Translate

القرآنيون: "الخندق الأخير" والمخدّر الموضعي للعقل العربي (مقال)

.

.
القرآنيون: "الخندق الأخير" والمخدّر الموضعي للعقل العربي




تعد الظاهرة القرآنية في الفكر العربي المعاصر واحدة من أكثر الاستراتيجيات الدفاعية تعقيداً في مواجهة الزحف المادي واليقين العلمي الذي بدأ يفكك بنية الأساطير القديمة. إن النظر إلى خطاب رواد هذا التيار، أمثال محمد شحرور وأحمد صبحي منصور ومن سار على دربهم، لا ينبغي أن يقف عند حدود الإعجاب السطحي بمحاولاتهم "تحديث" الدين، بل يجب أن ينفذ إلى العمق البنيوي لهذا الخطاب بوصفه "خندقاً أخيراً" لحماية المركزية الدينية من الانهيار الكامل. إن هؤلاء المفكرين، رغم ادعائهم الثورة على الكهنوت التقليدي وسلطة التراث، يمارسون في جوهر الأمر دور "حراس المعبد" الجدد، حيث يستبدلون القيود الحديدية القديمة بسلاسل حريرية من التأويلات المعاصرة التي تهدف في النهاية إلى إبقاء العقل العربي سجيناً داخل النص، ومنعه من الانتقال إلى رحاب المادية الصرفة والمنهج العلمي التجريبي الذي لا يعترف بالقداسة إلا للواقع والحقيقة الموضوعية.
يرتكز المشروع القرآني في جوهره على ما يمكن تسميته "الزئبقية اللغوية"، وهي آلية تعتمد على تفريغ المفردات القرآنية من دلالاتها التاريخية والسياقية التي تشكلت في بيئة القرن السابع الميلادي، وإعادة شحنها بمعانٍ حديثة لم تكن تخطر على بال واضع النص أو مستقبله الأول. هذه الزئبقية تؤدي بالضرورة إلى هدم اليقين المعرفي؛ فبدلاً من أن يكون النص وثيقة تاريخية واضحة تعكس بيئة رعوية محددة، يتحول إلى "عجينة لغوية" يشكلها المؤول كيفما يشاء. إن هذا التلاعب باللسانيات، الذي برع فيه شحرور على وجه الخصوص، يهدف إلى منح النص صفة "الصلاحية لكل زمان ومكان" عبر آليات الالتفاف على اللغة، حيث تصبح الكلمات مجرد أوعية فارغة يصب فيها المؤول أحدث المكتشفات العلمية أو القيم الحقوقية الغربية. الخطورة هنا تكمن في أن هذه الزئبقية تسلب العقل القدرة على النقد الجذري؛ فعندما يواجه المادي نصاً يتناقض مع العلم، يأتيه القرآني ليقول إن "الفهم التقليدي" هو المخطئ وأن "اللغة" تخبئ معنى إعجازياً يتوافق تماماً مع العلم الحديث. هذا الهروب المستمر إلى الأمام يعطل ملكة النقد ويجعل النص فوق المساءلة، مما يرسخ سلطة تأويلية جديدة تدعي العقلانية وهي في الحقيقة تمارس أقصى درجات السفسطة اللغوية لحماية الميتافيزيقيا من السقوط أمام مشرحة التاريخ.
من هنا، تبرز القرآنية بوصفها تياراً أكثر خطورة على المنهج المادي من السلفية التقليدية. فالسلفية، بجمودها ووضوح خرافاتها وتمسكها بحرفية النصوص والأحاديث المستهجنة عقلياً، تمثل هدفاً سهلاً للنقد المادي؛ إذ إن تناقضها مع الواقع صارخ لدرجة تدفع العقل السوي لرفضها جملة وتفصيلاً. أما القرآنية، فهي تقدم "إسلاماً منزوع الأنياب"، مغلفاً بلغة تبدو علمية ومنطقية، مما يجعلها قادرة على استقطاب العقول التي بدأت تتململ من ضغط الخرافة لكنها لا تزال تخشى مواجهة الحقيقة المادية الموحشة. إن القرآنية تعمل كمنظومة "امتصاص صدمات"؛ فهي تعطي الشاب المتحرر فكرياً وهم الاستنارة دون أن تطالبه بالتخلي عن "الأب الغيبي" أو المرجعية السماوية. وبذلك، تعيق القرآنية حدوث القطيعة المعرفية الكاملة مع الغيبيات، وتؤجل لحظة المواجهة الحتمية بين الإنسان وقوانين المادة الصارمة. إنها عملية "إعادة تدوير" للقداسة تجعل الدين يبدو كأنه يتنفس برئة العلم، بينما هو في الحقيقة يخنق المنهج العلمي عبر إخضاعه لضرورات التأويل الديني.
تتجلى وظيفة القرآنية كـ "مخدر موضعي" في عملية "الترميم الوهمي" للنص أمام الحقائق البيولوجية والفيزيائية التي لا تقبل الجدل. فالعلم المادي يثبت، عبر نظرية التطور والفيزياء الكونية، أن الوجود لا يحتاج لتدخل غيبي وأن الإنسان نتاج صيرورة مادية عمياء. هنا يتدخل الخطاب القرآني ليحاول "رتق" الفجوة بين النص الأسطوري والواقع العلمي، فيدعي أن القرآن أشار إلى الانفجار العظيم أو التطور البيولوجي بكلمات مشفرة لا يفهمها إلا "الراسخون في العلم الحديث". هذا النوع من "الإعجاز العلمي" الزائف هو في الواقع إهانة للعقل وللعلم معاً؛ فهو يحول العلم من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لخدمة النص، ويحول النص إلى لغز يحتاج لفك شفرات مستمر. هذا الترميم الوهمي يمنع الفرد من رؤية التناقض الجوهري بين التفسير الغيبي للعالم والتفسير المادي، ويجعله يعيش في حالة من "الفصام المعرفي" اللذيذ، حيث يظن أنه يعيش في عصر العلم بينما جذور وعيه لا تزال تضرب في أعماق الميثولوجيا القروسطية.
إن دور "المثقف التوفيقي" في هذا السياق هو دور "صمام الأمان" الذي يمنع وقوع "الانفجار الإلحادي" الشامل في المجتمعات العربية. عندما تشتد الأزمات الفكرية وتنكشف عورات الخطاب الديني التقليدي، يبرز المثقف القرآني ليقدم "طوق نجاة" فكرياً، يوهم الجماهير بأن المشكلة ليست في "الدين" بل في "رجال الدين" أو "الأحاديث الموضوعة". هذا الالتفاف الذكي ينقل المعركة من نقد "أصل الخرافة" إلى نقد "هوامشها"، مما يستهلك طاقة العقل الناقد في سجالات لغوية وفقهية لا تنتهي حول معاني الكلمات وأسانيد الروايات. إن الهدف النهائي لهذا المثقف هو الحفاظ على "قدسية النص" بأي ثمن، لأن انهيار هذه القدسية يعني انهيار الهوية الثقافية القائمة على الغيب، وهو ما يخشاه المثقف التوفيقي أكثر من أي شيء آخر. لذا، فهو يمارس عملية "تجميل" قسرية للنصوص العنيفة أو غير المنطقية، ويحولها إلى "قيم عليا" و"مقاصد إنسانية"، لكي تظل صالحة للاستهلاك في سوق الحداثة، مانعاً بذلك العقل من الوصول إلى الاستنتاج المنطقي الوحيد: وهو أن هذه النصوص هي مجرد نتاج بيئة تاريخية ولت ولن تعود.
إن الرهان على القرآنية كبوابة للتنوير هو رهان خاسر من المنظور المادي؛ لأن التنوير الحقيقي يبدأ من حيث تنتهي القداسة، بينما تبدأ القرآنية من افتراض القداسة المطلقة للنص وتحاول تطويع العالم لها. إنها حركة "إصلاحية" تهدف إلى حماية جوهر المنظومة الدينية عبر التضحية ببعض القشور، تماماً كما يفعل جسد حي يضحي ببعض أطرافه المصابة بالغرغرينا لإنقاذ القلب. والقلب هنا هو "فكرة الله" و"سلطة الوحي"، وهما العدوان اللدودان للمنهج المادي الذي يرى في الإنسان سيد نفسه وفي الطبيعة مرجعها الوحيد. إن استمرار الانخداع بالخطاب القرآني يطيل أمد الغيبوبة الفكرية العربية، ويمنع نشوء جيل يمتلك الشجاعة الكافية للعيش في عالم بلا آلهة وبلا أنبياء، عالم يحكمه المنطق، والرياضيات، والعدالة الاجتماعية القائمة على العقد البشري الخالص.
في نهاية المطاف، يجب فضح القرآنية بوصفها استراتيجية "ذكاء اصطناعي لاهوتي" تحاول التكيف مع البيئة الرقمية والعلمية الجديدة دون تغيير برمجتها الأساسية القائمة على التسليم للغيب. إن الصدام بين العقل العربي والواقع العلمي هو صدام حتمي لا يمكن تأجيله إلى الأبد عبر المسكنات التأويلية. إن الطريق إلى الحداثة المادية لا يمر عبر "فهم جديد للقرآن"، بل يمر عبر وضع القرآن والتراث برمته في المتحف التاريخي كجزء من طفولة البشرية، والانطلاق نحو بناء حضارة تقوم على ما يمكن إثباته في المختبر وما يمكن تطبيقه في الواقع المعاش لخدمة الإنسان ككائن بيولوجي واجتماعي، بعيداً عن أوهام الجنان ونيران الجحيم المتخيلة. إن التحرر من "المخدر القرآني" هو الخطوة الأولى نحو استعادة العقل لسيادته المفقودة، وهو الفعل الثوري الحقيقي الذي يخشاه حراس المعبد المتخفون خلف أقنعة التجديد والحداثة الزائفة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...