Translate

الاستثمار في الموت: سيكولوجية "الرحم" كأداة جيوسياسية (مقال)

.

.
الاستثمار في الموت: سيكولوجية "الرحم" كأداة جيوسياسية




تعد العملية البيولوجية للإنجاب في المجتمعات الإنسانية الطبيعية تجسيداً لإرادة الحياة واستمرار النوع البشري ضمن سياق من الرعاية والمسؤولية الأخلاقية التي تهدف إلى تقديم فرد فاعل ومساهم في الحضارة الإنسانية. غير أن التحولات الأيديولوجية الراديكالية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً مع صعود حركات الإسلام السياسي والنظم الثيوقراطية مثل النظام الإيراني وأذرعه كحركة حماس، قد أخرجت هذا الحق الإنساني من سياقه الفطري والاجتماعي لتحوله إلى أداة جيوسياسية واستراتيجية عسكرية ضمن ما يمكن تسميته بالحرب الديموغرافية الشاملة. إن جوهر هذه الإشكالية يكمن في سيكولوجية أيديولوجية ترى في الإنسان مجرد رقم في معادلة القوة، وفي الطفل مشروع "شهيد" مع وقف التنفيذ، مما يخلق هوة سحيقة بين مجتمعات تقدس الحياة وتستثمر في جودتها، ومجتمعات عقائدية تستثمر في "الموت" وتستخدم الأجيال الجديدة كوقود لاستمرارية صراعات وجودية تفتقر لأدنى مقومات العقلانية السياسية.
يبدأ هذا التحول من خلال نقد عميق للفكر "الكمي" الذي يهيمن على العقل الجمعي في المجتمعات العقائدية مقابل الفكر "النوعي" الذي يميز المجتمعات المتحضرة والدول المؤسساتية. ففي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم الحديث نحو تقليل الكثافة السكانية لصالح رفع كفاءة الفرد وتعليمه وضمان رفاهيته الصحية والنفسية، نجد أن الجماعات الإرهابية والأنظمة الشمولية تصر على سياسة الإغراق البشري. هذا الفكر الكمي لا ينبع من جهل بالموارد المحدودة أو الضغوط الاقتصادية، بل هو قرار استراتيجي واعي يهدف إلى خلق كتلة بشرية ضخمة يمكن استخدامها كأداة ضغط دولي أو كخزان بشري لا ينضب للمقاتلين. إن الفرد في هذا السياق يفقد قيمته الذاتية ككيان مستقل له تطلعاته وأحلامه، ليتحول إلى مجرد وحدة إنتاجية في "مصنع الديموغرافيا". هذه الرؤية المادية للبشر، رغم تغليفها بغلاف ديني، تمثل ذروة الاستلاب الإنساني، حيث يتم التعامل مع الأجيال القادمة كبيادق على رقعة شطرنج جيوسياسية، لا تهم حياتهم بقدر ما يهم عدد الجثث التي يمكن تقديمها في ميزان "المظلومية" أمام الرأي العام العالمي.
وتتجذر هذه الممارسة في توظيف مشوه للنصوص التراثية والدينية التي يتم انتزاعها من سياقاتها التاريخية لخدمة أجندة العسكرة. إن تكرار شعارات مثل "المباهاة بالعدد" في الخطب السياسية والمنابر الإعلامية التابعة لحماس أو في الأدبيات الثورية الإيرانية ليس مجرد دعوة اجتماعية للتكاثر، بل هو تأسيس لشرعية التضحية بالأطفال. عندما يتم إقناع الوالدين بأن الغاية الأسمى من الإنجاب هي "مباهاة الأمم" أو تقديم القرابين في سبيل فكرة غيبية، فإن العاطفة الأبوية الطبيعية تتعرض لعملية "تكييف أيديولوجي" قسري. هذا التوظيف يحول الرحم من مكان للحق في الحياة إلى منصة لإطلاق مشاريع الموت، حيث تصبح الأم التي تنجب أطفالاً وسط ركام الحروب والمجاعات بطلة في السردية التنظيمية، لا لأنها ربت جيلاً مبدعاً، بل لأنها قدمت "مادة خام" قابلة للاستهلاك في العمليات الإرهابية أو كدروع بشرية. إن شرعنة التضحية بالطفولة تحت مسمى "الشهادة" تمثل أخطر أنواع التلوث الفكري، لأنها تقضي على غريزة الحماية لدى الكبار وتستبدلها بغريزة "الافتداء بالأبناء" لصالح القائد أو الحزب أو الأيديولوجيا.
ويتجلى الفارق الجوهري بين هذه العقلية الإرهابية وعقلية الدول الحديثة في المقارنة العملياتية والأخلاقية على أرض الواقع. ففي إسرائيل، نجد أن الدولة تستثمر مليارات الدولارات في بنية تحتية دفاعية تهدف أساساً لحماية المدنيين، حيث تفرض القوانين وجود ملاجئ محصنة في كل بيت ومبنى، وتطور منظومات تكنولوجية مثل القبة الحديدية ليس لحماية الأهداف العسكرية فحسب، بل لمنع وصول الموت إلى المواطن العادي. هنا، تظهر قيمة الإنسان كغاية قصوى للسيادة الوطنية. في المقابل، نجد في غزة وإيران نموذجاً معكوساً تماماً؛ حيث يتم حفر آلاف الكيلومترات من الأنفاق المحصنة والمزودة بالكهرباء والأكسجين والمؤن، ليس لإيواء الأطفال والنساء أثناء الحروب، بل لتأمين بقاء المقاتلين وقيادات التنظيم. المدنيون في هذه السردية يُتركون فوق الأرض مكشوفين أمام الآلة العسكرية، بل ويتم تشجيعهم على البقاء في مناطق الخطر لضمان سقوط ضحايا يمكن استخدامهم في معركة الوعي الإعلامي. إن الأنفاق للمقاتلين والمكشوف للمدنيين هي التجسيد المادي لفكر يرى في شعبه "درعاً لحماية السلاح" بدلاً من أن يكون السلاح "درعاً لحماية الشعب".
هذا الواقع يغذي مفهوم "ماكينة تفريخ الشهداء"، وهو التوصيف الأدق للدور الذي تفرضه هذه الجماعات على المرأة في مجتمعاتها. المرأة هنا لا تُعرف بقدراتها العقلية أو إسهاماتها المهنية، بل بقدرتها على "تزويد الجبهة" بالعناصر البشرية. هذا المفهوم يسلب من الطفولة براءتها قبل أن تبدأ، فالطفل الذي يولد في ظل هذه الأيديولوجيا يُنشأ على أنه "مشروع إرهابي" مع وقف التنفيذ، ويتم تلقينه منذ نعومة أظفاره بأن الموت في سبيل الفكرة هو أسمى من العيش لبنائها. هذا التأثير المدمر على العقل الجمعي الإسلاموي يؤدي إلى تآكل قيمة الفرد؛ فالموت الجماعي يصبح خبراً عادياً، والأشلاء تتحول إلى صور في بوسترات دعائية، والحياة البشرية تفقد قداستها أمام قداسة التنظيم. إن تحويل المجتمع إلى ثكنة ديموغرافية تعيش على فتات المعونات وتنتج فقط "الموت" هو انتحار حضاري يتم بوعي كامل من قبل القيادات التي تتاجر بهذه الدماء من فنادقها أو من مخابئها تحت الأرض.
إن النفاق الأخي في هذه الأيديولوجيا يظهر عندما تتحدث عن "حقوق الإنسان" أو "الإبادة الجماعية" أمام المحافل الدولية. فمن يتهم الآخرين بممارسة الإبادة هو نفسه من يمارس عملية إبادة ممنهجة لمستقبل شعبه عبر زجهم في صراعات خاسرة واستخدامهم كوقود بشري. إن الإبادة الحقيقية هي تلك التي تُمارس ضد عقول الأطفال عبر غسلها بأفكار الكراهية، وتلك التي تُمارس ضد الأمهات عبر تحويلهن إلى وسائل إنتاج لضحايا المستقبل. إن استراتيجية الحرب الديموغرافية لا تهدف إلى الانتصار العسكري بالمعنى التقليدي، بل تهدف إلى "الإغراق الأخلاقي" للخصم، حيث تضعه أمام خيار قتال عدو يتترس بالأطفال، فإذا رد المعتدى عليه سقط الأبرياء وتلقفتهم كاميرات البروباغندا، وإذا صمت تعرض مواطنوه للقتل بصواريخ تخرج من بين المدارس والمستشفيات.
علاوة على ذلك، فإن سيكولوجية الاستثمار في الموت تعتمد على خلق حالة من "العدمية المقدسة"، حيث يصبح الفقر والجوع والدمار علامات على الصمود والإيمان بدلاً من أن تكون دوافع للثورة ضد المسبب الحقيقي للمأساة. النظام الإيراني، الذي يبني مدناً صاروخية تحت الأرض بينما يعاني شعبه من التضخم والانهيار الصحي، يطبق نفس النموذج الذي تطبقه حماس في غزة. كلاهما يرى في الإنسان "مادة استهلاكية" (Consumable) في حرب أيديولوجية عابرة للحدود. هذه العقلية لا تؤمن بالدولة الوطنية أو الرفاه الاجتماعي، بل تؤمن بالانتشار الأفقي للأيديولوجيا عبر التكاثر الكمي والولاء العقدي المطلق. إن الفرد الذي يولد في هذه البيئة لا يملك فرصة ليكون "إنساناً عالمياً" يشارك في التقدم العلمي أو الفني، بل يُحكم عليه منذ اللحظة الأولى بأن يكون رقماً في صراع مرير لا ينتهي.
في الختام، يظهر بوضوح أن تحويل الإنجاب إلى أداة جيوسياسية هو الجريمة الكبرى التي ترتكبها الجماعات الإرهابية والأنظمة الثيوقراطية ضد شعوبها أولاً وضد الإنسانية ثانياً. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد الحلول العسكرية؛ إنها تتطلب "ثورة فكرية" تعيد الاعتبار لقيمة الفرد، وتحرر "الرحم" من قيود الأيديولوجيا العسكرية، وتعيد تعريف الأمومة كفعل لبناء الحياة لا لتفريخ الموت. إن المجتمعات التي تفتخر بقدرتها على حماية مواطنيها وتوفير الملاجئ لهم هي التي تمثل المستقبل، بينما المجتمعات التي تفتخر بعدد قتلاها وبقدرة قادتها على الاختباء في الأنفاق هي مجتمعات تحكم على نفسها بالفناء التاريخي. إن الاستثمار في الحياة هو الرد الوحيد الممكن على الاستثمار في الموت، وفضح سيكولوجية "الرحم المسلح" هو الخطوة الأولى نحو استعادة كرامة الإنسان في هذه المناطق المنكوبة بالأيديولوجيا.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...