.
تفكيك صنم الوحدانية: التوحيد كأيديولوجيا للإقصاء وصناعة الاستبداد الكوني
تُقدم السرديات التاريخية السائدة فكرة التوحيد أو "الوحدانية" بوصفها قفزة تطورية هائلة في وعي البشرية، وانتقالاً من "ظلمات" التعددية والوثنية إلى "أنوار" الحقيقة المطلقة الواحدة. غير أن القراءة النقدية المتفحصة للتاريخ والمنطق السوسيولوجي تكشف عن وجه مغاير تماماً؛ إذ لم يكن التوحيد إنجازاً معرفياً بقدر ما كان انقلاباً أيديولوجياً خطيراً أسس لأولى نزعات الشمولية (Totalitarianism) في التاريخ الإنساني. إن خطورة فكرة "الإله الواحد" لا تكمن في طبيعتها الميتافيزيقية فحسب، بل في أثرها التدميري على نسيج التعايش البشري، حيث استبدلت التسامح الطبيعي الذي ميز العصور التعددية بنموذج إقصائي يقوم على التكفير، والتعصب، والحروب المقدسة، محولةً الإله من رمز للتنوع الكوني إلى ديكتاتور مطلق لا يقبل الشريك، ومحولاً المؤمنين به إلى أدوات لفرض هذه الأحادية على واقع يتسم بالكثرة والاختلاف.
لقد كانت الأديان التعددية في العالم القديم، من اليونان إلى مصر ومن الهند إلى بلاد الرافدين، تتسم بمرونة مذهلة في استيعاب "الآخر". في ظل تعدد الآلهة، لم يكن وجود إله غريب يمثل تهديداً لإلهك الخاص، بل كان يُنظر إليه كإضافة للمجمع الإلهي أو كترجمة أخرى لنفس القوى الطبيعية. لم تكن هناك حروب دينية بالمعنى العقدي في روما القديمة أو أثينا، لأن التعددية تقتضي اعترافاً ضمنياً بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن الفضاء السماوي يتسع للجميع. أما مع دخول "فيروس الوحدانية"، فقد تغيرت المعادلة جذرياً؛ إذ إن القول بإله واحد يقتضي بالضرورة أن كل ما عداه باطل، وأن كل من يعبد غيره هو عدو للحقيقة وللإله نفسه. هذا المبدأ هو الجرثومة الأولى للإرهاب الفكري والمادي؛ فإذا كان إلهي هو الحق المطلق، فإن وجودك كـ "مشرك" أو "كافر" هو إهانة لوجود إلهي، مما يجعل من قتلك أو إقصائك عملاً "مقدساً" وتطهيرياً.
إن هذا الانتقال من "حرية التعدد" إلى "ديكتاتورية الواحد" لم يخدم البشرية في شيء على الصعيد الواقعي، بل كان مدخلاً لتبرير الديكتاتوريات الأرضية. فالفكرة التي تقول بملك واحد في السماء يسيطر على كل شيء، كانت النموذج المثالي الذي استلهمه الملوك والأباطرة لفرض سلطتهم المطلقة على الأرض. "إله واحد، ملك واحد، قانون واحد"؛ هكذا تحول التوحيد إلى الأداة الأمثل لضبط القطيع البشري وتجريم أي محاولة للخروج عن النسق. وبالنظر إلى نفعية هذه الفكرة في الحياة اليومية، نجد أنها فكرة متهافتة تماماً وبلا أي عائد حقيقي. فلو ولد الإنسان في مجتمع توحيدي، فإنه لن ينال امتيازاً بيولوجياً أو معرفياً أو أخلاقياً يتفوق به على من ولد في مجتمع تعددي. القوانين الفيزيائية تعمل بنفس الدقة، والأخلاق البشرية نابعة من الضرورة الاجتماعية والتعاطف الإنساني، لا من الخوف من رقيب سماوي واحد. وبالمقابل، فإن من يولد في مجتمع يؤمن بآلهة متعددة لا يخسر شيئاً من إنسانيته أو قدراته الذهنية، بل ربما يكسب أفقاً أرحب وتصالحاً أكبر مع فكرة الاختلاف، بعيداً عن ضيق أفق "الحق المطلق" الذي يدعيه التوحيديون.
علاوة على ذلك، فإن الحكاية برمتها مبنية على فرضية وجود "إله" في المقام الأول، وهو ادعاء يفتقر إلى أي دليل مادي أو علمي أو منطقي رصين. إن كل ما تملكه الأديان التوحيدية هو "ثرثرة النصوص" والكتب التي تدعي القداسة، وهي نصوص كُتبت في عصور الجهل والبداوة، وتعكس تصورات بدائية عن الكون لا تصمد أمام أبسط الحقائق العلمية. إن الادعاء بوجود خالق صانع هو في حد ذاته قفزة في الفراغ، فما بالك بمن يذهب بعيداً ليزعم أن هذا الخالق "واحد" حصراً ولا يقبل التجزئة؟ إنها قمة "السفه العقلي" أن يتم بناء منظومات أخلاقية وسياسية وقانونية كاملة، وتُشن حروب تُزهق فيها ملايين الأرواح، بناءً على فرضية لم تُثبت صحتها قط. إن التوحيد ليس تطوراً، بل هو انغلاق ذهني حاد؛ إذ إنه يصادر حق العقل في التساؤل ويفرض إجابة نهائية واحدة ومقدسة، مما يجعل من أي بحث معرفي خارج هذا الإطار نوعاً من المروق أو المرض الذي يجب علاجه بالحدود والعقوبات.
إن العنف الذي رافق الأديان التوحيدية ليس عرضاً جانبياً، بل هو جوهر بنيوي فيها. فالتوحيد بطبعه "دين غيور"، لا يقبل بوجود "المنافس"، وهذا ينعكس مباشرة على سلوك أتباعه. فكل صاحب دين توحيدي يرى نفسه "شعب الله المختار" أو "خير أمة"، مما يمنحه تفوقاً أخلاقياً وهمياً يبرر له استحقار الآخرين واضطهادهم. وفي عصرنا الحالي، نرى تجليات هذا "العته الميتافيزيقي" في الحركات الراديكالية والإرهابية التي تقتل باسم "الواحد"، معتقدة أنها تمتلك الحقيقة المطلقة. إن هؤلاء ليسوا منحرفين عن التوحيد، بل هم الورثة الشرعيون لفكره الإقصائي الصارم. إن كسر صنم "الواحد" والعودة إلى رحاب العقلانية التي تقبل التعدد والاختلاف، بعيداً عن أوهام الكتب الصفراء، هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية من دوامة الصراعات العقدية التي لا تنتهي.
في الختام، إن فكرة الوحدانية هي اختراع بشري سياسي بامتياز، استُخدم لتركيز السلطة وتبرير العنف وتخدير الشعوب بوعد العدالة المؤجلة في سماء إله واحد. إنها فكرة تافهة في محتواها لأنها بلا دليل، وخطيرة في آثارها لأنها مدمرة للتعايش. إن الاعتراف بتعددية الوجود وبغياب الأدلة على وجود آلهة أصلاً، هو النضج الحقيقي الذي يجب أن تصل إليه البشرية، لتتوقف عن التضحية بحاضرها وحياتها من أجل وهم "واحد" لا يقول شيئاً ولا يفعل شيئاً سوى تغذية نيران الكراهية والتعصب. إن الحرية الحقيقية تبدأ عندما يدرك الإنسان أنه ليس عبداً لـ "واحد" غيبي، بل هو سيد نفسه في كون يتسع لكل أشكال الحياة والتفكير دون الحاجة لمراقب سماوي يهدده بالجحيم إن هو فكر خارج القطيع.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire