Translate

انكسار الأنثى: من فضاء الحرية الوثنية إلى قيود اللاهوت الأبوي وإعادة تشييء المرأة في العقل النبوي (مقال)

.


.
انكسار الأنثى: من فضاء الحرية الوثنية إلى قيود اللاهوت الأبوي وإعادة تشييء المرأة في العقل النبوي



تمثل قضية المرأة في تاريخ الجزيرة العربية واحدة من أكثر القضايا تعرضاً للتزييف الأيديولوجي، حيث دأبت السردية الإبراهيمية على تصوير عصر ما قبل الإسلام بوصفه زمناً من الظلام الدامس والمهانة المطلقة للأنثى، مروجة لأسطورة "الوادي العام" كقاعدة عامة لتبرير الانقلاب التشريعي الذي جاء به الدين الجديد. غير أن القراءة الأنثروبولوجية والتاريخية العميقة تكشف عن واقع مغاير تماماً، حيث كانت المرأة في "الجاهلية" تتمتع بهوامش من الحرية والاستقلال الاقتصادي والاعتباري تلاشت تماماً تحت وطأة القوانين الإبراهيمية. إن الانتقال من الليبرالية الوثنية، التي قدست الأنوثة في صورة آلهة عظمى، إلى النظام الأبوي الصارم، لم يكن تطوراً حقوقياً، بل كان عملية "تأميم" للأنثى وتحويلها من كائن إنساني مستقل إلى "متاع" تابع للرجل، محاصر بنصوص دينية تشرعن اضطهادها وتشيبئها بدعوى الحماية والولاية.
تبدأ ملامح القوة النسوية في العصر الوثني من القمة الهرمية للكون، حيث كان العقل العربي القديم يرى الألوهية في صور أنثوية مهيبة؛ فاللات والعزى ومناة لم تكن مجرد أحجار، بل كانت تعبيراً عن سيادة "الأم الكبرى" والقوة المحركة للوجود. هذا التقديس الميتافيزيقي للأنثى انعكس بشكل مباشر على وضع المرأة في المجتمع؛ فالحرية التي تمتعت بها شخصيات مثل "خديجة بنت خويلد" لم تكن طفرة استثنائية، بل كانت نتاجاً لبيئة تسمح للمرأة بممارسة التجارة، وامتلاك المال، واختيار أزواجها، بل ورفضهم. خديجة، الأرملة الثرية التي أدارت القوافل ووظفت الرجال، تمثل النموذج الحي لـ "الليبرالية الوثنية" التي لم تكن ترى في أنوثة المرأة عائقاً أمام سيادتها الاجتماعية. في ذلك العصر، لم تكن المرأة بحاجة لـ "ولي أمر" يوقع عنها عقودها أو يمنعها من السفر، ولم تكن "عورة" يجب مواراتها خلف الجدران، بل كانت شريكة في الفضاء العام، وشاعرة تقود القبائل بلسانها، وكاهنة يُستفتى في أمر الحرب والسلام.
ومع بزوغ الفجر الإبراهيمي، حدث انقلاب راديكالي في المفاهيم؛ حيث تم استبدال "الألهة الإناث" بإله ذكر واحد، غيور، وصارم، يمنح التفوق الوجودي للرجل ويجعل المرأة في مرتبة أدنى "بما فضل الله بعضهم على بعض". هذا التحول اللاهوتي كان البداية الفعلية لترسيخ النظام الأبوي (البطريركي) الذي جعل من الرجل "قواماً" على المرأة، محولاً إياها من كائن يمتلك أهليته الكاملة إلى كائن ناقص الأهلية والعقل والدين. إن القوانين التي فرضها العقل النبوي، مثل تعدد الزوجات، وملك اليمين، والميراث المنقوص، وشهادة المرأة التي تعادل نصف شهادة الرجل، لم تكن تحسيناً لوضعها كما يدعي المدافعون، بل كانت "هيكلة قانونية" لعملية الاضطهاد. فبدلاً من أن تكون المرأة نداً للرجل، أصبحت ملحقة به، تُشترى وتُباع في سوق النكاح بـ "صداق" هو في حقيقته ثمن لاستباحة جسدها، وهو ما تذكره النصوص بصراحة فجة عند الحديث عن "حل العقود" و"الاستمتاع".
إن عملية "تشييء" المرأة في العقل النبوي تجلت في تحويلها إلى حقل للمتعة وسكن للرجل، وإخراجها من دورها كفاعل اجتماعي إلى دورها كوعاء للإنجاب. لقد تم حصر قيمتها في "عفتها" المرتبطة بملكية الرجل لها، وضُربت حولها أسوار "الحجاب" ليس تكريماً لها، بل لتمييز "الحرة" عن "الأمة" في تصنيف طبقي مقيت، ولعزلها عن التأثير في الشأن العام. إن هذا التشييء جعل من جسد المرأة منطقة صراع سياسي وديني؛ فكلما أراد النظام الأبوي إثبات سلطته، زاد من تضييق الخناق على حركة الأنثى وزيها وصوتها. المفارقة التاريخية الكبرى هي أن الإسلام استثمر في شخصية خديجة ومالها لتقوية عوده في البداية، ثم ما لبث أن سن القوانين التي تمنع ظهور "خديجة أخرى"، حيث أصبحت المرأة التي تمارس التجارة وتوظف الرجال وتستقل بقرارها نموذجاً شاذاً ومرفوضاً في ظل فقه "القرار في البيوت".
علاوة على ذلك، استخدم الدين تقنيات "الترهيب الغيبي" لضمان خضوع المرأة؛ فصوّرها النص النبوي بوصفها "أكثر أهل النار"، وبأنها "تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان"، وبأن صلاتها لا تُقبل إذا سخط عليها زوجها. هذه "السيكولوجية القهرية" جعلت من الاضطهاد فعلاً إلهياً يثاب عليه الرجل وتؤجر عليه المرأة بصبرها. لقد تم تدمير الثقة الذاتية للأنثى عبر قرون من التلقين الذي يربط بين أنوثتها وبين "الغواية" و"الشر"، مما دفعها لتبني قيم النظام الأبوي نفسه والدفاع عنه، وهو ما يعرف بـ "استدخال المظلوم لقيم ظالمه". إن ما يسمى "تكريماً" في الخطاب الديني هو في الواقع "تأطير" قمعي؛ فالمرأة تُكرم فقط طالما ظلت في دورها المرسوم كأم مطيعة أو زوجة خاضعة، أما إذا طالبت بحريتها واستقلالها الوثني القديم، فإنها تصبح "ناشزاً" تستحق الهجر والضرب.
إن مقارنة بسيطة بين وضع المرأة في القبائل العربية التي لم تكن قد تلوثت باللاهوت الإبراهيمي، وبين وضعها في الدولة الإسلامية الناشئة، تظهر حجم الخسارة الحضارية. ففي "الجاهلية"، كانت المرأة تمتلك حق "الخلع" بإرادتها المنفردة في بعض الأنساق الاجتماعية، وكانت هناك أنماط من الزواج تمنح المرأة سلطة القرار في بيتها. أما العقل النبوي فقد حصر الطلاق في يد الرجل وجعله سيفاً مسلطاً على رقبة الأنثى، وفرض عليها "المحلل" في إهانة صارخة لكرامتها الإنسانية. إن هذا النظام لم يأتِ ليرفع شأن المرأة، بل ليقنن "استهلاكها" ضمن أطر شرعية تضمن راحة الرجل وتفوقه. إن "الغيرة" التي صُبغت بصبغة دينية كانت في الحقيقة "غيرة المالك على مملوكه"، وليست غيرة المحب على محبوبه، وهو ما يفسر لماذا أباح الدين نفسه التمتع بـ "الإماء" دون حجاب أو حقوق، لأن القيمة هنا كانت مرتبطة بالملكية لا بالإنسانية.
لقد تم تقويض مكانة الأنثى أيضاً عبر تدمير "النسب الأمومي" الذي كان له حضور قوي في بعض مناطق الجزيرة، واستبداله بالنسق الأبوي الصرف الذي يمحو اسم الأم ويجعل الأبناء ملكاً للأب وعائلته. هذا التحول لم يكن اجتماعياً فحسب، بل كان ضربة للجذور الاقتصادية للمرأة؛ فالميراث المنقوص لم يكن تقديراً لأعباء الرجل، بل كان وسيلة لمنع تراكم الثروة في يد الإناث، وبالتالي ضمان تبعيتهن الدائمة للذكور. إن "الدين" هنا عمل كأيديولوجيا تبريرية لنظام اقتصادي-اجتماعي يهدف لتركيز السلطة في يد الرجل المحارب، محولاً المرأة إلى "غنيمة" في الحروب و"أداة إنتاج" في السلم.
في الختام، يظهر لنا أن الانتقال من "خديجة الوثنية" إلى "المرأة الإبراهيمية" كان تراجعاً حضارياً بامتياز. إن العقل النبوي قام بـ "تدجين" الأنثى وتغليف اضطهادها بهالات من القداسة الزائفة، مما جعل من الصعب تفكيك هذا الواقع دون الاصطدام بالمقدس. إن استعادة كرامة المرأة تبدأ من الاعتراف بأن الأديان الإبراهيمية كانت، في جوهرها، مشروعاً لترسيخ السيادة الذكورية على حساب الحرية الأنثوية الفطرية. إننا بحاجة للعودة إلى روح الاستقلال التي كانت تتمتع بها المرأة قبل أن تُكبلها النصوص بمفردات "العورة" و"النقص" و"التبعية". إن التاريخ لا يسير دائماً نحو الأمام، وقصة المرأة في الجزيرة العربية هي الدليل الأكبر على أن "النور" الذي ادعى الدين جلبه كان، في حقيقته، كوفية ثقيلة وُضعت على رأس الأنثى لتخفي وراءها قروناً من الصمت والقهر والتشييء.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...