Translate

مرآة الإسقاط الجمعي: النزوع الإمبراطوري العربي الإسلامي وفزاعة التوسع الصهيوني (مقال)

.


.
مرآة الإسقاط الجمعي: النزوع الإمبراطوري العربي الإسلامي وفزاعة التوسع الصهيوني




تكمن في عمق الصراعات الحضارية والسياسية الكبرى مساحات مظلمة من علم النفس الاجتماعي والسياسي التي غالباً ما يتم تجاهلها لحساب التحليلات العسكرية أو الاقتصادية السطحية. ويشكل الصراع العربي الإسرائيلي نموذجاً مثالياً لدراسة هذه المساحات، حيث يتجاوز الخلاف حدود النزاع الجيوسياسي التقليدي على الأرض والموارد ليتخذ طابعاً ذهانياً جماعياً تحكمه العقد النفسية العميقة والإسقاطات الذهنية المتوارثة. إن دراسة أزمة العقل العربي والمسلم المعاصر في تعامله مع كيان كدولة إسرائيل تكشف عن مفارقة سيكولوجية بالغة التعقيد، تتجلى في تحويل دولة قومية حديثة ذات مشروع محلي ومحصور ديموغرافياً وجغرافياً إلى إمبراطورية أسطورية عابرة للقارات تسعى لابتلاع المشرق من النيل إلى الفرات. هذا التضخيم الهستيري للعدو لا ينبع من قراءة موضوعية للواقع أو المعطيات المادية، بل هو نتاج لآلية دفاعية نفسية جمعية خطيرة تقوم على إسقاط الذات التاريخية الإمبراطورية للعرب والمسلمين على هذا الآخر، لتبدو إسرائيل في الوعي الجمعي العربي كمرآة مشوهة تعكس ذات النزوع الإمبراطوري التوسعي الذي مارسته الحضارة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرناً من الغزو والفتح وصهر الشعوب.
تعد آلية الإسقاط النفسي الجمعي واحدة من أكثر الأدوات كفاءة في تفسير السلوكيات السياسية للأمم والمجتمعات التي تعاني من أزمات حضارية حادة وهزائم تاريخية متلاحقة. فالإسقاط في تعريفه السيكولوجي الأساسي هو حيلة دفاعية لا واعية يقوم الفرد من خلالها بنسب عيوبه ورغباته المكبوتة ومخاوفه غير المقبولة إلى الآخرين لتخفيف شدة القلق والحفاظ على تماسك الأنا. وعندما تنتقل هذه الآلية من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي، فإنها تصبح قادرة على تشكيل أيديولوجيات كاملة ورسم ملامح سياسات دول وصناعة أساطير قومية. في سياق الصراعات الحضارية، تعمد المجتمعات المأزومة التي تعيش حالة من العجز والقصور البنيوي إلى إسقاط رغباتها الدفينة في الهيمنة والتوسع، وكذا آليات اشتغالها التاريخية، على العدو المحيط بها. وبما أن العقل الجمعي العربي والمسلم قد تخلق تاريخياً وثقافياً في رحم نموذج إمبراطوري غازٍ ومسيطر، فإنه يعجز تماماً عن استيعاب أي كيان سياسي خارج هذه الصيرورة، مما يدفعه تلقائياً إلى تصور أن عدوه المعاصر يتحرك بذات العقلية الإمبراطورية التوسعية وبنفس الشبق الجغرافي الذي ميز الفتوحات الإسلامية القديمة.
لتشريح هذا العقل الإمبراطوري العربي الإسلامي، لا بد من العودة إلى البنية الذهنية التي تشكلت واستقرت عبر أربعة عشر قرناً من الممارسة السياسية والعسكرية. لقد تأسست الحضارة العربية الإسلامية على عقيدة الفتح المستمر والتوسع الجغرافي الذي لا يعترف بالحدود الثابتة، بل يرى في العالم فضاءً مفتوحاً ينقسم بشكل ثنائي حاسم بين دار الإسلام ودار الحرب. هذه البنية الذهنية لم تكن مجرد استراتيجية عسكرية مؤقتة، بل كانت جوهر الشرعية السياسية والدينية للخلافة بشتى عصورها، من الأمويين والعباسيين وصولاً إلى العثمانيين. لقد قام هذا النموذج على غزو الممالك والحواضر الأخرى، وإخضاع الشعوب المستعبدة، واستنزاف مقدراتها الاقتصادية عبر الجزية والخراج، وصهر ثقافاتها المتنوعة قسراً أو طوعاً في البوتقة المركزية للإمبراطورية. إن العقل الجمعي الذي يرى في هذا التاريخ مجداً مقدساً وفي هذا التمدد اللانهائي دليلاً على الصلاح الديني والتفوق الحضاري، قد طور لا وعياً جمعياً يعتبر فيه أن القوة السياسية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا إمبراطورية، توسعية، وإلغائية للآخر. ومن ثم، فإن هذا العقل عندما يواجه القوة الإسرائيلية الحديثة، فإنه لا يراها بعيون الحاضر، بل يسقط عليها إرثه الإمبراطوري الخاص، متخيلاً أن إسرائيل تسعى لإقامة خلافتها اليهودية الخاصة على حساب جغرافية المنطقة.
هنا يبرز صدام مفاهيمي وجودي بين طبيعة الدولة القومية الحديثة وبين الذاكرة الإسلامية القائمة على فضاء الخلافة المفتوح العابر للحدود. إن إسرائيل، في جوهر مشروعها الصهيوني وتجليها السياسي الواقعي، هي منتج كلاسيكي لفكرة الدولة القومية الأوروبية التي برزت في القرن التاسع عشر، وهي تقوم على مفهوم الملجأ الآمن والمحدود لجماعة إثنية ودينية محددة عانت من الاضطهاد التاريخي. هذا المشروع بطبيعته ديموغرافياً وجغرافياً هو مشروع محلي ضيق، ينشغل هاجسه الأكبر بالأمن الداخلي، والحفاظ على الأغلبية اليهودية داخل شريط جغرافي صغير ومحكم، وتثبيت حدود سياسية معترف بها دولياً توفر له الحماية. إن فكرة التمدد الجغرافي لابتلاع ملايين العرب من النيل إلى الفرات تشكل كابوساً ديموغرافيًا وانتحاراً سياسياً للمشروع الصهيوني نفسه، لأنه سيعني نهاية الدولة اليهودية وتحولها إلى دولة ذات أغلبية عربية. ومع ذلك، فإن العقل العربي الإسلامي، بسبب انغلاقه داخل ذاكرة الخلافة وفضاءاتها المفتوحة، يعجز عن فهم أو تقبل نموذج الدولة القومية الحديثة ذات الحدود الثابتة، فبالنسبة له، إما أن تكون الكيانات السياسية إمبراطوريات تتمدد وتغزو، أو تكون مقاطعات مهزومة قابلة للاستباحة، وبما أن إسرائيل قوية عسكرياً وتكنولوجياً، فإنه يستنتج حتمياً أنها يجب أن تكون إمبراطورية توسعية بالضرورة.
يؤدي هذا العجز عن استيعاب نموذج الدولة الحديثة واللجوء إلى الإسقاط النفسي وظيفة معرفية وسيكولوجية بالغة الأهمية للعقل العربي المأزوم، تتمثل في صناعة الشيطان الكوني. فمن خلال تضخيم خطر إسرائيل وتحويلها من دولة قومية صغيرة ذات تفوق نوعي إلى وحش إمبراطوري غيبي ذي مخططات أسطورية تتجاوز الواقع، يتمكن العقل العربي من ممارسة عملية غسيل ذنوب جماعية لتبرير تخلفه الحاضر وتجنب النقد الذاتي المرير. إن مواجهة الحقيقة الموضوعية التي تقول إن بضعة ملايين من الإسرائيليين قد تمكنوا من الانتصار وبناء دولة متفوقة بفضل التنظيم المؤسسي، والتعليم العلمي، والمساءلة السياسية، والتطور التكنولوجي، هي مواجهة مؤلمة جداً للكبرياء القومي والوعي الديني العربي، لأنها تضع العقل العربي وجهاً لوجه أمام فشله البنيوي في بناء دولة قانون ومؤسسات حديثة بعد الاستقلال. ولذلك، يصبح المهرب النفسي الأسهل هو تحويل إسرائيل إلى عدو ميتافيزيقي مطلق يمتلك قوى خارقة ومخططات شملت النيل والفرات، إذ إن الهزيمة أمام شيطان كوني مدعوم بقوى غيبية وتآمرية عالمية هي أقل إيلاماً بكثير للكرامة من الهزيمة أمام دولة ديمقراطية مؤسسية صغيرة المساحة والسكان، مما يعفي الذات العربية من استحقاقات المراجعة الشاملة لأسباب العطالة الحضارية والجهل المستشري.
تستغل الأنظمة الحاكمة والحركات الأيديولوجية المعاصرة في العالم العربي هذه البيئة النفسية الخصبة لممارسة توظيف براغماتي مكثف عبر البروباغندا الأنظمتية، لاسيما داخل ما يسمى بمحور الممانعة والتيارات الإسلاموية. فقد وجد الاستبداد العربي في فزاعة التوسع الصهيوني وشعار من الفرات إلى النيل الأداة السحرية المثالية لإدامة سيطرته وقمع الشعوب وتصفية أي حراك ديمقراطي أو تنموي داخلي. إن الإبقاء على فزاعة الوجود حية ومتوهجة في الوعي الشعبي يسمح لهذه الأنظمة بإعلان حالة الطوارئ الأبدية، ورفع الشعار الشعبوي القديم المتجدد الذي يقرر ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وتحت لافتة مواجهة الخطر الإمبراطوري الصهيوني الداهم الذي يهدد بابتلاع الأوطان، يتم نهب المقدرات الاقتصادية لحساب ميزانيات عسكرية غير مراقبة، ومصادرة الحريات العامة، واعتقال المعارضين، وتأجيل مشاريع التنمية والتعليم وبناء دولة المواطنة. إن أي محاولة لتقزيم العدو وإعادته إلى حجمه الجغرافي والسياسي الحقيقي والواقعي تُجابه بتهم الخيانة والعمالة من قبل هذه الأنظمة وحواشيها الأيديولوجية، لأن اعتراف الجماهير بأن إسرائيل ليست إمبراطورية توسعية بل دولة قومية ذات صراع حدودي محدد، سيسقط فوراً شرعية الاستبداد ويسلب الحكام مبرر وجودهم القائم على حماية الأمة من الابتلاع.
إن هذا التلاحم بين العقدة النفسية الجمعية والتوظيف السياسي البراغماتي قد أنتج ثقافة سياسية عربية قائمة على الاجترار العاطفي والعجز البنيوي، حيث تحول الفكر التآمري من مجرد وجهة نظر إلى بنية معرفية حاكمة لتفسير كل شؤون الحياة. وفي هذه البنية، تصبح خريطة إسرائيل الكبرى المتخيلة بمثابة النص المقدس البديل الذي يفسر من خلاله المواطن العربي كل انكساراته اليومية، من بطالته وفقره إلى انهيار العملة المحلية وغياب الخدمات الأساسية، فكل شيء هو نتاج مؤامرة محكمة ينفذها هذا الشيطان التوسعي. والغريب في هذه الآلية أن العقل العربي المأزوم في لعنه المتواصل للأطماع الإسرائيلية المفترضة، يغفل تماماً عن حقيقة أنه يعبر عن شوقه الدفين لاستعادة تفوقه الإمبراطوري القديم، فهو لا يعيب على إسرائيل فكرة الغزو والسيطرة بحد ذاتها كقيمة لا أخلاقية، بل يعيب عليها أنها هي من يفعل ذلك الآن بدلاً منه، مما يجعل من شعارات التحرر والمقاومة مجرد غطاء أيديولوجي لرغبة مكبوتة في عكس الأدوار وممارسة ذات الهيمنة الإمبراطورية التاريخية.
يتطلب الخروج من هذا المأزق السيكولوجي والحضاري صدمة معرفية قاسية تبدأ أولاً بنزع القداسة عن التاريخ الإمبراطوري الإسلامي ومراجعته نقدياً بوصفه تجربة بشرية تاريخية محكومة بسياق زمانها، وليست نموذجاً صالحاً أو واجباً للتطبيق في عصر الدولة القومية الحديثة المعاصرة. إن تفكيك آلية الإسقاط النفسي الجمعي يفرض على النخب الثقافية والسياسية العربية شجاعة مواجهة الذات، والاعتراف بأن الخطر الحقيقي الذي يهدد الوجود العربي ليس خريطة أسطورية تمتد من النيل إلى الفرات، بل هو التخلف المعرفي، والفساد المؤسسي، وغياب سلطة القانون، واستبداد الأنظمة التي تقتات على بقاء الصراع مستعراً. إن تحجيم العدو وفهمه في سياقه الواقعي ككيان سياسي حديث له نقاط قوة وضعف ومخاوف أمنية محلية محددة هو الخطوة الأولى والضرورية للانتصار عليه أو للتعايش معه على أسس عادلة، لأن محاربة الأساطير والفزاعات التي نصنعها في خيالنا لا تنتج سوى هزائم متلاحقة وانغلاق حضاري مستمر.
وفي نهاية المطاف، تبرز الحقيقة التي تؤكد أن الصراع في الشرق الأوسط لن يجد طريقه للحل أو العقلانية ما لم تتحرر الشعوب من أسر المرآة المشوهة للإسقاط النفسي. إن إسرائيل الكبرى ليست حقيقة جيوسياسية على الأرض بقدر ما هي حاجة سيكولوجية ملحة لعقل عربي مأزوم يرفض النظر إلى مرآة واقعه البائس ليرى عيوبه وفشله، فيفضل النظر إلى مرآة عدوه ليسقط عليه أمجاده ورغباته الإمبراطورية الغابرة. وإن كسر هذه المرآة، والتخلي عن أساطير الفضاء المفتوح للخلافة والتوسع، والقبول بدخول العصر الحديث من بوابة الدولة القومية والمواطنة والتنمية العلمية، هو السبيل الوحيد لتحويل المنطقة من ساحة للصراعات الميتافيزيقية والذهان الجماعي إلى فضاء إنساني تحكمه حقائق الجغرافيا والديموغرافيا ومصالح الشعوب الحقيقية بعيداً عن فزاعات الاستبداد وأوهام الإمبراطوريات المندثرة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...