Translate

معضلة الشر: إبستمولوجيا الجهل المفترض وتفكيك خديعة الحكمة المستورة (مقال)

.


.
معضلة الشر: إبستمولوجيا الجهل المفترض وتفكيك خديعة الحكمة المستورة




ترتد الفلسفة الدفاعية اللاهوتية في كثير من الأحيان، عندما تجد نفسها محاصرة في زوايا المنطق الضيقة وأمام انسداد أفق التبريرات العقلانية مثل حجة الإرادة الحرة، إلى ملاذها الأخير والمنطقة الحصينة التي تعتقد أنه لا يمكن لأحد اقتحامها، وهي حجة الحكمة الإلهية المستورة أو ما يُعرف في الأدبيات الفلسفية بالخير الأعظم الخفي. يقضي هذا الطرح بأن العقل البشري، بطبيعته التكوينية وظروفه الزمانية والمكانية المحدودة، كائن قاصر بنيوياً وعاجز عن الإحاطة بالأبعاد الكاملة للمخطط الكوني الأزلي، ومن ثم فإن ما يبدو للبشر في واقعهم اليومي والتجريبي الملموس كأنه شر محض، أو ألم مجاني، أو بشاعة بيولوجية عشوائية لا مبرر لها، ليس في حقيقته كذلك، بل هو جزء أصيل ومتسق من لوحة كونية كبرى تخفى تفاصيلها عن الأبصار، حيث يعمل هذا الشر الوظيفي كأداة ضرورية وممهدة لنشوء خير أعظم وأعمق لا يمكن صياغته أو الوصول إليه دون المرور بهذا الدهليز المعتم من الألم، تماماً مثل مشرط الجراح الذي يمزق الأنسجة الحية مسبباً ألماً عنيفاً مؤقتاً لكنه يفعل ذلك في سبيل استئصال ورم خبيث وإنقاذ حياة المريض في نهاية المطاف. إلا أن هذا التبرير التخديري، وعند إخضاعه لمبضع النقد الإبستمولوجي والتحليل المعرفي الصارم، يتكشف عن مأزق معرفي قاتل ومفارقة منطقية ذاتية تنسف الادعاء الديني من أساسه وتفضح زيف التحدث باسم المطلق.
إن أولى بذور التناقض الذاتي التي تنبت في قلب هذه الحجة تكمن في المفارقة المعرفية التي يمكن تسميتها بادعاء المعرفة عبر بوابة الجهل؛ إذ يقف اللاهوتي أو المتكلم بكل ثقة ليعلن للناس أن عقل الإنسان قاصر وعاجز عجزاً مطلقاً عن فهم واستيعاب الحكمة الإلهية الكاملة والخفية وراء الفظائع، ولكنه في الجزء الثاني من الجملة ذاتها، وبشكل يثير العجب، يمارس قفزة معرفية بهلوانية ليؤكد بشكل حاسم وقاطع أن هناك حكمة كاملة بالفعل، وأن هناك خيراً أعظم سينتج عن هذه الآلام، وأن الخالق يتصرف وفق غايات نبيلة وصالحة ومطلقة. والسؤال المعرفي الذي يطرح نفسه هنا بقوة ويسحق هذا التلاعب اللفظي هو: إذا كان العقل البشري قاصراً حقاً ومحروماً من أدوات الإدراك الكلي كما تزعم، فكيف عرفت أنت – وأنت بشر صاحب عقل قاصر يخضع لنفس القوانين والقيود البنيوية البشريّة – بوجود هذه الحكمة أصلاً؟ ومن أين استقيت معلومة أن هذه الحكمة كاملة وخيرة وليست عبثية أو شريرة؟ وكيف جزمت بأن النتيجة النهائية للوحة الكلية هي خير أعظم؟ إن الادعاء بوجود غاية خفية وخيرة مع الإقرار في الوقت ذاته بقصور العقل عن فهمها هو تناقض منطقي صارخ، إذ لا يمكن للكائن أن يحتج بجهله لإثبات معرفته بيقين الشيء، وما يفعله الخطاب الديني هنا ليس اعترافاً حقيقياً بالقصور المعرفي العام، بل هو عملية احتكار معرفي زائف واستثناء مصلحي يتم فيه تعطيل عقول العامة باسم القصور، بينما يمنح اللاهوتي نفسه حق التحدث باسم اللوحة الكلية ليتأول ويبرر البشاعة بما يخدم بقاء عقيدته.
يجرنا هذا الاحتكار المعرفي مباشرة إلى السقوط المنطقي في فخ الاستدلال الدائري أو المصادرة على المطلوب، حيث يتحول هذا الطرح إلى طوق نجاة لغوي يلف ويدور حول نفسه في حلقة مفرغة لا تقدم أي دليل حقيقي، بل تطالب المتلقي بإلغاء جهازه النقدي تماماً وقبول الفرضية كحقيقة مطلقة سلفاً قبل بدء النقاش. فعندما يتساءل العقل عن سبب معاناة طفل بريء بالسرطان، يجيبه اللاهوتي بأن هناك حكمة خفية، وعندما يسأله العقل وما دليلك على وجود هذه الحكمة الخفية وراء هذا المشهد البشع، يجيبه بأن الدليل هو كمال الخالق وكلي صلاحه وحكمته المستقرة في النصوص، وعندما يسأله العقل ومن أين ثبتت صحة هذه النصوص وصدق صفتي الكمال والصلاح الإلهي في واقع يفيض بالعشوائية والألم، يعود اللاهوتي ليقول إن النصوص صادقة لأنها تمثل الحكمة الإلهية التي يثبتها هذا النظام المحكم. هذا النمط من التفكير لا يمت بصلة للمنهج العقلاني أو التحقق المعرفي، بل هو استخفاف بالوعي ومطالبة صريحة للإنسان بأن يتخلى عن ميزته الأولى وهي إطلاق الأحكام المبنية على الشواهد والأدلة، ليتحول إلى كائن مسلوب الإرادة العقلية يصدق الأكاذيب والادعاءات الطائرة بمجرد أن قائلها أضفى عليها مسحة من القداسة والغموض الميتافيزيقي.
إن الخطر الأكبر لخديعة اللوحة الكلية والحكمة المستورة لا يتوقف عند حدود الخلل المنطقي، بل يمتد ليعيث فساداً في المنظومة الأخلاقية والمعيارية للبشر، حيث يؤدي قبول هذا المنطق الساذج إلى سحق مفهوم الأخلاق والعدالة من أساسه، وفتح الباب على مصراعيه لتبرير أي جريمة أو بشاعة تحدث تحت عين الشمس دون القدرة على نقدها أو إدانتها. فإذا قبلنا جدلاً بأن الألم والشر الملموس يمكن تبريرهما دائماً بوجود خلفية خفية وحكمة مجهولة ستحولهما إلى خير في المستقبل البعيد، فإننا بهذا نمنح صك براءة أبدياً ومطلقاً لكل مجرم وطاغية في التاريخ البشري؛ إذ يمكن لأي سفاح قام بإبادة مدينة كاملة أو حرق أطفال في الخيام أن يحتج بنفس المنطق اللاهوتي تماماً ويخاطب ضحاياه قائلاً إن عقولكم قاصرة ومحدودة ولا ترون اللوحة الكلية للكون والتاريخ، وإن حرق هذه المدينة وراءه خير أعظم وحكمة تاريخية خفية لن تدركوها إلا بعد قرون، ومن ثم لا يحق لكم محاكمتي أو وصم فعلي بالشر. عندما تتحول الحكمة الخفية إلى شيك على بياض وسلاح تفسيري مرن يُستخدم لتبرير الفظائع البيولوجية، فإنها تفقد أي قيمة معنوية أو علمية، وتتحول إلى مجرد أداة تخديرية خبيثة يُراد بها شل حركة العقل ومنعه من إطلاق أحكامه الأخلاقية البديهية على البشاعة العارية، لحساب حماية أصنام اللاهوت وتماسك المنظومة التبريرية التي تأبى الاعتراف بالواقع.
يتجلى هذا التهافت الفكري أيضاً عند مقارنة مثال مشرط الجراح الذي يستدعيه المرقعون بالواقع البيولوجي الطبيعي، وهو قياس فاسد ومعيب هندسياً وأخلاقياً من عدة أوجه؛ فالجراح البشري يلجأ إلى تمزيق جسد المريض وإحداث الألم لأنه كائن محدود القدرة والعلم والآليات، لا يملك وسيلة أخرى لاستئصال المرض إلا عبر هذا التدخل الجسدي العنيف، ولو كان الجراح البشري يملك القدرة بكلمة واحدة أو بإشارة خفية أن يمحو الأورام دون ألم لما تردد لحظة، ولو أصر على استخدام المشرط والتعذيب مع توفر البديل المريح لُعن ووُصف بالسادية والوحشية. أما في حالة الخالق التوحيدي، فإننا نتحدث – بحسب زعمهم – عن كائن كلي القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وبالتالي فإن الاحتجاج بأنه يتوسل بالألم والتشوهات وأمراض الأطفال كـ "وسائل" للوصول إلى "غايات" وخير أعظم هو نسف لصفة القدرة الكلية؛ إذ إن الكلي القدرة لا يحتاج إلى وسائط، ولا تفرضه القوانين على التدرج، ويستطيع تحقيق الخير الأعظم فوراً وبشكل مباشر دون الحاجة لمرور المخلوقات البريئة في مسار مستطيل من العذاب والتمزيق البيولوجي، ومجرد استخدامه لهذه الآليات المؤلمة يثبت إما عجزه عن تحقيق الغايات بدونها أو اختياره العمدي للألم كجزء من التصميم.
إن الهروب المعرفي إلى فكرة الجهل المفترض يمثل في حقيقته اعترافاً ضمنياً ومقنعاً بالهزيمة المنطقية الكاملة أمام معضلة الشر؛ فهو إعلان إفلاس فكري يعني باختصار شديد أن اللاهوت الدفاعي لا يملك أي جواب عقلي منسجم يمكنه الصمود أمام الواقع، ولذلك لم يتبق له سوى أن يطلب من المتلقي أن يرتكب انتحاراً عقلياً، وأن يلغي جهازه المفاهيمي، وأن يثق في كلام المؤسسة الدينية ورجالها دون المطالبة بأي دليل موضوعي. إن النزاهة الفكرية والكرامة الإنسانية تقتضيان الرفض القاطع لهذا الاستخفال والاستخفاف بذكاء البشر؛ فالإنسان ليس كائناً مسلوب القيمة ليقبل تمرير أسوأ الفظائع والعيوب الهندسية في البيولوجيا تحت مسمى الأسرار التي لا يعلمها إلا الراسخون في الوهم، بل هو كائن عاقل من حقه – بل من واجبه الأخلاقي – أن يحاكم الواقع بناءً على ما يرى، وأن يعترف بأن غياب التبرير العقلي الواضح يعني ببساطة غياب الحكمة المزعومة، وأن هذا الكون المحايد والأعمى يسير بلا خطة ولا غاية غيبية، وأن صرخات الأطفال المصابين بالأمراض لا تسمعها حكمة مستورة، بل تبتلعها فضاءات المادة الصامتة التي لا تملك عقلاً ليفكر ولا قلباً ليرحم.
وفي ختام هذا التفكيك الإبستمولوجي، يتضح أن حجة الحكمة المستورة ليست سوى قناع لغوي رديء الصنع يحاول إخفاء العيوب البنيوية الصارخة في التصور التوحيدي للإله. إنها محاولة مكشوفة لقلب الجهل البشري بالغيبيات إلى دليل إثبات على كمال هذه الغيبيات، وهي مغالطة معرفية لا يمكن أن تنطلي على عقل حر يسعى وراء الحقيقة بنزاهة وصرامة. إن إسقاط هذه الخديعة هو الخطوة الضرورية لتنظيف العقل الإنساني من رواسب الوهم التبريري، والالتفات نحو الواقع ومواجهته بجرأة وشجاعة، حيث لا توجد لوحات كلية خفية تعد بالتعويض، بل توجد قوانين مادية صارمة تحكم الوجود، ويوجد إنسان بمفرده في هذا الكون، عليه أن يستخدم عقله لفهم الطبيعة وتخفيف آلامها، بدلاً من إضاعة عمره في تبرير البشاعة وتأليه الصمت الكوني.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...