة" التي يتشدقون بها أصبحت مجرد استثمار تجاري وسياسي وعسكري لخدمة الحرس الثوري الإيراني. إن السخرية من نعيم قاسم هي فعل مقاومة حقيقي ضد التجهيل وضد القداسة المزيفة التي يحاولون فرضها بالترهيب.
إن القول بأن هذه الصور تسيء للرموز الدينية هو نفاق مفضوح؛ فالرموز الدينية هي التي تُهان عندما تُستخدم لتبرير القتل وتدمير مؤسسات الدولة. عندما تتحول العمامة إلى خوذة عسكرية، والمنبر إلى منصة لإعلان الحروب العبثية، فإن هؤلاء هم من أهانوا الدين والقداسة قبل أي فنان أو ساخر. العلماني العقلاني يدرك جيداً أن المعتقد هو شأن فردي ينتهي عند حدود صاحبه، أما في الفضاء العام، فالجميع متساوون أمام النقد. ومن اختار أن يكون قائداً لميليشيا تصنفها معظم دول العالم المتحضر كمنظمة إرهابية، عليه أن يتحمل تبعات خياره، لا أن يختبئ خلف "قداسة" مدعاة لم تعد تنطلي على أحد.
إن لبنان اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما أن يستعيد هويته كواحة للحرية والعقل والتعددية، وإما أن يستسلم نهائياً لظلامية القرون الوسطى التي يمثلها حزب الله. الأحداث الأخيرة بخصوص فيديو أنجري بيردز ليست حادثة معزولة، بل هي جس نبض لمدى قدرة الميليشيا على فرض الرقابة الشاملة على عقول اللبنانيين. إذا صمتنا اليوم عن ملاحقة قناة إعلامية أو فنان، سنستيقظ غداً لنجد أنفسنا في نظام يشبه نظام الملالي في إيران، حيث تُشنق الكلمة وتُسجن الضحكة. إن السلم الأهلي لا يُبنى على الخوف، بل على الاعتراف بالآخر وحق الاختلاف. والميليشيا التي لا تحتمل مزحة، هي ميليشيا تدرك في قرارة نفسها أن شرعيتها مهزوزة وأن وجودها مرهون فقط بقوة السلاح لا بقوة الحجة.
لذا، فإن الإجابة على السؤال العنواني هي نعم، لقد أرادت السلطة المخطوفة جعل السخرية جريمة لتغطية الجرائم الكبرى التي تُرتكب بحق الوطن. ولكن، في منطق العقل والحرية، تظل السخرية من القتلة والطغاة هي أسمى آيات الشجاعة. إن نعيم قاسم وحزبه ومن وراءهم في طهران لن يستطيعوا إيقاف التطور الطبيعي للتاريخ؛ فالعقل البشري يرفض بطبعه القيود، واللبناني الذي عشق الحرية لن يقبل أن يُساق كالرعية خلف رموز تبيع الأوهام وتشتري الموت. ستسقط القداسة المزيفة وستبقى الضحكة، وسيشهد التاريخ أن حزباً يمتلك كل ذلك السلاح سقط أمام رسمة كاريكاتورية، لأن القوة الحقيقية هي قوة الكلمة الحرة التي لا تعرف الركوع.







.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...