.
.
النفاق الدولي والتبرئة اللغوية: كيف يمنح الغرب حصانة لعقائد الموت؟
يعيش العالم المعاصر حالة من التردي الفكري والأخلاقي الذي تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية مع الأكاذيب الأيديولوجية، مما أنتج مناخاً عاماً يقوم على حماية المنظومات التي تزدري الحياة تحت ستار التعددية الثقافية وحقوق الأقليات. إن ما نشهده اليوم من صعود لمصطلحات مبتكرة مثل "الإسلاموفوبيا" في الديمقراطيات الغربية، يقابله في الشرق قوانين قمعية مثل "ازدراء الأديان"، يمثل تحالفاً غير مكتوب بين الليبرالية الغربية المأزومة وبين الشمولية الدينية الراديكالية. هذا التحالف يهدف في جوهره إلى إسكات النقد العقلاني ومنع تفكيك بنية النصوص التي تشرعن العنف وتقديس الفناء. إن الغرب، الذي يدعي حماية قيم التنوير، يغرق الآن في مستنقع من "التبرئة اللغوية" التي تمنح عقائد الموت حصانة من المساءلة، محولاً الجلاد إلى ضحية والناقد إلى مجرم، في مشهد يعكس ذروة النفاق السياسي الذي يضحي بمستقبل الحضارة الإنسانية مقابل مكاسب انتخابية عابرة أو صفقات طاقة مشبوهة.
تبدأ مأساة هذا النفاق من اختراع مصطلح "الإسلاموفوبيا"، وهو مصطلح صُمم بدقة ليكون بمثابة درع يحمي المنظومة الدينية من أي تشريح فكري. فعندما تنشئ دولة مثل كندا مكتباً خاصاً لمكافحة الإسلاموفوبيا، وعندما تتبنى دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا قوانين ومؤسسات مشابهة، فهي في الواقع لا تحمي المسلمين كبشر من التمييز، بل تحمي "الإسلام" كأيديولوجيا من النقد. إن الخلط المتعمد بين "نقد الفكرة" وبين "كراهية الأشخاص" هو الخديعة الكبرى التي مررتها جماعات الضغط الديني إلى صانع القرار الغربي. هذا التوجه يجعل من المستحيل الحديث عن علاقة النصوص التأسيسية بالإرهاب، أو مناقشة كيفية تحول الطفل الصغير إلى انتحاري محتمل عبر التلقين، دون أن يُتهم الباحث أو الناقد بالعنصرية. إن الغرب بهذا السلوك يغلق أبواب التنوير التي فتحها فلاسفته قديماً، ويسمح بنشوء "غيتوهات" فكرية داخل مجتمعاته، حيث تترعرع قيم ازدراء الحياة تحت حماية القانون الليبرالي نفسه.
بالتوازي مع هذه المهازل الغربية، نجد في دول مثل مصر قوانين "ازدراء الأديان" التي تعمل بمنطق إرهابي قانوني صريح. هذا القانون لا يحمي الأديان بمعناها العام، بل هو سلاح مُسلط لحماية المنظومة الإسلامية السائدة وتثبيت سلطة الكهنة والفقهاء. إن أي محاولة لإعمال العقل في التراث، أو كشف التناقضات بين النصوص وبين حقوق الإنسان العالمية، تُقابل بالحبس والملاحقة بتهمة ازدراء الدين. هذا التخادم بين "الإسلاموفوبيا" في الغرب و"ازدراء الأديان" في الشرق يخلق حصاراً عالمياً على العقل النقدي؛ فالباحث الذي يهرب من بطش قوانين الازدراء في بلده الأصلي، يجد نفسه في الغرب مطارداً بوصمة الإسلاموفوبيا. هذه الحالة من "الإرهاب الفكري العابر للحدود" هي التي تمنح القوة لتلك المنظومات لتستمر في إنتاج أجيال تزدري الوجود الأرضي وتطمح للوصول إلى خرافات ما بعد الموت عبر دماء الآخرين.
تلعب "النسبية الثقافية" دور العمود الفقري لهذا النفاق الدولي، وهي الأيديولوجيا التي تروج لفكرة أن كل القيم متساوية، وأنه لا يحق لنا نقد ثقافة أخرى بناءً على معاييرنا الخاصة. هذه الفكرة، التي تبدو في ظاهرها متسامحة، هي في جوهرها عنصرية وعدمية؛ فهي تفترض أن من حق بعض المجتمعات أن تظل غارقة في التخلف وتقديس الموت لأن ذلك جزء من "هويتها". إن منح الحصانة لمنظومات تضطهد المرأة، وتقتل المرتد، وتحرض على الغزو، وتزدري غريزة البقاء لدى الأطفال عبر التلقين، بحجة احترام الخصوصية الثقافية، هو تخلٍّ سافر عن وحدة القيم الإنسانية. إن النسبية الثقافية هي التي تسمح للغربيين بأن يغمضوا أعينهم عن ممارسات بربرية تحدث داخل حدودهم أو خارجها، طالما أن تلك الممارسات مُغلفة بعباءة الدين. هذا الموقف يغدر بكل الأفراد الذين يحاولون التحرر من سطوة تلك العقائد داخل مجتمعاتهم، حيث يجدون أنفسهم وحيدين أمام آلة القمع الديني، بينما العالم "المتحضر" يشيح بنظره بعيداً خوفاً من خدش مشاعر المتطرفين.
المصالح الجيوسياسية تظل المحرك الخفي لهذا النفاق، فالدول الغربية الكبرى تدرك تماماً طبيعة العقائد التي تزدري الحياة، لكنها تختار "المداهنة السياسية" لضمان تدفق المصالح. إن التحالفات الاستراتيجية مع دول تنشر الفكر الوهابي أو الراديكالي بمليارات الدولارات هي التي تمنع الحكومات الغربية من اتخاذ موقف حازم تجاه جذور الإرهاب. وبدلاً من مواجهة المنبع، يكتفون بالتعامل مع النتائج، أي مع الإرهابيين بعد تفجير أنفسهم، بينما يستمرون في حماية "المصانع الفكرية" التي أنتجتهم. هذا النفاق هو الذي يجعل بريطانيا أو بلجيكا، على سبيل المثال، ملاذاً لوعاظ الكراهية الذين يستخدمون حرية التعبير المتاحة لهم لتدمير أسس تلك الحرية ذاتها. إنهم يستغلون "التبرئة اللغوية" الغربية ليسموا تحريضهم "دعوة"، وكراهيتهم "غيرة على الدين"، وازدراءهم للحياة "زُهداً"، بينما يقف القانون الغربي مشلولاً أمام هذه المصطلحات المبتكرة التي تحمي القاتل وتخنق الناقد.
إن الأكاذيب الأيديولوجية التي يتم تسويقها في الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية تساهم في تثبيت هذا المسار الكارثي. فبدلاً من تشريح النصوص التي تسفه قيمة الإنسان وتعده بحياة أخرى أحسن كتعويض عن بؤس الدنيا، يقوم أكاديميون "ما بعد حداثيين" بتصوير هذه العقائد كأدوات للمقاومة ضد الاستعمار أو "الإمبريالية". هذا التزييف يقلب الحقائق رأساً على عقب؛ فالعقيدة التي توسعت بالسيف والدم والعبودية عبر التاريخ تُصور الآن كضحية. هذا الانفصام عن الواقع التاريخي والنصي يجعل العالم يغرق في دوامة من العنف المتكرر؛ فالمشكلة لا تُسمى بمسمياتها، والحلول تُطرح بعيداً عن الجوهر. إن الاستمرار في إنتاج أجيال من "الإرهابيين المحتملين" عبر التعليم الديني في الشرق، وبحماية قانونية وسياسية في الغرب، هو انتحار حضاري جماعي يقوده سياسيون لا يهتمون إلا بالبقاء في السلطة، ومثقفون فقدوا بوصلتهم الأخلاقية في زحام النسبية الثقافية.
في النهاية، لا يمكن مواجهة عقائد الموت دون كسر صنم "التبرئة اللغوية" وفضح النفاق الدولي. إن قدسية الحياة الإنسانية وحقوق الفرد في التفكير والشك والتحرر هي قيم كونية لا تقبل التجزئة ولا تخضع للنسبية. إن العالم بحاجة إلى شجاعة فكرية تسمي الأشياء بمسمياتها؛ فالانتحار الإيديولوجي هو جريمة، وتلقين الأطفال خرافات ما بعد الموت هو اعتداء على طفولتهم، والنصوص التي تحرض على قتل الآخر هي نصوص إرهابية بغض النظر عن قدمها أو قداستها. إن وقف هذه "المهزلة" العالمية يبدأ من إلغاء مكاتب الإسلاموفوبيا وقوانين ازدراء الأديان، وتحويل كل الطاقات نحو حماية "حرية النقد" بدلاً من حماية "الأفكار من النقد". دون ذلك، سيظل الغرب يحصد ما يزرعه من نفاق، وسيظل الشرق يغرق في دماء أبنائه الذين تم إقناعهم بأن أغلى ما يملكون هو أرخص ما يجب أن يتخلوا عنه في سبيل وهم الخلود. إن المعركة الحقيقية هي بين "ثقافة الحياة" الشجاعة وبين "تحالف النفاق" الذي يحمي الموت باسم القانون والدين.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire