.
قرابين الوهم المقدس: تشريح الديكتاتورية الجماعية ولاهوت الإغتيال في الفضاء الإسلامي
تتكشف الأحداث الدامية التي يشهدها الفضاء الحضاري المعاصر، كلما اصطدم الفكر النقدي الحر بالبنية العقائدية التقليدية، عن واقع سوسيولوجي مأزوم يتجاوز بمركباته الجنائية حدود الأفعال الفردية المعزولة لينغرس عميقاً في تربة اللاهوت الإقصائي ومنظومات التدجين الجماعي. إن قراءة مشهد الاغتيال والتنكيل الذي طال، ولا يزال يطال، حملة مشاعل الفكر والعقلانية عبر العالم، تفرض على الفكر الإنساني المعاصر التخلي عن التفسيرات السطحية التي تحيل هذه الكوارث إلى مجرد انحرافات سلوكية أو تطرف عابر، والبدء في تشريح مادي وصارم للآليات المعرفية والثيولوجية التي تجعل من الجريمة طقساً مقدساً وقرباناً تتقرب به الجموع المدجنة إلى غيب متخيل. عندما يسترجع الوعي النقدي فواجع اغتيال المفكر فرج فودة في قلب القاهرة، ومحاولة النيل من جسد سلمان رشدي فوق منصات الثقافة العالمية، ونحر المعلم صامويل باتي في ضواحي باريس، فإنه لا يرى في هذه الدماء المتناثرة سوى شواهد ميدانية صارخة على تغول الديكتاتورية الجماعية الشاملة التي تبدأ من وحدانية التصميم اللاهوتي لتنتهي بمخالب الرعاع والبروليتاريا المستلبة في شوارع الحاضر. إن هذه المعركة الوجودية بين الكلمة والسكين ليست صراعاً ناعماً في صالونات الفلسفة، بل هي مواجهة مادية دموية تُستخدم فيها جموع المغفلين كأدوات شرطية لحراسة سجون الوهم، وحماية مصالح نخب فقهية وسياسية تدرك تماماً أن انقشاع ضباب الخرافة يعني تهاوي عروشها ونهاية ريعها الاقتصادي والرمزي المستمد من استعمار عقول الرعايا.
يتبدى المظهر الميداني الأول لهذه البنية الاستبدادية الشاملة في سيكولوجية الأدوات البشرية المنفذة للاغتيال، حيث تظهر ملامح غسيل الأدمغة والدمغجة في أوضح صورها الأنثروبولوجية. فالقاتل الذي اندفع لنحر صامويل باتي، أو ذلك الذي تعقب سلمان رشدي ليطعنه، أو القاتل الأمي الذي أطلق الرصاص على فرج فودة، يشتركون جميعاً في بنية نفسية ومعرفية واحدة تقوم على الاستلاب التام وإلغاء الفردية لصالح وعي قطيعي زائف. هؤلاء الأفراد، الذين غالباً ما يقبعون في أسفل الهرم الطبقي والمعرفي ويعانون من تهميش مادي واجتماعي حقيقي في واقعهم اليومي، يجدون في أيديولوجيا الموت والجهاد المقدس تعويضاً وهمياً ومباشراً عن بؤسهم الوجودي. إن المنظومة العقائدية تقنعهم بأن إزهاق روح المختلف، الذي جرى تصويره كعنصر سرطاني مهدد لنقاء الجماعة وقداستها، هو الفعل الأسمى الذي سينقلهم من هامش التاريخ الأرضي إلى مركز الرعاية الإلهية في غيب مطلق وموعود. هذا التحول من كائن مسحوق لا قيمة له إلى حارس للذات الإلهية ومدافع عن كرامة نبي غادر الدنيا منذ قرون، يمثل الذروة الدموية للاستغلال الطبقي والمعرفي، حيث تُجند النظم الثيولوجية الحشود المستضعفة للدفاع عن منظومة استبدادية هي ذاتها المسؤولة عن إفقارهم المادي وتجهيلهم العقلي.
إن هذه الصدمة الوجودية التي تصيب الجموع المدجنة عندما يرتفع صوت نقد المقدسات، تفسرها حقيقة سوسيولوجية مفادها أن الجماعة المغلقة ترى في بقاء الوهم واستمراره شرطاً حتمياً لبقائها وتماسكها الاجتماعي. وحين يأتي مفكر كفرج فودة ليفكك بالوثائق والمادة أسطورة الخلافة الراشدة ويظهرها كدولة بشرية صراعية تقوم على المصالح والجباية والاقتتال، أو حين يمارس روائي كسلمان رشدي حقه الإبداعي في خلخلة السرديات التأسيسية عبر التخييل والأدب، فإنهم لا يهاجمون مجرد أفكار مجردة، بل يزلزلون الأرض تحت أقدام الهوية الجماعية التي استقرت على مدار قرون على اجترار طمأنينة اليقين الأعمى. أمام هذا التهديد المعرفي، تعجز المنظومة النصية عن المواجهة بالحجة والبرهان، لأن بنية التدوين التراثي ذاتها مليئة بالفجوات والتناقضات وتفتقر إلى المؤيدات الأركيولوجية والمادية المعاصرة لزمن الأحداث، ولذلك لا يتبقى أمام حراس المعبد سوى اللجوء إلى العنف المادي العاري لإسكات الصوت الناقد وإعادة فرض هيبة المقدس بالقوة والترهيب، مما يحوّل فعل الاغتيال إلى آلية دفاعية حتمية لحماية بنية الجهل المقدس من التهاوي الشامل.
ولا يمكن فهم تمدد هذا العنف المادي العابر للقارات دون تشريح دور المؤسسة الفقهية والشيوخ الذين يمثلون جهاز البروباغندا والدمغجة الرسمي في هذه المنظومة الاستبدادية. إن التحالف التاريخي والطبقي بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، سواء في وجهها السني المؤسسي كالأزهري أو الشيعي الثيوقراطي كولاية الفقية، يشتغل بانتظام لتوفير الغطاء الفقهي والأخلاقي لعمليات القصف المعنوي والتصفية الجسدية. عندما يخرج شيخ كمحمد الغزالي أو شيوخ جبهة شيوخ الأزهر ليقودوا حملة تكفير معلنة وصريحة ضد مفكر، فإنهم يصدرون للشارع أمراً عملياتياً غير مباشر بالقتل، وهي اللعبة ذاتها التي مارسها آية الله الخميني عندما نصب نفسه مرشداً أعلى وحاكماً بأمر الله الكوني وأصدر فتواه الشهيرة بهدر دم سلمان رشدي. هذه الفتاوى تحول القتل من جريمة نكراء تعاقب عليها القوانين الوضعية وحقوق الإنسان إلى واجب ديني وفضيلة أخلاقية، وحين يقف الفقيه في المحكمة ليسوغ الجريمة ويقول إن قتل المرتد هو تطبيق للشريعة وإن افتات القاتل على السلطة لا يبطل مشروعية الفعل ماديةً، فإنه يضع المؤسسة الدينية في موقع الشريك الأصلي والمهندس الفعلي لكل قطرة دم تسفك على مذبح حرية التعبير.
إن المفارقة المعرفية القاسية في هذه المنظومة الاستبدادية تكمن في أن الجماهير المغفلة التي تندفع لحرق الكتب وطعن الكتاب دفاعاً عن شخصيات وسرديات من الماضي، تدافع في الحقيقة عن تاريخ لم يثبت منه أركيولوجياً سوى النزر القليل، بل إن وجود العديد من تفاصيله وشخصياته بالطريقة الموصوفة لاهوتياً لا يزال محل تساؤل وبحث علمي صارم في مراكز الدراسات النقدية الحديثة. ومع ذلك، فإن هذه الشعوب المستلبة مستعدة لإبادة الحاضر وتدمير مستقبل أبنائها دفاعاً عن قداسة متخيلة جرى حقنها في وعيهم عبر قنوات التعليم والإعلام والمنابر الدينية منذ الطفولة. هذا الغياب الكامل للحس النقدي والعلمي يحول المجتمعات إلى قطعان مبرمجة تستجيب آلياً لمثيرات التحريض الفقهي؛ فحين يعلن الشيخ أن الدين في خطر وأن الرموز تتعرض للإهانة، تنفجر طاقات العنف الكامنة لدى العوام وتتحول الديكتاتورية الجماعية الشاملة إلى طوفان غاضب يشيطن كل من يحاول إعمال العقل أو المطالبة بفصل الدين عن السياسة، مستخدمين النفاق الاجتماعي والتقية والترهيب الفكري كأدوات يومية لتدجين الأفراد وفرض النمطية العقائدية الصارمة على الجميع.
إن تغلغل عقلية الديكتاتور في النسيج السيكولوجي والأنثروبولوجي للشعوب حوّل الفضاء الاجتماعي بأكمله إلى شبكة معقدة ومتداخلة من الديكتاتوريات الصغيرة التي تعيد إنتاج الاستبداد السياسي بشكل أفقي ومستمر. ففي هذه البيئة الثقافية الموبوءة بالانغلاق، يتحول كل فرد إلى شرطي سري ورقيب أخلاقي على الآخرين؛ يمارس الأب سلطته القمعية المطلقة داخل الأسرة محاكياً جبروت الحاكم المستبد، ويمارس الشيخ سلطته الرقابية على ضمائر سكان الحارة، وتتكتل الجماعة لممارسة دكتاتورية جماعية باطشة ضد أي فرد يجرؤ على إظهار اختلافه في العقيدة، أو الملبس، أو السلوك، أو الأفكار الفلسفية. هذا الخروج عن إجماع القطيع يُنظر إليه على الفور كخيانة عظمى وتهديد وجودي للسلم الأهلي المتخيل، ويواجه بنبذ اقتصادي واجتماعي قاس، وتشويه أخلاقي منظم، مما يجبر النخب المثقفة والأفراد الأحرار على العيش في حالة دائمة من الفصام والنفاق الاجتماعي لحماية وجودهم المادي، ويقضي في المهد على أي إمكانية لولادة روح المغامرة العلمية أو الإبداع الفلسفي المستقل.
يتضح هذا الترابط الشرطي بين اللاهوت الإقصائي والديكتاتورية الاجتماعية عند تشريح قضية المعلم الفرنسي صامويل باتي، حيث كشفت الحادثة أن أجهزة القمع والتحريض لم تعد محدودة بجغرافيا معينة، بل تحولت إلى شبكات عابرة للحدود بفضل التكنولوجيا الرقمية والوسائط المعاصرة. لم تبدأ الجريمة من نصل السكين الذي حمله الشاب الشيشاني المستلب، بل بدأت من حملات التحريض الرقمي الجماعي والدمغجة التي قادها أولياء أمور ونشطاء وشيوخ عبر منصات التواصل الاجتماعي، والذين وظفوا الطبيعة الزئبقية والعدائية للأيديولوجيا التقليدية لتحويل درس مدني عادي حول حرية التعبير إلى مؤامرة كونية ضد الدين. هذا الفضاء الرقمي تحول إلى محكمة تفتيش جماعية أصدرت حكمها الغيابي بالإعدام على المعلم قبل أن يتحرك القاتل لتنفيذه مادياً، مما يثبت أن الديكتاتورية الجماعية الإسلامية تمتلك قدرة مرعبة على تجميع وحشد طاقات الجهل والتجهيل وتوجيهها نحو تصفية أي مظهر من مظاهر العقلانية الغربية أو التنوير الإنساني، حتى وإن كان ذلك داخل مجتمعات علمانية تحمي حقوق الأفراد بقوة القانون.
من منظور المادية التاريخية، تلتقي هذه البنية الاستبدادية الشاملة مع مصالح الأنظمة السياسية الديكتاتورية القائمة في المنطقة، والتي تجد في بقاء الوعي الخرافي والتدجين الديني للجماهير خير ضامن لاستمرار عروشها وصيانة امتيازاتها الطبقية والمالية. إن الدولة الديكتاتورية لا تجد ضيراً في إطلاق يد المؤسسات الدينية والشيوخ للسيطرة على الفضاء الثقافي والتعليمي والاجتماعي، ما دام هؤلاء الشيوخ يلتزمون في المقابل بإنتاج رعايا مدجنين، يؤمنون بالسمع والطاعة المطلقة لولي الأمر، ويرون في الفقر والظلم والمصادرات الاقتصادية قضاءً وقدراً مكتوباً في اللوح المحفوظ يجب الصبر عليه لانتظار التعويض المؤجل في الآخرة. هذا التوافق البنيوي بين الجامع والقصر يجهض أي محاولة لبناء وعي طبقي أو سياسي حاسم لدى الجماهير؛ فحين يرتفع صوت مفكر للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتفكيك منظومة النهب الريعي، تسارع الآلة الفقهية لتكفيره وشيطنته بتهمة الإلحاد والتشكيك في الثوابت، لتتحرك الجموع المستهدفة بالتحرير ذاتها، وبوعي زائف مدهش، لتصفية هذا الذي يدافع عنها وحماية جلادها التاريخي بروح حماسية انتحارية.
إن محاولات ترقيع التشريعات القشرية أو إدخال إصلاحات سياسية شكلية كالانتخابات الصورية وصناديق الاقتراع، في بيئة ثقافية لم تفكك لاهوتها الإقصائي القديم ولم تخضع بنيتها الثيولوجية لمشرط النقد الجذري، هي حرث في البحر وتكرار بائس للمآسي التاريخية. فالانتخابات في ظل هيمنة الديكتاتورية الجماعية الشاملة وعقلية القطيع المدجن لا تنتج ديمقراطية حقيقية، بل تتحول إلى آلية عددية جوفاء تتيح للأغلبيات الطائفية أو القبلية المستلبة معرفياً الوصول إلى سدة الحكم من أجل ممارسة دكتاتورية دينية وتشريعية أشد قسوة وبطشاً ضد الأقليات والمختلفين والنساء وحملة الفكر النقدي. هذا الفشل البنيوي لمشاريع الحداثة السياسية في المنطقة يثبت أن الديكتاتورية السياسية ليست سوى انعكاس وتجلّ أرضي للديكتاتورية المعرفية واللاهوتية الكامنة في صلب الثقافة التقليدية، وأن استنبات قيم المواطنة والعلمانية وحقوق الإنسان يستدعي بالضرورة هدم المقولات التأسيسية للاهوت الطاعة والإغلاق، وتحرير العقل العام من أسر المقابر والماضي.
إن عمق المعضلة التاريخية يتجلى في أن المنظومة العقائدية التقليدية الحالية أسست لرؤية منغلقة ونهائية للتاريخ البشري عبر أطروحة ختم النبوة، والتي جرى توظيفها سياسياً لتقديس اللحظة الماضية وتحويل المستقبل إلى ضلالة حتمية؛ فكل فكر جديد هو بدعة، وكل بدعة هي ضلالة، وكل ضلالة مصيرها الحرق والنفي والموت المادي. هذا التسييج الميتافيزيقي للتاريخ سحق إمكانية التطور التلقائي للمجتمعات وجعل الوعي الجمعي يرتد دائماً وبشكل عصابي وغبي نحو تجارب القرن السابع الميلادي البدائية لحل مشكلات القرن الحادي والعشرين المعقدة والمادية. وعندما يعجز العقل العام عن مجاراة حركية الواقع وقفزات العلم والتكنولوجيا، يصاب بحالة من الإحباط الحضاري والعدوانية الشديدة تجاه الأمم المتقدمة وتجاه النخب التنويرية المحلية التي تحاول تذكيره ببؤسه المعرفي ومأزقه الوجودي، مما يحول فعل الاغتيال والتكفير إلى آلية تعويضية وهمية يستعيد بها المجتمع المستلب شعوراً زائفاً بالفوقية الأخلاقية والنقاء العقائدي على حساب دماء وحرية المبدعين.
لذلك، تقتضي الشجاعة المعرفية المعاصرة الإقرار الصريح بأن التخلص من ربقة الطغيان والديكتاتورية في المجتمعات الإسلامية لن يتم عبر مواعظ التسامح الجوفاء أو حوارات الأديان الناعمة التي تتجنب خوض الصراع الحقيقي، بل يستلزم إعلان ثورة أنثروبولوجية ومعرفية شاملة تقتحم حصون اللاهوت الإقصائي وتخضع النص والموروث لقوانين النقد العلمي والتفكيك التاريخي الصارم. يجب إسقاط شرعية النخب الفقهية والشيوخ الذين يقتاتون على دماء الضحايا ويوجهون جحافل المغفلين لحراسة أوهامهم المربحة، وإعادة بناء المنظومات التعليمية والثقافية على أسس العلمانية الشاملة وحرية التعبير المطلقة التي لا تحدها خطوط حمراء أو مقدسات مصطنعة. إن حماية الحياة البشرية وصون أجساد المفكرين والكتاب والمدرسين من نِصال الغدر والجهل تتطلب صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، يعيد الاعتبار للفرد الإنساني كذات حرّة مستقلة، مالكة لوعيها ومصيرها، وصاحبة الحق الحصري والوحيد في هندسة تشريعاتها وقيمها وأخلاقها بناءً على علل المصالح المادية والمنفعة الدنيوية على هذه الأرض، بعيداً عن وصاية الغيب، وسيوف الحكام، وجحافل الجماعات المدجنة التي تقتات على الدم والجهل المقدس وثقافة القطيع.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire