Translate

المادية التاريخية للنص: القرآن كـ "أنتولوجيا" بشرية (مقال)

.

.
المادية التاريخية للنص: القرآن كـ "أنتولوجيا" بشرية




تعتمد القراءة المادية للتاريخ على مبدأ أساسي مفاده أن الوعي البشري ومنتجاته الثقافية لا تهبط من فراغ ميتافيزيقي بل هي انعكاس للشروط الموضوعية والتراكمات المعرفية التي سبقت لحظة التكون. وعند إخضاع النص القرآني لهذا المنهج نجد أننا لسنا أمام "خلق من عدم" أو خطاب معزول عن محيطه بل نحن أمام "أنتولوجيا" أو تجميعة بشرية معقدة قامت بإعادة تدوير مكثف للمواد الثقافية والدينية والأسطورية التي كانت تضج بها منطقة الشرق الأدنى في أواخر العصور القديمة. إن الزعم بأن القرآن نص فريد ومنقطع الصلة بما قبله هو زعم يصطدم بالحقائق اللسانية والأركيولوجية التي تثبت أن النص هو "نص موازٍ" استعار أدواته ومفرداته وقصصه من الخزان المعرفي السرياني واليهودي-المسيحي الذي كان يمثل "العملة الثقافية" الرائجة في ذلك الزمان. إن هذه القراءة لا تهدف للمنطق اللاهوتي بل تسعى لتفكيك "المادة الأولية" للنص وإعادتها إلى جذورها البشرية الصرفة لتبين كيف تلاعبت الحاجة المادية والسياسية بهذا التراث لإنتاج أيديولوجيا مركزية جديدة.
تعد الجذور السريانية واليهودية-المسيحية للنص القرآني هي المفتاح الأول لفهم طبيعته التجميعية حيث كشفت الدراسات اللسانية الحديثة ونقد النصوص أن القرآن غارق في "السريانيات" ليس فقط على مستوى المفردات بل على مستوى البنية الإيقاعية واللاهوتية. إن بيئة الحجاز أو شمال الجزيرة العربية لم تكن جزيرة معزولة بل كانت ملتقى للتجار والرهبان والأحناف الذين كانوا يتداولون نصوصاً مقدسة باللغة السريانية وهي اللغة التي كانت لغة الثقافة والعبادة في ذلك الوقت. الكثير من الكلمات التي اعتبرها المفسرون المسلمون "غريبة" أو "أعجمية" تجد معناها المباشر والدقيق في السريانية مثل كلمات "فرقان" و"طير أبابيل" وحتى كلمة "قرآن" نفسها التي تعني في السريانية "قريانا" أي القراءة الطقسية أو كتاب القراءات الكنسية. هذا الاعتماد اللساني يثبت أن النص لم ينطق بلغة عربية "قريشية" صافية بل نطق بلغة "هجينة" تعكس التلاقح المادي والثقافي بين العرب وبين المراكز الحضارية الكبرى في الشام والعراق. إن إعادة تدوير المصطلحات اللاهوتية السريانية ومنحها صبغة عربية كان فعلاً ضرورياً لكي يكتسب النص الجديد شرعية دينية أمام خصوم يمتلكون كتباً وصناعة "مقدسة" متطورة.
وعند فحص قصص الأنبياء في القرآن تظهر الطبيعة "الأنتولوجية" للنص بوضوح تام حيث نجد أن القصص القرآني ليس إلا إعادة صياغة لنصوص الأبوكريفا والأناجيل المنحولة والتلمود والميشنا. إن قصصاً مثل قصة "أصحاب الكهف" أو "عمران" أو "مريم والخلة" أو "عيسى الذي يكلم الناس في المهد ويخلق من الطين طيراً" لا وجود لها في الأناجيل الرسمية الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة بل هي موجودة بحذافيرها في "إنجيل الطفولة لتوما" و"إنجيل يعقوب" وهي نصوص كانت منتشرة بين الطوائف المسيحية المطرودة من بيزنطة والتي لجأت إلى أطراف الجزيرة العربية. وبالمثل نجد أن الكثير من الأحكام الفقهية والقصص المرتبطة بموسى وإبراهيم تجد أصولها في "المدراش" اليهودي وفي التلمود البابلي. إن كاتب النص القرآني لم يكن "يستقبل وحياً" بل كان يمارس عملية "مونتاج" ثقافي حيث يختار من الأساطير السائدة ما يخدم مشروعه التوحيدي الجديد ويقوم بحذف العناصر التي لا تتوافق مع بيئته الرعوية أو طموحاته السياسية. هذا التدوير للمادة الميثولوجية يثبت أن القرآن هو "خزانة تراثية" جمعت أشتات المعتقدات القديمة وأعادت صياغتها في قالب لغوي محلي لكي تخاطب الوجدان العربي بلغة مألوفة لديه ولكن بمرجعية سلطوية جديدة.
إن التطور العضوي للنص من المرحلة "المكية" إلى المرحلة "المدنية" يقدم دليلاً مادياً دامغاً على أن القرآن هو "منتج بشري" تابع للواقع وليس سابقاً عليه. في المرحلة المكية حيث كانت الجماعة المؤمنة تعيش حالة الضعف والاضطهاد جاء النص "دعويّاً" روحياً يركز على الأخلاق العامة والوعظ والمحاججة اللغوية البسيطة وهو ما يعكس موازين القوى في ذلك الوقت حيث لم يكن "النبي" يمتلك إلا سلاح الكلمة. ولكن بمجرد الانتقال إلى يثرب (المدينة) وتأسيس كيان سياسي وامتلاك جيش وقوة مادية تغيرت طبيعة "الوحي" بشكل جذري لينتقل من الوعظ إلى "التشريع المادي" الصارم. ظهرت آيات الغنائم والجهاد والسبي والجزية وتنظيم العقود المالية والمواريث وهي نصوص لم يكن لها وجود في مكة لأن الواقع المادي لم يكن يحتاج إليها. هذا "التبدل" في الخطاب يثبت أن النص كان يستجيب للحاجات الضاغطة للدولة الناشئة فكلما واجهت الدولة مشكلة اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية نزل "نص" يحل المعضلة ويمنح القرار السياسي قدسية مطلقة. إن القرآن المدني هو في الحقيقة "قانون الدولة" الذي كُتب على وقع حوافر الخيول وصليل السيوف وهو ما ينفي عنه صفة "الإطلاق" ويؤكد صبغته "التاريخية" المرتبطة بظرف مكاني وزماني محدد.
ومن أكثر الأساطير التي روج لها الفكر الديني لتثبيت قدسية النص هي أسطورة "الإعجاز اللغوي" أو "التحدي" بأن يأتوا بمثله. من منظور المادية التاريخية واللسانيات المقارنة يسقط هذا الادعاء عند وضعه في سياق تطور اللغات السامية؛ فاللغة العربية في القرن السابع كانت لغة في طور التشكل والنضوج وبناء القواعد والنص القرآني هو مجرد "قفزة أدبية" استغلت التراكم اللغوي للشعر الجاهلي والنثر السجعي الكهنوتي الذي كان سائداً. إن القرآن لم يأتِ بنظام لغوي "معجز" بل استخدم آليات السجع والمقابلة والاشتقاق التي كانت موجودة عند "الكهان" العرب قبل الإسلام. وما يدعيه المسلمون "إعجازاً" هو في الحقيقة "تميزاً أسلوبياً" يمكن أن نجده في أي عمل أدبي رفيع المستوى في أي لغة أخرى. إن تقديس اللغة وجعلها "إلهية" هو نوع من "الفيتيشية اللغوية" التي تهدف لمنع العقل من تحليل النص كمنتج بشري خاضع لقوانين اللسان والتطور الاجتماعي. إن اللغة القرآنية هي ابنة بيئتها وهي تعكس محدودية الخيال الصحراوي ومفرداته المرتبطة بالإبل والخيمة والرمال والغزو ولا يوجد فيها أي إشارة لمعارف خارج أفق ذلك الزمان مما يثبت بشريتها ومحليتها.
إن النظر إلى القرآن كـ "أنتولوجيا" بشرية يعيد الاعتبار للعقل العربي المادي ويحرره من ربقة "التسليم للغيب". إن النص ليس معجزة بل هو "تجميعة عبقرية" استطاعت أن تدمج بين التراث الديني القديم وبين الطموح السياسي القومي للعرب في لحظة تاريخية فارقة. إن هذا التجميع لم يكن فعلاً بريئاً بل كان عملية "هندسة أيديولوجية" لإنتاج هوية جديدة قادرة على منافسة الإمبراطوريات الكبرى. وعندما نفكك هذه الأنتولوجيا ونعيد كل "قطعة" فيها إلى أصلها (السرياني أو العبري أو الأبوكريفي) يتضح لنا أن "الوحي" هو مجرد قناع للعملية الإبداعية البشرية التي تستعير من الماضي لتبني الحاضر. إن التقديس الذي يحيط بالنص هو "حجاب" يمنع الناس من رؤية التناقضات والاضطرابات النصية الناتجة عن تجميع مواد من مصادر مختلفة وأزمنة متفاوتة.
في الختام يثبت المنهج المادي أن القرآن هو وثيقة تاريخية تعكس صراع القوى في قلب الجزيرة العربية وصعود طبقة تجارية وعسكرية جديدة احتاجت إلى "كتاب مقدس" يبرر سيادتها. إن فكرة "إعادة التدوير الثقافي" هي المحرك الحقيقي لتطور الأديان فلا يوجد دين يبدأ من نقطة الصفر بل كل دين هو "تراكم" على أنقاض ما سبقه. والاعتراف ببشرية القرآن وتجميعيته هو الخطوة الأولى نحو "العلمنة المعرفية" التي تضع النص في إطاره الصحيح كجزء من تاريخ الأدب والدين البشري لا كقيد مكبل للعقل والتقدم. إن القرآنية وغيرها من محاولات الإصلاح الديني ستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم تعترف بهذه الحقيقة المادية: وهي أن النص هو صناعة بشرية من ألفه إلى يائه وأنه آن الأوان للانتقال من "عبادة النص" إلى "عبادة العقل والواقع" لبناء حضارة لا تحتاج إلى أساطير الأولين لتبرر وجودها.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...