.
.
أسطورة الوصي وفلسفة المظلومية: تفكيك الشخصية الورقية لعلي بن أبي طالب في المتخيل العباسي
تعتبر شخصية علي بن أبي طالب واحدة من أكثر النماذج تعقيداً في التراث الديني العالمي، ليس بسبب وفرة الحقائق التاريخية عنها، بل بسبب الكثافة الدرامية والأسطورية التي أحاطت بها حتى تحولت من مجرد كائن بشري مفترض إلى أيقونة كونية تختزل صراعات السلطة والميتافيزيقا. إن البحث في هذه الشخصية لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الذي كُتبت فيه المرويات، وهو العصر العباسي الذي شهد ولادة "المصنع" الأيديولوجي الضخم الذي صاغ الإسلام كما نعرفه اليوم. ومن خلال فحص السرديات الإسلامية بشقيها السني والشيعي، يتبدى لنا بوضوح أننا أمام بناء أدبي وسياسي تراكمي، سعى إلى تحويل شخصية علي إلى مساحة لتسوية الحسابات التاريخية وتبرير التطلعات السياسية، مما أنتج شخصية مليئة بالتناقضات المنطقية التي تنهار أمام أدنى محاكمة عقلية محايدة.
إن المدخل الأساسي لنقد هذه الشخصية يبدأ من التشكيك في وجودها المادي أصلاً، نظراً لغياب الأدلة الأركيولوجية أو النقوش المعاصرة التي تثبت وجود خليفة بهذا الاسم خاض كل تلك الحروب الكبرى. فبينما يمتلئ التراث بمئات الآلاف من الصفحات التي تصف أدق تفاصيل حياته، من زهده في الطعام إلى بطولاته في المعارك، تعجز الحفريات والمسكوكات عن تقديم دليل واحد يقطع بوجود هذا الكيان التاريخي. هذا الانفصال بين ضخامة السرد وغياب الأثر يقودنا إلى استنتاج أن "علياً" هو بطل رواية عباسية بامتياز، صُممت ملامحه بعناية لتلبي حاجة الدولة الجديدة إلى "بطل تراجيدي" يمنح الشرعية لآل البيت، وفي الوقت نفسه يكون جسراً لنقل السلطة من الأمويين إلى العباسيين تحت شعار الرضا من آل محمد.
وعندما نتأمل في مفهوم "الحق" الذي يربطه الكاتب صباح الزهيري وغيره بشخصية علي، نجد أننا أمام مصطلح زئبقي لا يحمل أي مضمون مادي. فالحق في الرواية الإسلامية هو مجرد أداة لإقصاء الآخر، حيث يرى الإرهابي نفسه على حق، ويرى المسالم نفسه على حق، وكان علي في المتخيل الإسلامي يرى نفسه على حق وهو يقاتل أصحابه بالأمس في حروب الجمل وصفين والنهروان. هذه الزئبقية جعلت من شخصية علي نموذجاً للمقاتل الذي يسفك دماء "إخوته في الدين" تحت غطاء اليقين المطلق، وهي صفة تتناقض تماماً مع صورة الحكيم والزاهد التي يحاول المقال المذكور ترويجها. إن الصراع على السلطة والنفوذ والمال هو المحرك الفعلي لهذه الشخصيات، تماماً كما كان حال محمد وأتباعه، حيث لم يكن الزهد إلا غلافاً أيديولوجياً لتبرير الفشل في الاستقرار السياسي أو كسب الولاءات المطلقة.
تتجلى التناقضات الصارخة في السيرة المفترضة لعلي عند فحص واقعة "كسر الضلع" الشهيرة في المذهب الشيعي، وما يقابلها من تهديد بالحرق في المصادر السنية. هذه الحادثة تمثل الفخ المنطقي الذي يسقط فيه المروجون لأسطورة البطاقة الخارقة لعلي. فمن جهة، يصوره الخيال الإسلامي كفارس لا يُهزم، يقلع أبواب الحصون بيد واحدة ويقتل العشرات بضربة سيف، ولكن في لحظة "الاختبار الأخلاقي" الأهم، نراه يقف عاجزاً صامتاً بينما تُهان زوجته فاطمة ويُكسر ضلعها ويُسقط جنينها أمام عينيه. هذا التناقض القاتل ينسف صورة الشجاعة المطلقة، ويظهر الشخصية ككيان ورقي تم التلاعب بخصائصه حسب حاجة القصة؛ ففي الحرب هو "سوبرمان"، وفي التبرير السياسي هو "المظلوم الصابر" الملتزم بوصية غيبية لا معنى لها. إن هذا التحول في الشخصية يثبت أننا أمام تأليف أدبي وليس تأريخاً واقعياً، حيث حاول المؤلف العباسي دمج فكرة "المظلومية" لاستدرار العطف مع فكرة "البطولة" لترهيب الخصوم، فخرج بمسخ مشوه لا يقبله العقل السليم.
علاوة على ذلك، فإن الطائفية التي تضرب جذورها في هذه السرديات لم تكن عارضاً طارئاً، بل هي المحرك الأساسي لنشوء فكرة الإسلام والفرق المنبثقة عنها. لقد بُنيت هذه المنظومة على أساس العداء للآخر، بدءاً من اليهودية والمسيحية والوثنية، وصولاً إلى الانشطار الداخلي الذي جعل من كل طائفة "ناجية" ومن الآخرين "ضالين". إن شخصية علي كانت الوقود الأهم لهذا الانشطار؛ فبينما يرفعه الشيعة إلى مقام الألوهية أو العصمة المطلقة، يضعه السنة في إطار الحاكم الذي أخطأ في تقدير الأمور وأدخل الأمة في فتن. وكلا الطرفين يستخدم أكاذيب مختلقة لتعزيز سرديته، حيث تُضاف كرامات ومعجزات وخرافات مثل "كلام الأوز" أو "القدر المحتوم" لتغييب الوعي الجمعي ومنعه من رؤية الحقيقة البسيطة، وهي أن هذه الصراعات كانت محض صراعات بشرية على الغنائم والكراسي، تم تغليفها لاحقاً بقداسة مزيفة.
إن استمرار مفعول هذه الخرافة على العقل المعاصر يعود إلى آليات التلقين والترهيب الفكري التي تمارسها المؤسسات الدينية والتعليمية. فالعقل الذي ينشأ على قداسة هذه الرموز يجد نفسه عاجزاً عن التشكيك في وجودها أو في أخلاقها، لأن ذلك يعني هدم الهوية الشخصية والجمعية. إن التمسك بكلمات مثل "سلطة الحق" و"فلسفة اليقين" ليس إلا محاولة للهرب من الواقع التاريخي المخزي المليء بالدماء والاغتيالات. فالإسلام، كمنظومة خرجت من رحم معتقدات سابقة وتم تشويهها لخدمة الإمبراطورية، لم ينتج إلا طوائف تتحارب من أجل السيادة، مستخدمة شخصيات خرافية كرموز لشرعيتها. وفي ظل غياب المقاييس الثابتة في الأديان، يصبح الادعاء بالحق هو الوسيلة الأسهل لجمع الأتباع وبناء جدران من الحقد تجاه الآخر، مما يجعل من شخصية علي بن أبي طالب ضحية ومحرضاً في آن واحد داخل هذا السيرك الأيديولوجي الكبير.
في النهاية، يظل فحص شخصية علي بن أبي طالب من منظور نقدي راديكالي هو السبيل الوحيد لتحرير العقل من أسر المرويات العباسية. إن مواجهة هذه الشخصية بحقيقتها كبناء لغوي وأسطوري تقتضي الجرأة على هدم الأصنام الفكرية التي دامت لقرون. فالحق لا يمكن أن يكون زئبقياً، والبطولة لا يمكن أن تجتمع مع العجز المطبق أمام حماية الأهل، والزهد لا يمكن أن يكون ستاراً لجمع الأموال والنساء. إن تفكيك هذه الخرافات هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي يعتمد على البرهان المادي والمنطق البشري، بعيداً عن "مقامات" التبجيل التي لا تفعل شيئاً سوى تجميل وجه الإرهاب التاريخي وإطالة عمر الطائفية البغيضة التي تمزق المجتمعات باسم رموز لا وجود لها إلا في بطون الكتب الصفراء. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى "فرسان" من ورق، بل يحتاج إلى عقول قادرة على نقد المقدس وتجاوز خزعبلات الماضي نحو مستقبل مبني على الحقيقة لا غير.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire