Translate

الواقعية الجيوسياسية ضد الطوباوية الأيديولوجية: صعود الدولة القلعة وسقوط سرديات النزع الشرعي (مقال)

.


.
الواقعية الجيوسياسية ضد الطوباوية الأيديولوجية: صعود الدولة القلعة وسقوط سرديات النزع الشرعي




تقوم الفلسفة السياسية المعاصرة، وبشكل أخص المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، على فرضية جوهرية مفادها أن الفضاء الدولي هو فضاء فوضوي تحكمه في النهاية موازين القوة المادية والقدرة على البقاء، وليس التمنيات الأخلاقية أو الخطابات العاطفية المجرّدة. وفي هذا السياق، يعاد طرح سؤال شرعية الدولة في عالمنا المعاصر، ليتجاوز الأوراق الدبلوماسية والقرارات الأممية المنحازة، صعوداً نحو مفهوم أكثر عمقاً وراديكالية؛ هل تُستمد الشرعية الحقيقية للدول من أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة والتصويت العددي التلقائي، أم أنها تُنتزع وتُصقل عبر القدرة المادية الصرفة على فرض الوجود، وحماية الحدود، وضمان البقاء الحيوي في أكثر أقاليم العالم خطورة وتعقيداً وجاذبية للصراعات؟ إن المتأمل في مسار التاريخ الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط يدرك أن دولة إسرائيل تمثل النموذج الأبرز لتطبيق هذه النظرية الواقعية، حيث شيدت شرعيتها الوجودية لا على القبول الطوعي من محيطها، بل على ركائز صلبة من التفوق النوعي الشامل الذي جعل من بقائها حتمية تاريخية ومادية لا يمكن تجاوزها، متفوقة بذلك على كل أوهام وسرديات النزع الشرعي والطوباوية الأيديولوجية التي تتبناها القوى المناوئة لها عبر العالم.
ولعل من أكثر الظواهر المعاصرة مدعاة للدراسة والتحليل السوسيولوجي والسياسي هي ظاهرة تفكيك التحالف الهجين الذي نشأ في العقود الأخيرة بين اليسار الراديكالي الغربي والتيارات الإسلاموية بمختلف تشعباتها، وهو التحالف الذي يجد أرضيته المشتركة الوحيدة في محاولة الشيطنة الممنهجة لدولة إسرائيل ونزع الشرعية عن وجودها. وقد تجسد هذا التحالف في صعود ما بات يُعرف في الأوساط الأكاديمية والسياسية بـمعاداة السامية الجديدة التي تفشت في كبريات الجامعات والعواصم الغربية، حيث جرى استبدال العداء التقليدي القديم لليهود المبني على أسس عرقية أو دينية، بعداء سياسي وحضاري مستتر وموجه ضد الدولة اليهودية ككيان مجموعي. ويلتقي في هذا الفضاء الفكري الفكر اليساري المتطرف، الذي لا يزال أسيراً لأدبيات الحرب الباردة ومناهضة الإمبريالية والرأسمالية، حيث يصنف إسرائيل تارة كـمخفر أمامي للهيمنة الغربية والأمريكية وتارة أخرى كـمشروع استعماري إحلالي، بالمال والأيديولوجيا الإسلامية المدعومة من شبكات الإخوان المسلمين والتنظيمات الراديكالية العابرة للقارات. ويتجلى هذا التخادم الجيوسياسي بشكل صارخ في تنظيم وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات المعروفة اختصاراً بحملات البي دي إس، والتي تستخدم أدوات النضال الحقوقي الغربي الليبرالي لخدمة أهداف أيديولوجية وإقصائية تسعى في جوهرها إلى الخنق الاقتصادي والثقافي لدولة بأكملها وتطبيق معايير مزدوجة لا تُطبق على أي نظام سياسي آخر في العالم، مما يثبت أن هذه الحركات ليست سوى تعبير عن عجز بنيوي وطوباوية فكرية تفشل في استيعاب حقائق القوة والتفوق وتلجأ بدلاً من ذلك إلى بروباغندا الشيطنة التي تعيد إنتاج كراهية النازية وقوالبها الإقصائية تحت مسميات حقوقية معاصرة وزائفة.
إن هذا الرفض العالمي والإقليمي المستميت للاعتراف بشرعية دولة إسرائيل ونجاحها لا يمكن فصله عن دراسة السيكولوجية الجمعية وتحليل عقدة النقص الحضارية التي تعاني منها البيئة الإقليمية المحيطة بها. فمن منظور تاريخي وحضاري، يستفز النجاح الإسرائيلي الاستثنائي في مجالات التكنولوجيا والعلوم والاقتصاد والديمقراطية والعسكرية العقلية التقليدية السائدة في المنطقة، والتي ترزح تحت وطأة تعثرات بنيوية، وفشل تنموي، واستبداد سياسي مزمن، وأمية معرفية متفشية. عندما ينظر المحيط الإقليمي إلى دولة صغيرة المساحة، تفتقر تاريخياً للموارد الطبيعية والنفطية، ومحاطة بجغرافيا معادية بالكامل، ويرى كيف استطاعت في غضون عقود قليلة أن تبني نظاماً ديمقراطياً برلمانياً راسخاً، وتتجاوز الفجوات الحضارية لتصبح مركزاً عالمياً للابتكار وتدفق رؤوس الأموال، وتتفوق عسكرياً على جيوش مجتمعة، فإن هذا الواقع المادي يخلق صدمة نفسية وجرحاً نرجسياً غائراً لدى النخب والشعوب التي تربت على أدبيات التفوق الديني أو القومي التاريخي الشوفيني. وبدلاً من أن يدفع هذا الفارق الحضاري الشاسع العقلية الجمعية الإقليمية إلى مراجعة الذات، ونقد الذات، والبحث عن أسباب التخلف الذاتي ومحاولة اللحاق بالركب العلمي والمعرفي، يتحول العجز المادي عن المنافسة إلى كراهية عقائدية مطلقة وميتافيزيقية، تترجم من خلال شيطنة الآخر وتصوير تفوقه كـمؤامرة كونية مدعومة من القوى الخفية، وهي ذات الاستراتيجية النفسية والدعائية التي استخدمتها الأدبيات النازية في أوروبا القرن العشرين لتبرير اضطهاد اليهود وتفسير نجاحاتهم المتميزة في المجتمعات الأوروبية كخطر تآامري يجب استئصاله.
وفي مواجهة هذا المحيط الجغرافي المأزوم والشحنات العقائدية العدائية، طورت إسرائيل عبر تاريخها استراتيجية وجودية عبقرية يمكن وصفها بـالدولة القلعة أو إسبرطة التكنولوجية، حيث نجحت بامتياز في تحويل كل المهددات الجغرافية والحصار الاقتصادي الشامل والرفض الإقليمي إلى وقود حيوي يدفع نحو الابتكار المادي والاستقلال الاستراتيجي الفائق. وتقوم هذه الاستراتيجية على ركنين أساسيين؛ أولهما هو مفهوم الردع الحاسم والتفوق النوعي العسكري، وهو المبدأ الاستراتيجي الصارم الذي يضمن بقاء القوات الدفاعية الإسرائيلية في مرتبة أعلى من الناحية التكنولوجية والاستخباراتية والتكتيكية مقارنة بجميع التهديدات المحتملة في المنطقة مجتمعة، مما يجعل من أي محاولة لشن حرب تقليدية أو غير تقليدية ضدها مغامرة انتحارية محتومة الفشل تعود بالدمار الشامل على من يبدأها. أما الركن الثاني فهو عملية التحول البنيوي العميقة التي جعلت من إسرائيل أمة الشركات الناشئة، حيث تمكنت الدولة من عولمة اقتصادها وربطه بالقطاعات المعرفية والسيبرانية الأكثر حيوية في العالم، مطورةً حلولاً ثورية في مجالات الأمن الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الزراعية المتقدمة وتحلية المياه التي تغلبت بها على شح الطبيعة وجفاف الجغرافيا، لتتحول هذه التكنولوجيا الفائقة ليس فقط إلى رافعة لاقتصاد وطني عملاق يتمتع بأعلى مستويات دخل الفرد عالمياً، بل أيضاً إلى أداة نفوذ دبلوماسي وجيوسياسي خارق يجبر الدول العظمى والناشئة على خطب ود إسرائيل والاستفادة من عقلها العلمي، مكرسة بذلك واقعاً مادياً مفاده أن الدولة القلعة لا تحمي حدودها بالسلاح الفتاك والتحالفات المتينة فحسب، بل تحصن وجودها عبر الاندماج العضوي والحيوي في الشرايين الأساسية للاقتصاد المعرفي العالمي الجديد.
إن هذا الصعود المادي الكاسح والاستقرار البنيوي للدولة الإسرائيلية يكشف بوضوح حدود القانون الدولي ويوضح أسباب الفشل الذريع لآلاف القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات المتخصصة التي تستهدف إسرائيل بانتظام وبوتيرة مهولة منذ نشأتها. ومن منظور التحليل السياسي الواقعي، تفتقر هذه القرارات والإدانات الدورية إلى أي قيمة مادية أو تأثير عملي على أرض الواقع، لأنها ليست نتاجاً لمعايير قانونية موضوعية ومحايدة، بل هي انعكاس مباشر لهوس مؤسسي وتحالفات عددية تلقائية تقودها كتل ديمغرافي وسياسية معروفة، مثل مجموعة دول عدم الانحياز والمعسكر الإسلامي والعربي، والتي تملك الأغلبية التصويتية العددية داخل هذه المنظمات الأممية وتستخدمها لتمرير قرارات إدانة جاهزة ومعدة سلفاً دون أي اعتبار للحقائق على الأرض أو للدوافع الأمنية الحيوية والدفاعية لإسرائيل. وتثبت التجربة التاريخية المعاصرة أن منطق البقاء والسيادة المادية يعلو دائماً وأبداً على دبلوماسية الغرف المغلقة والشعارات البلاغية الصادرة عن لجان أممية عاجزة ومسيسة؛ فالدول لا تكتسب حقها في الحياة والاستمرار من شهادات حسن السلوك الدولية، بل من قدرتها الملموسة على حماية شعبها وتأمين فضائها الحيوي وفرض احترام وجودها كأمر واقع لا يمكن شطبه بجرة قلم أو بتصويت تكتل عددي لشركاء الفشل التنموي، ومما يجعل كل هذه الترسانة من القرارات السلبية مجرد حبر على ورق عاجز عن تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي والتكنولوجي الصلب الذي شيدته إسرائيل بجهدها الذاتي وتفوقها المعرفي.
وتقودنا هذه المعطيات الاستراتيجية الموثقة، بعيداً عن الخرافات الدينية والخزعبلات الدعائية سواء كانت إسلاموية أو يسارية، إلى خاتمة عقلانية واضحة تؤكد حتمية الاعتراف الإقليمي الكامل والشامل بدولة إسرائيل كشرط أساسي وغير قابل للتفاوض لتحقيق أي استقرار أو سلام حقيقي في منطقة الشرق الأوسط. إن التاريخ المعاصر والوقائع المادية الملموسة قد أسقطا إلى الأبد الأوهام الطوباوية القديمة بـإزالة إسرائيل أو رمي اليهود في البحر، مثلما أثبتا أن السلام والأمن لن يتحققا عبر فرض تنازلات أمنية وجغرافية تضعف القدرات الدفاعية للدولة القلعة أو تعرض شعبها للأخطار الوجودية مرة أخرى لتلبية رغبات أطراف أيديولوجية فاسدة تقتات على تجارة الحروب. وبناءً على ذلك، فإن المخرج الوحيد للمنطقة من دوامة الصراعات واللاتنمية والانهيار الحضاري يكمن في إجبار المحيط الإقليمي، شعوباً وحكومات وأحزاباً، على مغادرة مربع الأيديولوجيات الغيبية والشعارات الوجدانية الزائفة، وقبول حقيقة وشرعية وتفوق الدولة الإسرائيلية كأمر واقع دائم وراسخ. إن الاعتراف بإسرائيل لا يجب أن يُنظر إليه كمنحة أو كفعل دبلوماسي مجرد، بل كضرورة حضارية واعتراف حتمي بشريك استراتيجي متميز وقائد في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، يمكن من خلال التكامل معه وقبول قيادته المعرفية بناء شرق أوسط جديد ومستقر وقائم على الواقعية السياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة وتجاوز إرث الكراهية الموروثة، لتتحول المنطقة من ساحة لتفريغ الأزمات النفسية وعقد النقص الحضارية إلى فضاء عملي يحترم القوة السائدة ويعمل تحت ظلال تفوقها لحفظ السلم الإقليمي وتأمين مستقبل الأجيال القادمة بعيداً عن أوهام السقوط وخرافات النزع الشرعي التي داستها عجلة التاريخ المادية المتسارعة.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...