.
.
فجر الكفّار
الفصل الأول: أنفاس الجحيم
لم يكن الدويّ مجرد ضجيج عابر؛ بل كان تمزقاً في نسيج الواقع المادي. في طهران، عادة ما يمتلك الصوت ملمس القطران الحار، وأبواق السيارات البعيدة، والهمسات المكتومة، لكن ما انفك يمزق الهواء للتو بالقرب من حي "ساحة الحرية" كان ينتمي إلى بُعد آخر. كان عويل المعدن وهو يصطدم بالخرسانة، صاعقة تنهال على أساسات عالم لا ينتهي احتضاره. جعلت موجة الارتداد زجاج المبنى ذي الآجر الأصفر يهتز بعنف شديد، حتى أن إطار الباب أنَّ كعظمة تتهشم. الغبار، ذلك المسحوق الرمادي الدقيق المتراكم عبر عقود من التلوث والإهمال، انسلخ عن الأسقف ليرقص في حزم الضوء الآفلة.
كان "رضا" في الداخل بالفعل. لم يكن يتنفس، بل كان يغربل الفوضى. في الثامنة والأربعين من عمره، كان جسده أرشيفاً للبقاء. كان يعلم أن الخلاص في هذه المدينة لا ينزل أبداً من السماء، إلا إذا كان على هيئة حطام معدني متوهج. وقف في منتصف الغرفة، عضلاته مشدودة، ونظراته مثبتة على باب المدخل الذي لا يزال خشبه الرخيص يرتجف. كانت رائحة الكبريت والزفت المحترق تتدفق عبر الشقوق، طاردةً رائحة الورق القديم والشاي البارد التي تعبق بها مخبأه عادةً.
انفتح الباب بصرير يشبه إغلاق تابوت أخفق صانعه. اندفعت "ليلى" إلى الغرفة، محمولة على عاصفة من الرماد الساخن والذعر. لم تضيع وقتاً لتتحقق مما إذا كان هناك من يطاردها؛ لم تعد تملك القوة لذلك. كانت لفتتها الأولى، عفوية وحيوانية تقريباً، هي وضع يديها على حلقها. تشابكت أصابعها في النسيج الاصطناعي القاتم لـ "الحجاب"، ذلك الكفن الإلزامي الذي كانت ترتديه كأنه وسم من حديد محمى، إهانة دائمة لعقلها كامرأة حرة.
بحركة خاطفة، وبتمزيق للقماش رنّ صداه في صمت الشقة المفاجئ، انتزعته. لم تخلعه برقة امرأة تعود إلى بيتها؛ بل تحررت منه كما يُنتزع جلد مُتعفن. ألقته على الأرض باشمئزاز غريزي، وداسه بحذائها الملطخ بطين شوارع طهران الجاف. تحرر شعرها الأسود الفحمي أخيراً، ملتصقاً بصدغيها وعنقها بفعل العرق، متساقطاً في شلالات فوضوية على كتفيها. كانت تلهث، وصدرها يعلو ويهبط بغضب لا يمت للروحانية بصلة؛ كان غضباً مادياً محضاً لكائن حي يطالب بحقه في الأوكسجين، بعيداً عن مراسيم الحشمة ومظاهر الفضيلة الزائفة.
ـ "أولاد الزنى..." بصقت الكلمة أخيراً. كان صوتها مبحوحاً بفعل الدخان والصرخة التي كتمتها طوال الطريق في الشارع. "لقد ضربوا مركز قيادة الحرس. الجحيم في الخارج يا رضا. ’الباسيج‘ يطلقون النار في الهواء، يضربون الناس الذين لا يركضون بسرعة كافية، يبحثون عن كبش فداء في كل نظرة."
لم يجب رضا على الفور. كان يراقبها بحدة باردة. كان في هذا العري المفاجئ لوجه ليلى وشعرها شيء أكثر تمردًا، وأكثر خطورة على النظام القائم، من ذاك الصاروخ الذي حول للتو مبنىً حكومياً إلى مقبرة جماعية من الخرسانة. كان تدنيساً رائعاً. كان يكره هذا النظام بسبب آلهته الغائبة، نعم، ولكن قبل كل شيء لقدرته على تحويل الفرد إلى ظل قابل للاستبدال، صورة ظلية مجردة من الرغبات الخاصة. في تلك اللحظة، وتحت الضوء الشاحب لمصباح عارٍ، لم تكن ليلى ظلاً. كانت لحماً، ودماً، وإرادة إلحادية يُبهرُه لمعانُها.
ـ "أغلقي الباب وادفعي المزلاج المزدوج يا ليلى،" قال أخيراً بصوت خفيض. "لم نعد ننتظر أحداً. لا الأصدقاء ولا الأعداء."
أطاعت ويداها ترتجفان بفعل شحنة الأدرينالين التي لم تهدأ. كانت الشقة مخبأً متقشفاً، بقايا حقبة كان فيها إيران لا يزال يحلم بالحداثة، واليوم استحال إلى هيكل خرساني. طاولة معدنية باردة، كرسيان غير متطابقين، مرتبة بسيطة ملقاة في زاوية، ويتصدر المشهد فوق خزانة متآكلة جهاز تلفاز قديم يبدو أنه ينتظر ساعته ليقيء جرعته اليومية من السم.
لم يكن التلامس بينهما جسدياً بعد، لكنه كان كهربائياً بالفعل. الغبار الذي يطفو بين جسديهما بدا مشحوناً بجزيئات متأينة. التفتت ليلى نحوه، وعيناها تحترقان ببريق محموم. كانت ناشطة، امرأة قضت شبابها في المراوغة مع الأجهزة الأمنية، ترتدي الحجاب فقط لتجنب جلدات السياط أو سجن "إيفين"، بينما كانت تزتري كل ذرة من ذلك الورع المفروض. كان إلحادها درعها، ونظافتها العقلية الوحيدة في مدينة تفوح منها رائحة الخرافة والموت.
ـ "نحن وحدنا يا رضا،" همست وهي تتقدم نحوه. "ليس هناك ’مهندس أعظم‘ ليخرجنا من هنا. السموات فارغة، ولطالما كانت كذلك. لا يوجد سوى الحديد الذي يسقط ونحن الذين نبقى واقفين."
أومأ رضا برأسه، وعلى طرف شفتيه ابتسامة مريرة.
ـ "السموات فارغة، لكن الأرض مليئة بالحمقى الذين يعتقدون أنهم يملؤونها بصرخاتهم. نحن آخر الكفرة في مصحة عقلية تحت الهواء الطلق."
اقترب منها. كانت رائحة ليلى، مزيج من الأوزون والعرق الحامض وتلك النوتة المستمرة من الصابون الخام، تعمل عليه كمحفز. وضع يده على كتفها، حيث كان قماش قميصها لا يزال دافئاً من شمس الرصاص التي هربت منها للتو. تحت أصابعه، شعر بارتعاش وحش مطارد يرفض الاستسلام، اهتزاز يسري في هيكلها العظمي بالكامل.
ـ "لقد عدتِ، وهذا كل ما يهم،" أضاف.
كان التلامس الأول كالتماس كهربائي. بحثت أيديهما عن بعضهما في العتمة، ليس لعناق مواساة، بل لتعارف قتالي. تمسكت ليلى بذراعيه، وانغرست أصابعها في جلد سترته، تبحث عن صلابة عضلاته لتتأكد أنها ليست مجرد طيف في هذه المدينة التي تتهاوى.
دوي انفجار ثانٍ، أبعد هذه المرة، جعل الأرض تهتز تحت أقدامهما. أصدر التلفاز، رغم كونه مطفأً، طقطقة استاتيكية صغيرة، كما لو كان يتغذى على التوتر المحيط. في هذا الفضاء الضيق، المشبع بالغبار والكراهية للعقيدة، أدرك رضا وليلى أن ثورتهما الخاصة تبدأ هنا. ثورة لن تمر عبر الشعارات أو المتاريس الجماعية، بل عبر استعادة حواسهما الخاصة، وجلدهما الخاص، ضد كل أولئك الذين أرادوا تقديسهما أو التضحية بهما.
الحجاب، الملقى على الأرض كجلد ثعبان مهجور، كان يرمز بالفعل إلى نهاية عهد. رفعت ليلى رأسها نحو رضا، وجهها مغمور بضوء مزرق آتٍ من النافذة. لم تطلب شيئاً، ولم تنتظر أي إذن. كانت نظرتها تحدياً موجهاً في آن واحد إلى الملالي، والقنابل، والعدم.
ـ "لن ينالوا منا يا رضا. لا أمواتاً ولا أحياء، لن يملكوا أبداً حقيقتنا."
ضمها رضا إليه، شاعراً بضربات قلبها المتسارعة ضد صدره. في تلك اللحظة بالذات، وسط حطام طهران، كانا الكائنين الوحيدين الأحياء حقاً، لأنهما الوحيدان اللذان لم يعودا يأملان شيئاً من أحد، سوى من نفسيهما.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire