Translate

معضلة الشر: وهم الأنطولوجيا اللغوية وسقوط تبرير الشر بوصفه عدماً (مقال)


.

.
معضلة الشر: وهم الأنطولوجيا اللغوية وسقوط تبرير الشر بوصفه عدماً




يعد الطرح الفلسفي القائل بأن الشر ليس له وجود وجودي مستقل، بل هو مجرد عدم أو غياب للخير، واحداً من أكثر الأطروحات الميتافيزيقية عمقاً في الانفصال عن الواقع التجريبي والهروب إلى التلاعب اللفظي. هذا الطرح الذي يعود بجذوره الفكرية إلى الأفلاطونية المحدثة، وتبناه لاحقاً فلاسفة ولاهوتيون كبار مثل القديس أغسطينوس في الفكر الغربي والفارابي وابن سينا في الفكر الإسلامي، كان يهدف بالأساس إلى حل العقدة التوحيدية الكبرى عبر تبرئة ساحة الخالق من تهمة خلق الشر؛ فبما أن الإله كاملاً وخيراً مطلقاً، وبما أنه لا يخلق إلا الوجود، والوجود خير في ذاته، فإن الشر لا يمكن أن يكون مخلوقاً أو مادة قائمة بذاتها، بل هو مجرد نقص في الوجود، أو حرمان من الكمال المفترض، تماماً كما أن الظلام ليس مادة فيزيائية يتم خلقها بل هو مجرد غياب لفوتونات الضوء، وكما أن المرض هو غياب للصحة، والعمى هو غياب للبصر. إلا أن هذه المنظومة التجريدية، وعندما تُنتزع من بطون الكتب الفلسفية وتُوضع في مواجهة الواقع العاري لتجربة إنسانية حية وملموسة كحالة طفل يولد دون يدين، تتهاوى تماماً وتنكشف كخرافة لغوية ووهم تفسيري يسحق بديهيات الألم الإنساني لحساب حماية الفكرة الميتافيزيقية.
إن أولى خطايا هذا الطرح تكمن في المغالطة اللغوية التي تحاول فرض وصاية مفاهيمية على الواقع الأنطولوجي للألم والعجز؛ فالطفل الذي يولد دون أطراف عليا لا يعيش حياته في فضاء من "العدم المجرّد" أو الفراغ الهندسي الذي يمكن حله بجرّة قلم أو بإعادة تعريف المصطلح في المعاجم، بل يعيش واقعاً بيولوجياً ونفسياً يومياً يتسم بالحضور الطاغي والثقيل للمعاناة. إن غياب اليدين بالنسبة لهذا الكائن الحي ليس مجرد "نقص في الكمال البنيوي" كلوحة رسم لم يكمل الفنان تلوينها، بل هو سلسلة متواصلة من العذابات العضوية والنفسية الحقيقية والموضوعية؛ من آلام الأعصاب الوهمية التي تصيب الأطراف المفقودة، إلى الحرمان المطلق من أبسط الوظائف الحيوية كإطعام الذات أو تنظيفها، وصولاً إلى نظرات المجتمع التي تتأرجح بين الشفقة المهينة والقسوة الجارحة. تحويل هذا العذاب الحارق والواقعي إلى مجرد "وجهة نظر فلسفية" أو تسميته "غياباً للخير" هو استخفاف سافر بالعقل الإنساني وإهانة لكرامة المتألم، فالمعاناة هنا ليست غياباً لشيء بل هي حضور عنيف وملموس للألم والعجز ومحدودية الحركة.
هذا التهافت يتجلى بوضوح عند تفكيك الخديعة الكبرى التي طالما استند إليها هذا الفكر، وهي تشبيه الشر بالظلام والخير بالضوء، وهو تشبيه فاسد علمياً وفلسفياً وبيولوجياً من كل الأوجه. ففي عالم الفيزياء، الظلام هو بالفعل غياب الضوء، والظلام كحالة فيزيائية صماء لا يتألم، ولا يبكي، ولا ينزف، ولا يشعر بالمهانة والقهر الكوني. أما الألم والتشوه الخلقي والمرض في عالم البيولوجيا، فليست مجرد غياب للعدم، بل هي عمليات كيميائية حيوية نشطة وحاضرة بقوة؛ فالجهاز العصبي للطفل المشوه أو المريض يعمل بكفاءة هائلة ونشاط فيزيولوجي ملموس لنقل إشارات الألم والعجز إلى الدماغ، وهناك مستقبلات حسية، وضغط نفسي، وتآكل في الأنسجة الحية، وتفاعلات خلوية موضوعية. إن القول بأن اليد المفقودة أو الخلايا السرطانية هي مجرد "عدم" يشبه تماماً أن تقف أمام شخص يحترق حياً في النيران وتقول له بكل برود فلسفي إن النار ليست شراً موضوعياً بل هي فقط غياب للبرودة، أو أن تقول لغريق يتنفس الماء إن الموت ليس شراً بل هو غياب للأكسجين. هذا التلاعب اللفظي يوضح كيف يمكن للميتافيزيقا أن تعمي البصيرة البشرية وتجعل الفيلسوف ينكر البديهيات التجريبية التي تقع تحت ناظريه لمجرد الإبقاء على تماسك الفرضية الغيبية.
وحتى لو تماشينا مع هذه السفسطة اللاهوتية وقبلنا جدلاً ومجازاً بالفرضية القائلة بأن الشر هو مجرد "غياب للخير" أو انسحاب للضوء الإلهي من بعض مواضع الوجود، فإن هذا الطرح لا يحل المشكلة بتاتاً، بل يرتد ليدين التصور التوحيدي للخالق من جهة أخرى ويسقطه في مأزق أخلاقي جديد. فإذا كان الإله هو المهندس الأعظم للكون، والمصمم الأول لكل القوانين الفيزيائية والجينية، وهو كلي القدرة والصلاح، فلماذا اختار أو سمح بأن يُسحب الخير أو الضوء من هذا الموضع بالذات في رحم الأم أثناء انقسام الخلايا؟ ومن الذي صمم القوانين البيولوجية الجينية وجعلها قابلة للاختلال والوقوع في هذا "الغياب للخير" الذي يدفع ثمنه طفل بريء طوال حياته؟ إن النتيجة النهائية من منظور المسؤولية الأخلاقية تظل واحدة ولا تتغير؛ فمن يصمم نظاماً يسمح بحدوث النقص والعجز والألم، أو يمتنع عن إمداد الكائن بالخير الكامل مع قدرته المطلقة على ذلك، يظل هو المسؤول الأول عن النتيجة، سواء أسمينا هذه النتيجة "خلقاً موضوعياً للشر" أم "امتناعاً عمدياً عن إيجاد الخير"، فالألم الذي يشعر به الطفل لا يكترث بالتسميات اللغوية التي يخترعها الفلاسفة في غرفهم المريحة لتهدئة ضمائرهم الميتافيزيقية.
يكشف هذا النمط التبريري عن عمق المأزق الأخلاقي للفلسفة اللاهوتية التي تفضل حماية "قداسة الفكرة" على حساب "كرامة الإنسان وكيانه". إن إصرار أغسطينوس والفارابي ومن سار على دربهم على نفي الوجود الموضوعي للشر وتحويله إلى مفهوم سلبي مجرد هو محاولة واضحة للهروب من استحقاقات معضلة الشر عبر بوابة التجريد؛ لأنهم أدركوا أن الاعتراف بالشر كواقع وجودي قائم بذاته يعادل الاعتراف المباشر بخلل التصميم أو بقسوة المصمم، ولما كان هذا الاعتراف ينسف أسس العقيدة، كان الحل الأسهل هو إعادة صياغة الواقع لغوياً وإنكار وجود الألم نفسه وتحويله إلى مسألة عدمية. هذا الهروب المعرفي يثبت أن المنظومة اللاهوتية الدفاعية مستعدة لتزييف الواقع وتكذيب الحواس وإنكار معاناة الملايين من البشر والحيوانات، فقط لكي تظل الصورة الذهنية للإله في النصوص معقمة ومثالية ومحاطة بهالات الكمال المطلق الذي لا يمسه نقص.
وفي ختام هذا التفكيك الأنطولوجي، يتضح أن زعم "الشر كعدم" ليس سوى ضمادة رديئة الصنع من قماش اللغة، تتهاوى وتمتلئ بالدماء أمام أول صرخة لطفل يولد مشوهاً أو يتألم من مرض عضال. إن المعاناة الإنسانية والحيوانية في هذا الكون هي حقيقة موضوعية، ثقيلة، وحاضرة، وليست مجرد غياب لنقص هندسي؛ والكون المادي الذي نعيش فيه يعمل وفق آليات فيزيائية صماء لا تعرف مفاهيم الخير والشر الفلسفية، فالطبيعة لا تخلق "عدماً" ولا "وجوداً أخلاقياً"، بل تدير تفاعلات مادية كيميائية وبيولوجية ينتج عنها تارة بناء الأنسجة وتارة تمزيقها. الاعتراف بهذه الحقيقة العارية هو السبيل الوحيد لاستعادة النزاهة الفكرية، والكف عن ممارسة السفسطة على جراح المتألمين، والقبول بأن الألم واقع يجب التعامل معه ومحاربته بأدوات العلم والطب، بدلاً من تبريره وتمريره تحت غطاء الأوهام اللغوية والميتافيزيقية التي لا تطعم جائعاً ولا تشفي مريضاً ولا تعيد ذراعاً لطفل وُلد مشوها.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...