Translate

صناعة الحديث وسلطان السياسة: تفكيك الصراع على الخلافة وإعادة صياغة التاريخ بمحبرة السلطة (مقال)

.


.
صناعة الحديث وسلطان السياسة: تفكيك الصراع على الخلافة وإعادة صياغة التاريخ بمحبرة السلطة



تمثل منظومة "الحديث النبوي" في العقل الجمعي الإسلامي المصدر الثاني للتشريع والبيان الشارح للقرآن، غير أن إخضاع هذه المنظومة لمبضع النقد التاريخي والسياسي يكشف عن مشهد مغاير تماماً لما ترويه كتب التراث الرسمية. إن عملية جمع الحديث وتدوينه، التي بلغت ذروتها في العصر العباسي، لم تكن مجرد جهد أكاديمي أو ديني لإنقاذ أقوال النبي من الضياع، بل كانت في جوهرها عملية "هندسة أيديولوجية" كبرى استهدفت حسم الصراعات المحتدمة على شرعية "الخلافة". في تلك الحقبة، تحولت "السنة" إلى ساحة حرب باردة بين الفئات المتصارعة على السلطة، حيث تم اختراع آلاف الأحاديث ونسبتها إلى النبي لتبرير مواقف سياسية، أو تمرير أجندات فقهية، أو تصفية حسابات مع خصوم تاريخيين. إن هذا "التاريخ الموازي" الذي كُتب بلسان النبي لم يكن سوى انعكاس لطموحات العباسيين والعلويين والأمويين، مما جعل من "الحديث" وثيقة سياسية بامتياز، تُعبر عن موازين القوى في القرن الثاني والثالث الهجري أكثر مما تُعبر عن وقائع القرن الأول.
تبدأ إشكالية صناعة الحديث من الفجوة الزمنية الهائلة بين وفاة النبي وبين حركة التدوين الرسمية التي بدأت بعد أكثر من مئة وخمسين عاماً. خلال هذه الفجوة، كان "الحديث" ينتقل مشافهة في بيئة تموج بالفتن والحروب الأهلية، مما جعل الذاكرة الشفهية عرضة للتلاعب الممنهج. ومع صعود العباسيين إلى السلطة بعد ثورة دموية ضد الأمويين، برزت الحاجة الماسة لشرعنة حكمهم عبر "النص". فالعباسيون، الذين استمدوا شرعيتهم من القرابة العائلية (بنو العم)، وجدوا في صناعة الحديث سلاحاً فتاكاً لمقارعة خصومهم العلويين (أبناء العم الأقرب) الذين كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة. ومن هنا، ظهرت موجة عارمة من الأحاديث التي تمجد "العباس" وتضفي عليه صفات قدسية، أو تبشر بظهور "الرايات السود" من خراسان، وهي أحاديث صاغتها مطابخ السياسة العباسية ببراعة لتجعل من الانقلاب السياسي "قدراً إلهياً" ووصية نبوية غائبة، وبذلك تحول النبي إلى ناطق رسمي باسم الطموحات العباسية.
إن عملية "الاختراع" لم تكن تقتصر على السياسة العليا فحسب، بل امتدت لتشمل أدق التفاصيل الفقهية والاجتماعية التي تخدم استقرار السلطة. ففي العصر العباسي، بدأت المؤسسة الدينية في التحالف مع المؤسسة السياسية، حيث احتاج الخلفاء إلى "فقهاء" يمنحون قراراتهم غطاءً شرعياً. وفي المقابل، احتاج هؤلاء الفقهاء إلى "أحاديث" تدعم آراءهم المذهبية في مواجهة المدارس المنافسة. هذا التخادم أنتج ظاهرة "الوضع" الممنهج، حيث كان يُصاغ الحديث بمتن يناسب القضية المطلوبة، ثم يُركب له "إسناد" (سلسلة رواة) يوحي بالثقة. وقد اعترف كبار المحدثين أنفسهم بوجود آلاف الأحاديث الموضوعة، ولكنهم زعموا قدرتهم على تمييزها عبر علم "الجرح والتعديل"، وهو علم يفتقر في جوهره للموضوعية العلمية، لأنه يقوم على تقييم أشخاص ماتوا منذ زمن طويل بناءً على "الانتماء المذهبي" أو "الولاء السياسي" للراوي، مما جعل عملية التنقية نفسها جزءاً من الصراع السياسي وليست حلاً له.
وتجلى الصراع على السلطة بوضوح في الأحاديث التي تناولت مفاهيم "الإمامة" و"الخلافة" و"طاعة ولي الأمر". فبينما كان الشيعة يروون أحاديث "الغدير" و"المنزلة" لتثبيت حق علي وذريته، كان الأمويون قبلهم قد استنوا أحاديث تحض على لزوم الجماعة وطاعة الأمير "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". هذه الأحاديث السلطوية لم تكن سوى أدوات لتدجين المعارضة ومنع الثورات، وتم نسبتها للنبي لمنحها حصانة ضد النقد. إن "السنة" بهذا المعنى تحولت إلى "مانيفستو" للاستبداد السياسي، حيث تم توظيف لسان النبي لشرعنة واقع مفروض بقوة السيف. المتأمل في هذه الأحاديث يجدها تعكس لغة الدولة الإمبراطورية المركزية في العصر العباسي، وهي لغة تختلف تماماً عن لغة المجتمع القبلي البسيط في المدينة، مما يؤكد أن النص هو ابنة بيئته السياسية اللاحقة وليس ابنة زمن النبوة.
إضافة إلى ذلك، لعب "القصّاص" والوعاظ الموالون للسلطة دوراً محورياً في تضخيم مادة الحديث. هؤلاء كانوا يتقربون للخلفاء بوضع أحاديث تمدحهم، أو تذم أعداءهم من الخوارج والمعتزلة والقدرية. فكل فرقة سياسية كانت تمتلك "ترسانة" من الأحاديث الخاصة بها، تهدف إلى إخراج الطرف الآخر من دائرة الإسلام. هذا التشرذم أدى إلى نشوء حالة من "التضخم الحديثي"؛ فبينما كان كبار الصحابة يتهيبون من رواية بضعة أحاديث، وجدنا في العصر العباسي رواة يحفظون مئات الآلاف من "الأحاديث"، وهو رقم مستحيل منطقياً وعملياً بالنظر إلى قصر مدة البعثة النبوية. إن هذا الانفجار العددي هو الدليل الأقوى على أن "المصنع" كان يعمل في بغداد والكوفة والبصرة تحت إشراف سياسي، وليس في بيوتات الصحابة بالمدينة.
إن عملية جمع "الصحاح" (مثل البخاري ومسلم) جاءت في لحظة تاريخية كانت فيها الدولة العباسية تحاول فرض نوع من "الأرثوذكسية" الدينية لضبط التعددية الفكرية التي هددت استقرار العرش. هؤلاء الجامعون، رغم جهودهم الفردية، كانوا محكومين بسقف السلطة السياسي والمزاج العام لعصرهم. لقد استبعدوا أحاديث وأبقوا على أخرى بناءً على معايير "العدالة" التي كانت تُمنح للموالين وتُسلب من المعارضين. فعلى سبيل المثال، كان يُرفض حديث "الرافضي" مهما كان صادقاً، ويُقبل حديث "الناصبي" أو الموالي للسلطان، مما أدى إلى صياغة "سنة" منقاة مذهبياً وسياسياً. إن "السنة" التي بين أيدينا اليوم ليست تسجيلاً أميناً للواقع النبوي، بل هي "الفلتر" الذي سمحت به السلطة العباسية للبقاء، وهو ما جعل الدين يتحول من "رسالة" إلى "مؤسسة" تخدم الحاكم.
علاوة على ذلك، تم توظيف الحديث في معارك "الهوية" داخل الدولة العباسية، وخاصة في الصراع بين العرب والموالي (الشعوبية). فظهرت أحاديث تمجد العرب وقريش، وأخرى تذم الفرس والترك، أو العكس، تارة لرفع شأن الطبقة الحاكمة وتارة لاستمالة الشعوب المفتوحة. هذا "التوظيف العرقي" للنص الديني يثبت أن محبرة السياسة لم تترك مجالاً إلا وخاضت فيه بلسان النبي. إن "قدسية" الحديث كانت القناع الذي تختفي خلفه المصالح الطبقية والقومية، حيث أصبح من الصعب على الفرد العادي التمييز بين ما هو "ديني" وبين ما هو "سياسي" مغلف بالدين. لقد كان الحديث هو "الإعلام الرسمي" لتلك العصور، ومن يمتلك الإسناد يمتلك الحقيقة، ومن يمتلك الحقيقة يمتلك رقاب الناس.
إن المهزلة الكبرى تكمن في أن هذا التراث "السياسي" المشحون بالصراعات تم تحويله عبر القرون إلى "ثوابت" دينية لا تقبل النقاش. فالمسلم المعاصر يظن أنه يتبع النبي عندما يتمسك بحديث معين، بينما هو في الواقع يتبع "الأجندة العباسية" أو "المناورة الأموية" التي صاغت ذلك الحديث قبل ألف عام. إن "تاريخ الصراع على السلطة" تم تشفيره داخل نصوص الحديث، بحيث أصبحت دراسة الحديث هي في الحقيقة دراسة لـ "أركيولوجيا السلطة" في الإسلام المبكر. إن فك هذا الارتباط بين "المقدس" و"السياسي" هو الخطوة الأولى لتحرير العقل المسلم من أوهام الإجماع الزائف؛ فالسنة ليست "ديناً" موازياً للقرآن، بل هي "سجل سياسي" بامتياز، كُتب تحت ظلال السيوف وبإشراف الخلفاء لضمان بقاء "الخلافة" في بيوت محددة.
في الختام، يظهر لنا أن صناعة الحديث في العصر العباسي كانت عملية "تزوير تاريخي" كبرى تحت غطاء الإيمان. لقد تم اختراع آلاف الأحاديث لتكون "أحجار شطرنج" في معركة الخلافة، مما جعل من "السنة" تاريخاً للانقسامات والتحيزات والتحالفات، منسوباً زوراً إلى نبي لم يعش تلك الصراعات ولم يشهد تلك الإمبراطوريات. إن محبرة السياسة هي التي كتبت "الصحاح"، وهي التي وضعت "الجرح والتعديل"، وهي التي حددت ما هو "سنة" وما هو "بدعة". والاعتراف بهذه الحقيقة المرة هو السبيل الوحيد لفهم لماذا يختلف المفسرون، ولماذا تتضارب الأحاديث، ولماذا يُستخدم الدين دائماً كأداة قمع في يد السلطة. إن "السنة" في حقيقتها هي "صوت السلطة" متنكراً في زي الوحي، وتحرير الدين منها هو استرداد لكرامة العقل وتطهير لذكرى النبي من وحل الصراعات السياسية التي لم تنتهِ فصولها بعد.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...