.
.
إمبراطورية الظل خلف قناع الزهد: ممتلكات وأصول الوليّ السّفيه الإيراني في الخارج تحت مجهر التحقيقات الدولية
تعد قضية الثروات والممتلكات الخارجية للنخبة الحاكمة في إيران، وعلى رأسها تلك المرتبطة بمكتب الولي الفقيه، واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وسرية في الاقتصاد السياسي العالمي المعاصر، حيث يتقاطع فيها البعد الأيديولوجي المتمثل في شعارات الزهد والثورة مع واقع مالي يضج بالمليارات المهربة والشركات الوهمية العابرة للقارات. إن محاولة تتبع هذه الأصول ليست مجرد ترف صحفي، بل هي ضرورة لفهم آليات بقاء النظام الإيراني وقدرته على الالتفاف على العقوبات الدولية لسنوات طويلة، إذ تشير التحقيقات الاستقصائية الموثقة الصادرة في مطلع عام ألفين وستة وعشرين، والمستندة إلى بيانات بنكية وعقارية من لندن وفرانكفورت ودبي، إلى وجود شبكة عنكبوتية من الأصول التي لا تُسجل مباشرة بأسماء القيادات العليا، بل تُدار عبر واجهات تجارية ووسطاء محترفين يتقنون فن إخفاء الأثر المالي في الملاذات الضريبية الآمنة.
تبدأ القصة من التناقض الصارخ الذي يعيشه الشارع الإيراني، فبينما يرزح أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر وتتآكل القوة الشرائية للريال الإيراني، تظهر الوثائق المسربة من سجلات العقارات في المملكة المتحدة أن هناك قلاعاً مالية صامتة في أرقى أحياء لندن، وتحديداً في منطقة كينسينغتون وبالاس غاردنز، تعود ملكيتها النفعية لشركات مسجلة في جزر فيرجن البريطانية أو ليختنشتاين، وهي شركات مرتبطة بشكل وثيق بشبكة علي أنصاري، رجل الأعمال الذي تضعه التقارير الدولية كمهندس مالي رئيسي لمصالح مكتب الولي الفقيه والحرس الثوري. هذه العقارات التي تُعرف في الأوساط العقارية بلندن باسم "بيوت الأشباح" نظراً لعدم سكنها، لا تمثل مجرد سكن فاخر، بل هي مخازن قيمة استراتيجية تُستخدم لتأمين الثروة بعيداً عن تقلبات الداخل الإيراني وضمان استمرارية التمويل للأذرع الإقليمية في حال حدوث انهيارات اقتصادية كبرى.
إن المنهجية التي تتبعها هذه الإمبراطورية المالية تعتمد على مبدأ التفتيت والتمويه، حيث لا تظهر ممتلكات مجتبى خامنئي أو المقربين منه بشكل مباشر في أي سجل رسمي، بل يتم الاعتماد على طبقات متعددة من الشركات الوهمية التي تقوم بشراء حصص في فنادق كبرى بأوروبا، مثل تلك الموجودة في فرانكفورت ومايوركا والنمسا. هذه الاستثمارات في قطاع الضيافة والخدمات تمثل وسيلة مثالية لغسل أموال النفط التي يتم بيعها عبر القنوات الالتفافية، حيث تتحول الأرباح الناتجة عن مبيعات الخام في الأسواق الرمادية إلى عوائد شرعية ناتجة عن أعمال فندقية وسياحية في قلب القارة الأوروبية، وهو ما كشفته تحقيقات صحيفة الفاينانشال تايمز وبلومبرغ مؤخراً، مؤكدة أن المحفظة الأوروبية المرتبطة بهذه الشبكة تجاوزت قيمتها أربعمائة مليون يورو، وهي مبالغ تكفي لإعادة بناء قطاعات كاملة من البنية التحتية المتهالكة داخل إيران.
ولا يقتصر التغلغل المالي لهذه المنظومة على القارة العجوز، بل يمتد بعمق نحو منطقة الخليج العربي، وتحديداً في دبي، حيث تُستخدم المراكز المالية هناك كجسر عبور للأموال السائلة نحو الأسواق العالمية. وتشير تقارير استخباراتية مالية إلى أن الضواحي الراقية مثل تلال الإمارات تضم فيلات وقصوراً تعود لشبكات وساطة تعمل لصالح الحرس الثوري، حيث يتم دمج الأموال في القطاع العقاري المحلي الذي يتميز بالسيولة العالية والقدرة على استيعاب الاستثمارات الضخمة دون إثارة الكثير من التساؤلات القانونية في البداية. هذه الأصول العقارية في دبي تمثل العصب التنفيذي لإدارة العمليات اليومية، حيث يتم من خلالها تمويل المشتريات التكنولوجية والعسكرية التي يحتاجها النظام الإيراني لتطوير برامجه التسليحية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية المشددة.
إن الخطورة في هذا التمدد المالي لا تكمن فقط في حجم الأموال المنهوبة من مقدرات الشعب الإيراني، بل في الغرض الذي تُستخدم لأجله هذه الأصول، حيث يربط المحللون بين نمو هذه الإمبراطورية العقارية والتمويل المستدام للميليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان. فعندما تُضيق العقوبات البنكية الخناق على التحويلات الرسمية، تتحول هذه العقارات والفنادق في الخارج إلى "بنوك ظل" قادرة على توفير السيولة النقدية والائتمان للوكلاء الإقليميين، مما يجعل من منظومة الولي الفقيه كياناً عابراً للحدود لا يعترف بالقيود السيادية للدول التي يستثمر فيها، ويستخدم قوانين السوق الحرة في الغرب لضرب استقرار المنطقة وتمرير أجنداته الأيديولوجية التي يدعي في العلن معاداتها للغرب وقيمه.
وفي كندا، برزت فضيحة عقارية أخرى تتعلق ببيع بنتهاوس فاخر في تورونتو مرتبط بذات الشبكة، مما أثار تساؤلات قانونية وسياسية حول كيفية تسلل هذه الأموال إلى النظام المالي الكندي رغم العقوبات المفروضة. هذا الحادث كشف أن الإمبراطورية المالية للنظام الإيراني ليست محصورة في النطاق الجغرافي القريب، بل هي أخطبوط يمد أذرعه إلى أمريكا الشمالية مستغلاً الثغرات في قوانين الإفصاح عن المالك الحقيقي. إن هذه التحركات المالية الدولية تعكس استراتيجية "بقاء النخبة" التي تدرك تماماً أن شرعيتها الداخلية في مهب الريح، فتقوم بتأمين ملاذات مالية آمنة في الدول التي تصفها في أدبياتها الثورية بـ "الاستكبار العالمي"، في مفارقة تاريخية تجسد أقصى درجات النفاق السياسي والمالي.
عند تحليل البنية الداخلية لهذه الثروات، نجد أن مؤسسة تنفيذ أمر الإمام، المعروفة اختصاراً بـ "ستاد"، تمثل الحجر الزاوية في تراكم هذه الممتلكات، حيث بدأت بمصادرة أموال المعارضين والفئات المهمشة بعد الثورة، لتتحول بمرور العقود إلى تكتل اقتصادي عملاق تتجاوز قيمته مائة مليار دولار داخل إيران، ومن ثم بدأت في تصدير هذا الفائض المالي نحو الخارج عبر شركات واجهة. إن العلاقة بين "ستاد" والممتلكات الخارجية للولي الفقيه هي علاقة العضو بالجسد، حيث تعمل المؤسسة الأم في طهران كمصدر للتمويل الأولي، بينما تقوم الشبكات الخارجية بتحويل هذه الأصول إلى استثمارات دولية يصعب تجميدها أو ملاحقتها قضائياً بسهولة، مما يخلق درعاً مالياً يحمي النظام من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.
إن الغضب الشعبي المتصاعد داخل إيران يجد مبرره القوي في هذه الاكتشافات، فالإيراني الذي ينتظر ساعات في طوابير السلع الأساسية يرى في صور القصور واليخوت المرتبطة بأبناء النخبة (الآغازاده) في لندن ودبي صفعة لكرامته ومعاناته. هذا الفساد الممنهج لم يعد مجرد قضية جنائية، بل تحول إلى محرك أساسي للحركات الاحتجاجية التي ترفع شعارات تندد بتبديد ثروات البلاد في الخارج. إن التقارير الصحفية التي تصدر اليوم لا تكتفي برصد الأرقام، بل تحلل الآثار الاجتماعية لهذه السرقات المنظمة، مؤكدة أن رأس المال المهرب للخارج كان كفيلاً بإنقاذ العملة الوطنية ومنع انزلاق الملايين نحو دائرة الجوع، وهو ما يجعل من ملف ممتلكات الولي الفقيه في الخارج القضية الأكثر حساسية وخطورة على مستقبل الاستقرار السياسي في إيران.
ختاماً، فإن وضع ممتلكات الولي الفقيه والمقربين منه تحت المجهر الدولي يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن النظام الذي يرفع شعارات العدالة الإلهية قد شيد لنفسه مملكة أرضية من الأموال المحرمة والمستقطعة من أفواه الجوعى. إن الاستمرار في كشف هذه الملفات وملاحقة الوسطاء الماليين وتفعيل قوانين الشفافية الدولية هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع التمويل التي تغذي التطرف والفساد، فالإمبراطورية التي بُنيت على الظل والسرية لا يمكن أن تصمد أمام ضوء الحقائق الدامغة والتحقيقات الجريئة التي بدأت تزيح الستار عن واحدة من أكبر عمليات النهب المنظم في التاريخ الحديث، مؤكدة أن الثروات التي يُراد لها أن تكون طوق نجاة للنظام قد تتحول في النهاية إلى القيد الذي يسرع من نهايته التاريخية.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire