.
.
نرجسية الغيب واغتيال العقل: تفكيك خرافة الخضر بين سيكولوجيا التخدير وشرعنة الجريمة الإلهية
تمثل قصة الخضر في الوجدان الديني ذروة الاستلاب المنطقي والانحدار الأخلاقي الذي يمكن أن يصل إليه العقل حين يقرر الانفصال عن الواقع ليعتنق خرافة تبرر له البشاعة تحت مسمى الحكمة الخفية. إننا أمام نص قرآني لا يقدم درساً في التربية أو المعرفة، بل يقدم مرافعة فجة لصالح الاستبداد الغيبي، حيث يتم تحطيم معايير العدالة الإنسانية والقوانين الكونية لصالح شخصية هلامية تقتحم مسرح الأحداث لتمارس القتل والتخريب والعبث، ثم ترحل تاركة خلفها تبريرات ميتافيزيقية تهين ذكاء البشر وتشرعن الجريمة الاستباقية. إن تفكيك هذه الخرافة يكشف عن بنية فكرية متهافتة، تعتمد على مغالطة العلم اللدني لهرس العقل، وتستعير أساطير موغلة في القدم لترميم ثقوب اللاهوت التي لا تفتأ تتسع أمام أسئلة الضحايا والباحثين عن منطق في هذا الكون الصامت.
تبدأ الحبكة الدرامية لهذه الخرافة برحلة موسى، الذي يُفترض أنه نبي يتلقى الوحي ويحمل شريعة أخلاقية، لكنه في هذا النص يظهر بمظهر التلميذ الأبله الذي يلهث خلف "عبد" مجهول الهوية ليتحصل على علم لا يمت بصلة للرشد أو النفع البشري. إن التناقض الأول يكمن في تصدير شخصية الخضر ككائن يعلو فوق الأنبياء والشرائع، مما يخلق ازدواجية مدمرة في مفهوم "الحق"؛ فالحق عند موسى (والبشر) هو عدم القتل وعدم التخريب، بينما الحق عند الخضر هو فعل العكس تماماً بناءً على أوامر غامضة. هذا الانشطار في المعيار الأخلاقي يفتح الباب على مصراعيه لكل أنواع التوظيف السياسي والديني القمعي، حيث يصبح "الولي" أو "المصطفى" فوق المحاسبة، ويمتلك حق انتهاك الدماء والحقوق بذريعة أنه يرى ما لا يراه الناس، وهي ذريعة سادية تلغي مفهوم القانون وتجعل من حياة البشر مجرد قطع شطرنج في يد كائن يدعي التفويض الإلهي.
إن الجريمة الكبرى في هذه القصة، والتي تدمغها بالإجرام الصريح، هي حادثة قتل الغلام التي لا يمكن لأي عقل سليم أو ضمير حي أن يقبل تبريرها. يدعي الخضر أنه قتل الطفل لأن الله خشي أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً في المستقبل، وهذه هي قمة المغالطة المنطقية والأخلاقية. فمن جهة، نحن أمام عقاب على ذنب لم يقع بعد، مما ينسف مبدأ الاختيار الحر الذي يتشدق به اللاهوتيون؛ فإذا كان الله قد حسم سلفاً أن هذا الطفل سيكفر وسيرهق أبويه، فمعنى ذلك أن الإنسان مجبر على قدره، وأن محاكمته في الآخرة هي مسرحية عبثية. ومن جهة أخرى، نجد استرخاصاً بشعاً لحياة الطفل، الذي يتم التعامل معه كأداة أو "غرض" يمكن إتلافه لضمان راحة الأبوين النفسية، وكأن هذا الكائن ليس له حق في الوجود المستقل أو فرصة في التغيير والنمو. إنها سادية إلهية بامتياز، تشرعن القتل بدم بارد وتحتفي بالموت كحل لمشاكل لم تقع بعد، مما يجعل من الخضر أول "إرهابي غيبي" يمارس الاغتيال الاستباقي بمباركة السماء.
أما حكاية خرق السفينة، فهي تجلٍ آخر لحماقة المؤلف الذي أراد صنع معجزة فانتهى بصناعة تناقض مضحك. يدعي الخضر أنه خرق سفينة المساكين ليعيبها حتى لا يغتصبها الملك الظالم، وكأن الإله كلي القدرة عجز عن شل حركة الملك أو إغراق سفنه، ولم يجد حلاً سوى إتلاف ممتلكات الفقراء الوحيدة. إن هذا المنطق "الترقيعي" يصور الإله ككيان محدود الحيلة، يضطر لاستخدام الحيل الضعيفة لحماية أتباعه، ويفرض على الضحية أن تتحمل الضرر (خرق السفينة) لتتجنب ضرراً أكبر، وهو منطق تخديري غرضه إقناع الشعوب المقهورة بأن المصائب التي تصيبهم هي في الحقيقة "رحمة" تمنع عنهم مصائب أسوأ. إنها أفيون لاهوتي خالص، يمنع الإنسان من السؤال عن سبب وجود الملك الظالم أصلاً، ويوجه نظره نحو الثقب في سفينته ليشكر الله عليه بدلاً من الثورة على الطاغية.
وعلى الصعيد المعرفي، فإن مغالطة "العلم اللدني" هي الأداة التي تستخدمها هذه الخرافة لاغتيال العقل النقدي. فعندما يعجز المتدين عن تفسير شرور العالم وبشاعته، يهرب إلى حصن الخضر الحصين، مدعياً أن هناك "حكمة خفية" لا يدركها إلا الله. هذا الهروب ليس سوى اعتراف صريح بالفشل المنطقي؛ فالحكمة التي تتطلب قتل الأطفال وإتلاف السفن ليست حكمة، بل هي عبث محض يرتدي ثوب الغموض ليخفي وجهه القبيح. إن شخصية الخضر تعمل كصمام أمان للفكر الديني، تمنع المؤمن من الوصول إلى الاستنتاج المنطقي بأن هذا العالم يفتقر للعدالة الإلهية المزعومة، وتوهمه بأن كل قطرة دم تسل وكل جوع يفتك بالبشر هو جزء من مخطط سري يقوده رجل خالد يرتدي اللون الأخضر ويجوب البحار ليصحح مسارات الكون بمعجزات دموية.
إن الفحص التاريخي لهذه الأسطورة يكشف عن حماقة المؤلف في الاقتباس غير الواعي من الموروثات الوثنية السومرية والكنعانية. فشخصية الخضر ليست سوى إعادة تدوير لشخصية "أوتنابيشتيم" في ملحمة جلجامش، أو الإله "إنكي" الذي يسكن مجمع البحرين ويمتلك أسرار الحياة والموت. لقد قام النص القرآني بسلخ هذه الشخصيات من سياقها الأسطوري المتعدد الآلهة وحشرها في السياق التوحيدي، مما أدى إلى حدوث فوضى لاهوتية؛ فإذا كان الخضر بشراً، فكيف خلد؟ وإذا كان نبياً، فأين كتابه؟ وإذا كان ولياً، فكيف جاز له القتل؟ إن هذا التخبط يثبت أننا أمام نص أدبي هجين، يحاول استثمار هيبة الأساطير القديمة لفرض سلطته على العقول، معتمداً على ميل البشر الفطري لتصديق الخوارق التي تعوضهم عن واقعهم البائس.
إن العيوب المنطقية في قصة الجدار والكنز تكمل مشهد العبث؛ فالخضر يبني جداراً ليحمي كنز يتيمين لأن أباهما كان صالحاً، وكأن صلاح الآباء يمنح الأبناء امتيازات مادية غيبية، في حين أن آلاف الأطفال اليتامى يموتون جوعاً في كل مكان وزمان دون أن يظهر لهم خضر يبني لهم جداراً أو يوفر لهم كسرة خبز. إن هذا الانتقاء العشوائي في التدخل الإلهي يظهر الخالق ككيان مزاجي، يهتم بكنز مدفون تحت جدار في قرية مجهولة، ويتجاهل صرخات الملايين في ساحات الحروب والمجاعات. إنها قصة كُتبت لتعزية فئة قليلة مؤمنة، وإقناعهم بأن الله يهتم بأدق تفاصيلهم، بينما الواقع يثبت يومياً أن هذا الكون لا يحابي أحداً، وأن القوانين المادية هي السيدة الوحيدة للموقف.
إن التداعيات الأخلاقية لهذه الخرافة في العقل الجمعي هي تداعيات مدمرة؛ فهي تؤسس لفكرة "المعرفة المطلقة" التي تبيح انتهاك المحرمات. لقد استغل الصوفية والباطنية هذه القصة لشرعنة سلطة "الشيخ" الذي لا يُسأل عما يفعل، ولقمع مريديهم بدعوى أن للشيخ "خضريته" الخاصة وعلمه الذي لا يدركه العقل القاصر. كما استغلها الحكام الطغاة لإقناع الشعوب بأن قراراتهم الجائرة هي في الحقيقة "خرق للسفينة" من أجل مصلحة كبرى لا يراها العوام. إن الخضر ليس مجرد شخصية في قصة، بل هو "منهج تفكير" يعادي الشفافية والوضوح والمنطق، ويقدس الغموض والسرية والقتل باسم الله.
إن مراجعة هذه القصة بعين العقل المعاصر تكشف عن "حماقة مؤلفها" الذي تصور أن القارئ سيبقى أسيراً للدهشة ولن يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة. فكيف يستقيم إله يصف نفسه بالرحمة والعدل مع إله يرسل قاتلاً مأجوراً لإنهاء حياة طفل؟ وكيف يستقيم دين يدعي الوضوح والرشد مع قصة تقوم بالكامل على الرموز المبهمة والتبريرات التي لا تصمد أمام أي فحص أخلاقي؟ إننا أمام تهافت بنيوي، حيث تنهار الشخصية بمجرد نزع غلاف "القداسة" عنها، لتظهر ككائن سادي يتلذذ بممارسة القوة الغيبية على الضعفاء، ويقدم تبريرات هي في حقيقتها إدانات قاطعة لمصدرها المفترض.
في الختام، يتبين أن خرافة الخضر هي واحدة من أكثر القصص إضراراً بالعقل البشري، لأنها تشرعن القبح وتجمله بمساحيق الغيب. إن كشف تناقضاتها ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة أخلاقية لتحرير الإنسان من أوهام "الحكمة الخفية" التي تبرر موته وضياعه. إن العدالة الحقيقية هي تلك التي تُبنى على الأرض، بالمنطق والقانون والمسؤولية، وليس بتدخلات رجل أخضر غامض يقتل الأطفال بدعوى الغيب. إن الإيمان الحقيقي -إن كان له وجود- يجب أن يحترم ذكاء الإنسان وكرامته، لا أن يطالبه بالانحناء أمام جرائم ميتافيزيقية يرتدي فاعلها قناع الولي. لقد حان الوقت لتمزيق هذا القناع ورؤية الخرافة على حقيقتها: مجرد أسطورة قديمة استُخدمت لتبرير صمت الإله وسادية المتخيل الديني، وصناعة وعي مازوخي يقبل بالظلم بانتظار "خضر" لن يأتي أبداً، لأن الخبز والعدل لا يصنعهما إلا الإنسان الذي تخلص من أوهام الغيب وقرر أن يكون سيد مصيره وعقله.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire